سؤال 691: كيف يضحي يوحنا المعمدان باثنين من تلاميذه (يو 1: 35-37) بهذه السهولة؟ وهل عوضًا أن يُرحب السيد المسيح بالضيفين الجديدين، يحرجهما بسؤاله: " مَاذَا تَطْلُبَانِ؟" (يو 1: 38)؟ ومن هو التلميذ الآخر الذي كان مع أندراوس (يو 1: 40)؟ وهل وطن بطرس الرسول بيت صيدا (يو 1: 44)، أم كفرناحوم (مر 1: 21، 29)؟ وهل اختار السيد المسيح تلاميذه الأوائل قبل سجن يوحنا المعمدان (يو 1: 35-46)، أم بعد سجن المعمدان (مت 4: 18-22)، أم أنه دعى تلاميذه عندما صعد على الجبل (مت 10: 1-4؛ مر 3: 13-14)؟

ج: أولًا: كيف يضحي يوحنا المعمدان باثنين من تلاميذه (يو 1: 35-37) بهذه السهولة...؟ كان يوحنا المعمدان يُدرك رسالته جيدًا، وهيَ أن يعد ويُمهد الطريق أمام المسيا ابن اللَّه، وكان المعمدان يُمثل قمة شامخة من التواضع وإنكار الذات، ويعرف حدوده أنه مجرد صديق العريس وليس هو العريس، لم يكن هو النور الحقيقي، بل ليشهد للنور. وكان يليق بابن اللَّه الذي أخلى ذاته آخذًا شكل وصورة العبد، أن يختار ملاكًا يتقدمه في الطريق، قد أخلى ذاته أيضًا، فكان يوحنا المعمدان هو هذا الملاك الذي لا يسعى لشهرة أو سلطة، وكم كان يشتاق المعمدان أن يوجه أنظار الجميع، ولا سيما تلاميذه، إلى الحمل كلمة اللَّه النور الحقيقي العريس السمائي، لذلك لم يكف عن الشهادة للمسيح حمل اللَّه الذي يرفع خطية العالم. ولا بد أنه تحدث كثيرًا مع تلاميذه عن المسيا المُرتقب مُشتهى الأجيال ومحط النبوءات، وأنه هو مجرد صوت صارخٍ في برية هذا العالم لينتبه العالم إلى مُخلِّص العالم، مما زرع محبة المسيا في قلوب تلاميذ يوحنا قبل أن يرونه، وهو الذي دفع هذين التلميذين لتلبية رغبة مُعلمهما المعمدان، إذ تركاه وتبعا يسوع، ومكثا عنده اليوم كله. وبعد هذا اللقاء الرائع وإذ ارتوى هذان التلميذان من نبع الحُب الصافي، أسرع أندراوس يحمل البُشْرَى لأخيه سمعان بطرس: " قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا" (يو 1: 41)، فهذا شأن من يلتقي بالمسيا، وهكذا فعل فيلبس إذ حمل البشرى لنثنائيل: " وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ" (يو 1: 45). ولا بد أن يوحنا الحبيب خبَّر أخيه يعقوب بن زبدي. وبهذا نجح المعمدان في تحقيق رسالته نجاحًا باهرًا، فسر وابتهج، مثله مثل مدير مدرسة ثانوية حقق تلاميذه مجاميع عالية فالتحقوا بكليات القمة، فهو لم يُضحي بهم، إنما أهلهم لمرحلة أفضل، فيظل يفتخر بأبنائه الطلبة المُتفوقين، ويفرح ويُسر بنجاح رسالته، ويصير موضع تقدير وتكريم المؤسسة التعليمية، وأولياء الأمور، فيلمع نجمه في سماء الفضيلة والأمانة والإخلاص.
ولعظمة هذا اللقاء الأول، ومدى تأثيره على نفسية هذين التلميذين، ظل يوحنا الحبيب يذكر تلك الساعة التي إلتقى فيها مُخلصه الصالح، فكتب بعد نحو ستين عامًا من اللقاء يقول: " وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ" (يو 1: 39)، سواء كانت الساعة العاشرة قبل الظهر بساعتين بحسب التوقيت الحديث، أو على أغلب الظن تُقابل الرابعة بعد الظهر، قبل الغروب بنحو ساعتين، والأمر الجميل أن السيد المسيح لم يصرفهما بحجة أن النهار اقترب من المغيب، ولم يقل لهما: أراكما غدًا، بل دعاهما إليه فاتحًا أحضانه لهما، فقد صارا من أخصائه ومن أسرته، فأحاطهما بحُبه وعطفه فهما من رسل الحَمَل، واستطاب التلميذان هذا اللقاء وهذه المشاعر الفياضة فأمضيا الليل معه.
