St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 386- أليس يسوع مجرد نبي بشهادة الإنجيل (مت 21: 10)؟ وكيف يكون المسيح رئيس السلام (إش 9: 6) ويثير القلاقل فيقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام (مت 21: 12)، ويضرب الناس بالسوط (يو 2: 15)؟ وهل السيد المسيح طرد الباعة في نهاية خدمته (مت 21: 12، 13، مر 11: 15، 16، لو 19: 45)، أم طردهم في بداية خدمته (يو 2: 15، 16)؟ ولماذا اختلف قول المسيح في إنجيل متى (مت 21: 13) عن قوله في إنجيل يوحنا (يو 2: 16)؟

 

س386: أليس يسوع مجرد نبي بشهادة الإنجيل (مت 21: 10)؟ وكيف يكون المسيح رئيس السلام (إش 9: 6) ويثير القلاقل فيقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام (مت 21: 12)، ويضرب الناس بالسوط (يو 2: 15)؟ وهل السيد المسيح طرد الباعة في نهاية خدمته (مت 21: 12، 13، مر 11: 15، 16، لو 19: 45)، أم طردهم في بداية خدمته (يو 2: 15، 16)؟ ولماذا اختلف قول المسيح في إنجيل متى (مت 21: 13) عن قوله في إنجيل يوحنا (يو 2: 16)؟ (راجع علاء أبو بكر - البهريز جـ 2 س110 ص125، س223 ص192، جـ3 س12 ص17، س25 ص36، س 236 ص150 - 153، جـ4 س111 ص76 - 78، س203 ص194 - 202، س225 ص239، جـ5 س5).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: أليس يسوع المسيح مجرد نبي بشهادة الإنجيل (مت 21: 10)؟

1- نحن لا نُنكر أن يسوع المسيح جمع في شخصه الكهنوت والمُلك والنبوة، فهو رئيس الكهنة الأعظم، وهو ملك الملوك ورب الأرباب، وهو أيضًا النبي، وقد أنبأنا بأمور مستقبلية مثل خراب أورشليم (مت 24: 2، لو 19: 41 - 44)، وما سيحل بالكنيسة من ضيقات وآلام (مت 10: 17 - 23، 24: 9، يو 15: 20، 16: 2)، وعلامات مجيئه الثاني (مت 24: 29 - 33)، ولكن السيد المسيح ليس مجرد نبي فقط بل هو رب جميع الأنبياء. وقد أدركت الجموع أن يسوع نبي عظيم لكنها لم تدرك أنه هو الإله الوحيد المتجسد من أجل خلاصنا: "وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً مَنْ هذَا. فَقَالَتِ الْجُمُوعُ هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ" (مت 21: 10، 11)، ولما أقام ابن أرملة نايين من الموت: "فَأَخَذَ الْجَمِيعَ خَوْفٌ وَمَجَّدُوا اللَّه قَائِلِينَ قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ وَافْتَقَدَ اللَّه شَعْبَهُ" (لو 7: 16)، وعندما أخبرته الجموع أن هيرودس يريد قتله ذكر المَثَل الشائع حينذاك " لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ خَارِجًا عَـنْ أُورُشَلِيمَ" (لو 13: 33)، وهكذا ظن فيه تلميذي عمواس: "يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ الَّذِي كَانَ إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ اللَّه وَجَمِيعِ الشَّعْبِ" (لو 24: 19). وقديمًا قال الرب لموسى: "يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ.. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ.." (تث 18: 15 - 20) وكانت تلك نبوءة شهيرة عن السيد المسيح كلمة اللَّه المتجسّد الذي عنده كلام الحياة ومن لا يسمع له ليس له خلاص (راجع مدارس النقد - عهد قديم جـ 7 س871).

