سؤال 692: هل " نَثَنَائِيلَ" (يو 1: 45) شخص حقيقي أم أنه هو رمز ومثال لكل إسرائيلي غيور؟ وهل هو "متى العشار" لأن اسم كل منهما "هبة الله" أو "عطية الله"؟ ولماذا لم يرد اسم "نثنائيل" من أسماء الاثنى عشر تلميذًا في الأناجيل الأخرى؟ ولماذا قال نثنائيل لفيلبس: " أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟" (يو 1: 46)؟ وماذا قصد السيد المسيح من قوله عن نثنائيل: " هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيه" (يو 1: 47)؟ وقوله لنثنائيل: " وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ رَأَيْتُكَ" (يو 1: 48)؟

ج: أولًا: هل " نَثَنَائِيلَ" (يو 1: 45) شخص حقيقي أم أنه هو رمز ومثال لكل إسرائيلي غيور؟ وهل هو "متى العشار" لأن اسم كل منهما "هبة الله" أو "عطية الله"؟ ولماذا لم يرد اسم "نثنائيل" من أسماء الاثنى عشر تلميذًا في الأناجيل الأخرى...؟ ظن البعض أن نثنائيل ليس شخصًا حقيقيًا، إنما هو رمز ومثال لكل إسرائيلي غيور القلب، نقي النفس، يؤمن بالسيد المسيح في كل العصور والأجيال (راجع وليم باركلي - شرح بشارة يوحنا جـ 1 ص131). ولكن النص الإنجيلي واضح أنه يحكي عن قصة حقيقية، لا مجال للرموز فيها، فنرى دعوة فيلبس له وحوارهما معًا، ثم استجابته للدعوة ولقاؤه مع السيد المسيح، والحوار الذي جرى بينهما، فلو قلنا أن نثنائيل مجرد رمز ومثال لا وجود له في أرض الواقع، فإن هذا سيقودنا إلى أن فيلبس وأندراوس ويوحنا وبطرس كل منهم يرمز لشخصية معينة عبر التاريخ، وليسوا أشخاصًا حقيقيين. لا يجب الخلط بين الحقائق التاريخية والرموز والصور. وأيضًا "نثنائيل" ليس هو "متى العشار" لأن قصة كل منهما وردت في الأناجيل على حدى، متى العشار هو لاوي الذي دعاه السيد المسيح ليتبعه من مكان الجباية (مت 9: 9) أما نثنائيل فقد دعاه فيلبس (يو 1: 45-46).
وقد جاء اسم "نثنائيل" في الأناجيل الإزائية بِاسم "برثولماوس" (راجع مت 10: 3؛ مر 3: 18؛ لو 6: 14؛ أع 1: 13)، فهذا التلميذ كان اسمه "نثنائيل"، ولقبه "برثولماوس"، وهو اللفظ اليوناني للاسم الأرامي الأصلي "برثلماوي" أي "ابن تلماي". وإن لم تذكر الأناجيل هذه المعلومة صراحة، مثلما قال القديس متى عن تداوس: " وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ" (مت 10: 3)، لكن من الملاحظ أن اسم برثولماوس اقترن بِاسم فيلبس في الأناجيل الأزائية، بينما اقترن اسم نثنائيل بِاسم فيلبس في إنجيل يوحنا (يو 1: 45). ويورد "دكتور محمد علي زهران": " شهادتي وليم باركلي والقس إبراهيم سعيد، فيقول: "وقال "دكتور وليم باركلي": "من المُحتمل جدًا أن نثنائيل وبرثولماوس هنا اسمان لشخص واحد " (شرح بشارة يوحنا جـ 1 ص133). وقال "الدكتور إبراهيم سعيد ": "ومن المرجح جدًا أن نثنائيل هو برثولماوس سيما وأن برثولماوس ليس اسمًا بل كنية ومعناه ابن تلماي أي "ابن الحارث". وربما عُرف في بعض الأوساط بِاسم نثنائيل وفي البعض الآخر بكنية "ابن الحارث"... (شرح بشارة يوحنا ص79)... (88) (راجع أيضًا مدارس النقد - عهد جديد جـ 4 س316).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: لماذا قال نثنائيل لفليبس: " أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟ (يو 1: 46)؟ يبدو أن نثنائيل كان له معرفة أكثر من فيلبس بالأسفار المقدَّسة والنبؤات، وكان على دراية أن المسيا سيأتي من بيت لحم أفراتة بحسب نبوءة ميخا النبي (مي 5: 2)، فهيَ القرية التي أنجبت داود النبي أعظم ملوك إسرائيل، بينما مدينة الناصرة بالجليل، وقد اختلط فيها اليهود مع الأمم لم تكن سمعتها حسنة مثل "بيت لحم" القريبة من هيكل أورشليم. وفات على نثنائيل:
1- إن المسيا المُخلِّص لم يأتِ من أجل اليهود فقط، إنما آتى من أجل الأمم أيضًا، فهو مُخلِّص العالم، كل العالم، يهود وأمم.
2- إن أقنوم الكلمة المتجسد قد أخلى ذاته، حتى قالت عنه النبوءات أنه " مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ" (إش 53: 3)، فارتضى أن يسكن في مدينة ناصرة الجليل.