وبالمثل أيضًا دعنا نتساءل: هل السيد المسيح مجرد رسول؟ السيد المسيح هو رسول، ولكنه ليس مجرد رسول فقط، بل هو رب جميع الرسل، هو الذي أرسل الرسل في العهد القديم وأيضًا في العهد الجديد (مت 10: 5، 16، 28: 19).. السيد المسيح هو رسول لأن الآب أرسله من أجل خلاص العالم، وهو قال: "لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 5: 30).. " وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي" (يو 11: 42).. " الَّذِي يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ يُؤْمِنُ بِـي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 12: 44).. " لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ" (يو 12: 49). والسيد المسيح هو رب الرسل، فهو الذي أرسل الآباء الرسل الأطهار ليكرزوا به في الأقطار.

وجاء في بداية رسالة العبرانيين: "اللَّه بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ. كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ" (عب 1: 1، 2) فاللَّه الآب كلمنا في العهد القديم عن طريق الآباء والأنبياء، وكلمنا في العهد الجديد في ابنه، ولم يكن الأنبياء مصدر النبوءة لكنهم حملوا النبؤات للبشرية، بينما السيد المسيح هو مصدر النبوءة.. النبي يسمع قول الرب وينطق به، فالنبوءة ليست من بنات أفكار النبي بل من اللَّه ذاته: "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّه الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (2 بط 1: 21)، والنبي يرى رؤى القدير ويخبر بها، فلذلك دُعي رائي، أما السيد المسيح فهو أقنوم الكلمة، أقنوم الحكمة، صورة الآب غير المنظور.. النبي هو آلة تُعلن صوت اللَّه أما السيد المسيح فهو اللَّه ذاته. ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "يا له من أمر عظيم أن يرسل الأنبياء إلى آبائنا، أما بالنسبة لنا فقد أرسل ابنه الوحيد نفسه.. لم يرى أحد منهم (من الأنبياء) اللَّه، أما الابن الوحيد فيراه" (1074). كما قال أيضًا " يا للعجب! لقد تنازل واختار ألا يتحدث (اللَّه) معنا بواسطة عبيده بل بفمه.. كان لهم موسى معلمًا، أما نحن فلنا رب موسى" (1075). ويقول "القمص تادرس يعقوب": "لقد أبلغ الأنبياء الصوت الإلهي للآباء بكونهم قنوات لا فضل لهم سوى تبليغ الرسالة كما هيَ، إذ " اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللَّه" (رو 3: 2)، ويشهد السيد المسيح نفسه أن موسى والأنبياء تحدثوا عنه، أما السيد فهو الصوت عينه، أو الحق بذاته" (1076).

 

2ــ كيف يكون السيد المسيح رئيس السلام (إش 9: 6) ويثير القلاقل فيقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام (مت 21: 12)؟ وهل ضرب الناس بالسوط (يو 2: 15)؟ السيد المسيح هو ملك السلام وهو رئيس السلام (إش 9: 6، أف 2: 14)، ومن المستحيل أن يكون معنى السلام ترك المخالفين بلا عقوبة، فكما أن اللَّه هو إله السلام والرحمة والعطف والمحبة والشفقة والحنو، فهو أيضًا إله العدل والحق والإستقامة. وفي زمن السيد المسيح احتكر الصدوقيون وظيفة رئيس الكهنة بالرشوة وبسطوا أيديهم على الهيكل بهدف الكسب المادي، وهم لا يؤمنون بالحياة الأخرى، ولا الملائكة والأرواح، ولا الثواب والعقاب، فحاولوا أن يعيشوا ملكوتًا أرضيًا من خلال الغنى الفاحش وتعظم المعيشة، وكانوا يؤجرون ساحة الهيكل، أي رواق الأمم، لتجار العملة حتى يتمكن الوافدون من أقطار مختلفة أن يدفعوا ضريبة الدرهمين (نصف الشاقل) وإيفاء إلتزاماتهم الأخرى، وأيضًا لتجار الذبائح من أغنام ومواشي وتجار الحمام، وكانت تلك الحيواتات والطيور تُباع بأسعار باهظة بحجة أن الكهنة قد صدقوا على صلاحيتها لتقديمها ذبائح، فجاء رب الهيكل وغار غيرة شديدة على بيته فطرد الذين يبيعون ويشترون وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، لأن هذه الأمور مكانها خارج حرمة الهيكل: "مَكْتُوبٌ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ" (مت 21: 12، 13)، وبعد أن طهّر الهيكل: "وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ" (مر 11: 16) وصار يُعلّم في الهيكل ويشفي العُمي والعُرج، وأعاد للمكان هيبته ووقاره وقداسته. فما صنعه هو عين الحق ولا ينم على الإطلاق أنه قاسي القلب يثير القلاقل، فيسوع الذي طهّر الهيكل هو هو الذي بكى على أورشليم التي لم تعرف زمان إفتقادها وقد رفضته فتركها للخراب (لو 19: 41).

والذين يدَّعون تطهير الهيكل نوع من إثارة القلاقل ونزع السلام، فليقولوا لنا أي سلام يقوم على الفوضى وغياب العدل وسيادة الظلم؟!! أي مدينة يغيب عنها العدل، وتفتقر إلى جهاز شرطة قوي، ولا تتحوَّل إلى فوضى وخراب ودمار؟!! فما فعله السيد المسيح هو إقرار العدل في هيكل اللَّه أقدس مكان على الأرض، وحماية للوافدين لزيارة الهيكل من جشع رؤساء الكهنة والتجار، والسيد المسيح لم يؤذيهم في تجارتهم إنما جعلهم يرحلون إلى مكان تواجدهم الطبيعي بعيدًا عن حرمة الهيكل.. أنه جاء ليصلح ما أفسدته تلك القيادات الدينية الفاسدة، وما صنعه هو مثال مصغر جدًا جدًا من يوم مجيئه الثاني ليدين المسكونة بالعدل فيكافئ الأبرار ويُعلن غضبه على الأشرار..

ومن قال أن السيد المسيح ضرب الناس بالسوط؟ ما جاء في إنجيل يوحنا يُخبرنا فقط أنه صنع سوطًا دون أي إشارة لاستخدامه لهذا السوط في إلهاب ظهور المخالفين: "فَصَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَال وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ اَلْغَنَمَ وَالْبَقَرَ وَكَبَّ دَرَاهِمَ الصَّيَارِفِ وَقَلَّبَ مَوَائِدَهُمْ" (يو 2: 15)، فالسيد المسيح بمجرد أن رفع السوط وقعت رهبته على الجميع ففروا من أمامه، وألا كيف يستطيع بمفرده أن يُطرد هؤلاء الغوغاء المؤيدين بسلطة رؤساء الكهنة، ذاك العمل الذي يحتاج إلى عشرات من الضباط والجنود؟! أنه الديان العادل الذي لا يثبت أمامه هؤلاء التجار الذين يعبدون المال، وإذ بمالهم يتناثر على الأرض، وحتى القيادات الدينية صمتت صمت الإنسان العاجز.. لماذا؟

أ - لأن هيبته قد أرعبتهم فركضوا من أمامه.

ب- خشى رؤساء الكهنة منه وأيضًا من الجموع المحيطة به، وهم يعلمون أنه قادر على تحريك تلك الجموع بطرف أصبعه في أي إتجاه يريد، ولذلك بالرغم من قرارهم بالقضاء عليه فقد اتفقوا جميعًا على تنفيذ خطتهم بعد العيد لئلا يحدث شغب.

جـ- ربما أحس بعضهم بالذنب والندم لأنهم حوَّلوا مجد اللَّه في هيكله إلى تجارة وأعمال لصوصية.