ونظرة نثنائيل هنا هيَ نفس نظرة الفريسيين الذين قالوا لنيقوديموس: " فَتِّشْ وَانْظُرْ إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ" (يو 7: 52) مع أنه قام في الجليل أنبياء عظماء مثل يونان وناحوم وإيليا وأليشع وعاموس، ولم يرد "فيلبس" أن يدخل في جدال مع نثنائيل بعد أن ذاق محبة وعذوبة يسوع المسيا الذي جاء من سماه إلى أرضنا ليفتقدنا، وتأمل قول الإنجيل: " فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ اتْبَعْنِي" (يو 1: 43) وقوله " فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ" تؤصل الاعتقاد أن يسوع كان مُنشغلًا بفيلبس قبل أن يراه، وكان يبحث عنه حتى وجده وللوقت دعاه لتبعيته، وللوقت أطاع فيلبس، فحبة الحنطة قد وقعت على الأرض الجيدة الحاضنة فأتت بثمر كثير.
ثالثًا: ماذا قصد السيد المسيح من قوله عن نثنائيل: " هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ" (يو 1: 47)؟ وقوله لنثنائيل: " وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ رَأَيْتُكَ" (يو 1: 48)...؟ عندما قال السيد المسيح عن نثنائيل: " هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ" كان يقصد:
1- إن هناك فرقًا بين الإسرائيلي واليهودي، فالإسرائيلي من نسل يعقوب إسرائيل أبًا عن جد، أمَّا اليهودي فقد يكون أحد أسلافه من الأمم، مثل "اللفيف" من المصريين الذين خرجوا مع بني إسرائيل من مصر، ومثل بعض الكنعانيين الذين تهودوا، فنثنائيل من دم إسرائيلي نقي، لم يختلط أحد أسلافه بأحد من الأمم، سواء من جهة الأب أو من جهة الأم، وقال بولس الرسول: " لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ" (رو 9: 6).
2- إنه إسرائيلي بأفعاله الحسنة، فهو إنسان صادق ومُستقيم، لا غش فيه ولا رياء ولا إلتواء، يسلك في القداسة وطهارة السيرة بحسب شريعة إله إسرائيل. لأن كثيرين من الإسرائيليين أفعالهم لا تتوافق مع أصلهم، فعندما قال اليهود: " أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ" (يو 8: 39).
أما عن قول السيد المسيح لنثنائيل " وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ رَأَيْتُكَ" فقال البعض أن المُعلِّمين الربانيين كانوا يجلسون تحت شجرة التين يدرسون ويعلمون الشريعة، فصارت عبارة الجلوس تحت شجرة التين تعبيرًا عن التأمُّل في الأسفار المقدَّسة، فكان لنثنائيل هذا التوجه الذي كشفه له السيد المسيح (راجع آلان مرشدور - الإنجيل بحسب القديس يوحنا ص53). ولكن الاحتمال الغالب ما جاء في التقليد أن نثنائيل قد وُلِدَ في اليهودية في الزمن الذي وُلِدَ فيه يسوع، وعندما صدر قرار الملك هيرودس الكبير بذبح كل أطفال بيت لحم من سن سنتين فما دون، وكان جند هيرودس يفتشون عن الأطفال ليذبحوهم، خبأت أم نثنائيل ابنها في سلة علقتها تحت شجرة تين فنجا نثنائيل من الذبح، وكان هذا سرًا بينه وبين أُمه، فلما كشفه له السيد المسيح للوقت قال: " يَا مُعَلِّمُ أَنْتَ ابْنُ الله أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ" (يو 1: 49).
وشهادة نثنائيل تعكس جمال السيد المسيح الأبرع جمالًا من بني البشر، وعندما وصف أعداء المسيحية يسوع بأنه كان قميئًا، أحدب، دميم الصورة. وردَّ عليهم "عباس محمود العقاد" قائلًا: " فإن الشريعة الموسوية كانت تشترط في الكاهن سواء الخُلق وسلامة الجسم من العيوب. ولا يرسم لخدمة الدين من يعيبه نقص أو تشويه، فمن غير المعقول أن يتصدى للرسالة من يُعاب بالحدب والدمامة والقماءة معًا... وليس في الأناجيل إشارة إلى سمات السيد المسيح تصريحًا أو تلميحًا يُفهم من بين السطور ولكن يؤخذ من كلام نثنائيل حين رآه لأول مرة أنه رائع المنظر ملكي الإشارة. إذ قال له: " أَنْتَ ابْنُ الله أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ"... أننا نفهم من أثر كلامه أنه كان مأنوس الطلعة يتكلم فيوحي الثقة إلى مُستمعيه... وقد كان ولا ريب فصيح اللسان سريع الخاطر... وكانت له قدرة على وزن العبارة المُرتجلة، لأن وصاياه مصبوغة في قوالب من الكلام الذي لا ينظم كنظم الشعر... وذوق الجمال بادٍ في شعوره كما هو بادٍ في تعبيره وتفكيره، وإلتفاته الدائم إلى الأزهار والكروم والجنائن التي يكثر من التشبيه بها في أمثاله... وكثيرًا ما كان يرتاد المروج والحدائق بتلاميذه ويتخذ من السفينة على البحيرة -بحيرة طبرية- منبرًا يخطب منه المُستمعين على شاطئها العشوشب كأنما يوقع كلامه على هزات السفينة وصفقات الموج وخفقات النسيم..." (89) (راجع الوصف الرائع الذي سجله "بيليوس لنتيولس" للسيد المسيح - أورده عباس محمود العقاد - حياة المسيح ص79).
_____
(88) إنجيل يوحنا في الميزان، ص375.
(89) حياة المسيح، ط 2 ص79، 80.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/692.html
تقصير الرابط:
tak.la/zk8kh63