وكل ما فعلته تلك القيادات أنه في اليوم التالي: "وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْهَيْكَلِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب وَهُوَ يُعَلِّمُ قَائِلِينَ بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا وَمَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ" (مت 21: 23)؟ وهم يعلمون جيدًا أنهم الجهة الوحيدة التي تمنح السلطان لأي إنسان يتصرف أي تصرف في الهيكل، ولا تحدث صغيرة أو كبيرة في الهيكل إلاَّ وحنان رئيس الكهنة السابق خلفها، وبالرغم من أنهم عاينوا سلطان لاهوته الذي أرهب المئات إلاَّ أنهم سألوه: "بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا "، فهم يصرُّون على إنكار سلطته كرب الهيكل، والسيد المسيح لم يجبهم على تساؤلهم لأنهم لن يقبلوا إجابته، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. ولو قال لهم أنا رب الهيكل من كان منهم سيصدقه: "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً.. مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا مِنْ أَيْنَ كَانَتْ. مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ" (مت 21: 24، 25).. هذا السلطان الذي يسألون عنه رؤساء الكهنة هو السلطان الذي سيعاينه الذين سيأتون للقبض عليه في البستان: "فَلَمَّا قَالَ لَهُـمْ إِنِّي أَنَا هُوَ رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ" (يو 18: 6). ولأن السيد المسيح لم يضرب أحدًا بالسوط، لذلك لم توجه له هذه التهمة وقت المحاكمة، بالرغم من أنهم اجتهدوا ليجدوا عليه علة ولو كانت زورًا.

 

3ــ هل السيد المسيح طهَّر الهيكل في نهاية خدمته (مت 21: 2، مر 11: 15، 16، لو 19: 45)، أم أنه طهّره في بداية خدمته (يو 2: 15، 16)؟ ولماذا اختلف قول السيد المسيح في إنجيل متى (مت 21: 13) عن قوله في إنجيل يوحنا (يو 2: 16)؟ طهّر الرب يسوع الهيكل مرتين، الأولى جاء ذكرها في إنجيل يوحنا، فبعد أن صنع أول معجزاته في عُرس قانا الجليل (يو 2: 11): "وَبَعْدَ هذَا انْحَدَرَ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ هُوَ وَأُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ وَتَلاَمِيذُهُ وَأَقَامُوا هُنَاكَ أَيَّامًا لَيْسَتْ كَثِيرَةً. وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيبًا فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَوَجَدَ فِي الْهَيْكَلِ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ بَقَرًا وَغَنَمًا وَحَمَامًا وَالصَّيَارِفَ جُلُوسًا. فَصَنَعَ سَوْطًا مِـنْ حِبَـال وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ" (يو 2: 12 - 15)، وفي هذه المرة صنع سوطًا وإنتهر المخالفين قائلًا: "لاَ تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ" (يو 2: 16)، وذكر القديس يوحنا هذه الحادثة لأنه لم يأتِ لها ذكر في الأناجيل الأخرى، والتي ذكرت تطهير الهيكل مع نهاية خدمة السيد المسيح، وهذه هيَ المرة الثانية، ولم يصنع فيها السيد المسيح سوطًا، إنما كان تبكيته للمخالفين أشد وأقوى: "وَقَالَ لَهُمْ مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ" (مت 21: 13). فبعد أن طهّر السيد المسيح الهيكل في بداية خدمته عاد إليه التجار وعششوا فيه ثانية، فكرّر السيد المسيح الطرد مع نهاية خدمته، مؤكدًا على ضرورة الحدث، فهو يصرُّ أن يحفظ للهيكل وقاره، بينما هؤلاء التجار الجشعون ومن خلفهم رؤساء الكهنة يصرُّون على تحويله إلى بيت تجارة ومغارة لصوص، ولذلك في اليوم التالي لتطهير الهيكل في المرة الثانية وقف يحرس الهيكل ولم يدع أحدًا يجتاز بمتاع. ولأهمية موضوع تطهير الهيكل فأنه كان محط نبوات العهد القديم، فجاء في سفر إشعياء: "لأَنَّ بَيْتِي بَيْـتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى لِكُلِّ الشُّعُوبِ" (إش 56: 7)، وفي سفر إرميا: "هَلْ صَارَ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ مَغَارَةَ لُصُوصٍ فِي أَعْيُنِكُمْ. هأَنَذَا أَيْضًا قَدْ رَأَيْتُ يَقُولُ الرَّبُّ" (إر 7: 11)، وجاء في سفر يوئيل: "وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مُقَدَّسَةً وَلاَ يَجْتَازُ فِيهَا الأَعَاجِمُ فِي مَا بَعْدُ" (يؤ 3: 17)، وجاء في سفر زكريا: "لاَ يَكُونُ بَعْدُ كَنْعَانِيٌّ فِي بَيْتِ رَبِّ الْجُنُودِ" (زك 14: 21) ويقصد بالكنعاني التاجر اليهودي الذي له قلب الكنعانيين، وجاء في سفر ملاخي: "وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ" (ملا 3: 1).

ويقول "القديس أغسطينوس": "ذكر إنجيل يوحنا أن الرب يسوع قال لدى تطهيره الهيكل " لاَ تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ" (يو 2: 16)، في حين أن إنجيل متى ذكر أنه قال: "مَكْتُوبٌ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ" (مت 21: 13). ولكن هذين القولين لا يتعارضان، بل يظهران أن الرب طهّر الهيكل مرتين. كما أن هذين التعبيرين لا يشيران إلى نفس المناسبة، بل يشيران إلى أن المرة الأولى كانت في بداية خدمته، والثانية عندما كان متجهًا نحو طريق آلامه. فقد استعمل في المرة الثانية كلمات عنيفة، ولكنه في بداية معجزاته استعمل توبيخًا لطيفًا" (موقع دير القديس أنبا مقار الكبير على شبكة الانترنت).

ويقول "المشرقي": "ذُكر أنه طردهم مرتين الأولى ذُكرت في إنجيل يوحنا (يو 2: 16 - 18) وهيَ كانت في الفصح الذي بعد عماده، والثانية في إنجيل متى (مت 21: 12، 13) ومما يدل على أنهما دفعتان ما يأتي:

(1) يوحنا ذكرها في الفصح الذي يلي عماده، أما متى ذكرها في الأسبوع الأخير من حياته على الأرض.

(2) المرة الأولى قال لهم: "لاَ تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ "، والمرة الثانية قال لهم: "بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ ".

(3) في المرة الأولى أجابه اليهود وقالوا له: "أَيَّةَ آيَةٍ تُرِينَا حَتَّى تَفْعَلَ هذَا "، وفي المرة الثانية سكتوا" (1077).

وجاء في "التفسير التطبيقي": "هذه هيَ المرة الثانية التي يُطهِر فيها الرب يسوع الهيكل (انظر يو 2: 13ــ 25)، فكان التجار والصيارفة ينصبون خيامهم في فناء الأمم في الهيكل، فيملئونه ببضائعهم بدلًا من أن يسمحوا للأمم، الذي جاءوا لعبادة اللَّه أن يملئوه. وكان التجار يبيعون الحيوانات للذبائح بأسعار فاحشة مستغلين أولئك الذين جاءوا مسافات بعيدة. وكان الصيارفة يستبدلون العملات المختلفة بعملة الهيكل، وهيَ العملة الوحيدة التي كان التجار يقبلون التعامل بها. وكثيرًا ما كانوا يغشُّون الغرباء الذين يجهلون سعر الصرف. فلم يكن التجار والصيارفة غير أمناء فحسب، بل كانوا يستغلون من جاءوا ليعبدوا اللَّه. وكانت هذه التجارة في بيت اللَّه تحبط محالات الشعب للعبادة. ولا شك في أن هذا قد أغضب الرب يسوع جدًا، فيجب منع أي ممارسة تتعارض مع عبادة اللَّه" (1078).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1074) أورده القمص تادرس يعقوب - الرسالة إلى العبرانيين ص11.

(1075) المرجع السابق ص11، 12.

(1076) المرجع السابق ص12.

(1077) أورده القس يوسف البراموسي - تساؤلات حول إنجيل متى ص82.

(1078) التفسير التطبيقي ص1939، 1940.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/386.html