ثانيًا: هل عوضًا أن يُرحب السيد المسيح بالضيفين الجديدين، يحرجهما بسؤاله: " مَاذَا تَطْلُبَانِ؟" (يو 1: 38)؟. اقترب تلميذا يوحنا المعمدان للسيد المسيح وتبعاه في صمت: " فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَنَظَرَهُمَا يَتْبَعَانِ" (يو 1: 38). لقد أعارهما اهتمامه، وبالرغم من علمه بكل شيء فإنه بادرهما بالسؤال: " مَاذَا تَطْلُبَانِ؟" وبالطبع لا يُريد إطلاقًا أن يحرجهما، فهما محبوبان منه ومُرحبًا بهما، لذلك سألهما: " مَاذَا تَطْلُبَانِ؟" يُريد السيد المسيح أن يزيل أي حرج يشعران به، ويشجعهما على الانخراط معه في الحديث. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " مَاذَا تَطْلُبَانِ...؟ بسؤاله هذا جعلهما أكثر إئتلافًا له، ووهبهما جراءة أعظم، وأظهر أنهما مستحقان أن يسمعاه، لأنه من المُحتمل أنهما كانا خجولين وخائفين، كمن هما ليسا معروفين لديه، وقد سمعا عنه شهادة مُعلمهما له. فلكي ينزع عنهما خجلهما وخوفهما سألهما ولم يدعهما يذهبان معه إلى البيت في صمت... سألهما لكي كما قلت يهب هدوء لعقليهما اللذين قد ارتبكا بالخجل والقلق، ويهبهما ثقته"(86).
وقد أدركا التلميذان الهدف الأسمى من سؤال سيدهما، فلم يخجلا، إنما سألاه بدورهما: " فَقَالاَ رَبِّي الَّذِي تَفْسِيرُهُ يَا مُعَلِّمُ أَيْنَ تَمْكُثُ؟" (يو 1: 38). بقولهما " يَا مُعَلِّمُ" يظهران أنهما يبتغيان التعلُّم والتلمذة، فهما يُريدانه مُعلمًا لهما، وسؤالهما " أَيْنَ تَمْكُثُ؟" أوضحا أنهما يريدان أن يمكثا معه، وينفردا معه في حديث خاص. لم يكن مبتغاهما مجرد سؤال عابر، أو الاستفسار عن أمر ما، والعالِم بكل شيء يعرف اشتياقاتهما فرحب بهما ودعاهما إليه قائلًا: " فَقَالَ لَهُمَا تَعَالَيَا وَانْظُرَا" (يو 1: 39) " تَعَالَيَا" فأهلًا بكما رغم أن النهار قد مال للمغيب " وَانْظُرَا" فإن ابن اللَّه صار ابنًا للإنسان وما زال هو هو ابن اللَّه. هو كابن للَّه مكانه في كل حين هو حضن الآب، وهو كابن الإنسان فإنه: " لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (مت 8: 20). هما سألاه عن المكان أين يمكث، أما هو فأجابهما عن الحالة: " تَعَالَيَا وَانْظُرَا".
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: من هو التليمذ الآخر الذي كان مع أندراوس (يو 1: 40)...؟ أجمع معظم الآباء والمفسرين الدارسين على أن التلميذ الآخر الذي كان مع أندراوس وإلتقى معه بالسيد المسيح، وقد أمسك يوحنا الحبيب عن ذكر اسمه، هو هو يوحنا الحبيب ذاته، وبسبب تواضعه وإنكاره لذاته لم يذكر اسمه. قال "القديس يوحنا الذهبي الفم": " قول يوحنا البشير { كَانَ أَنْدَرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ وَاحِدًا مِنَ الاثْنَيْنِ } ولقائل أن يقول: ولِمَ ما عرَّفنا البشير اسم الآخر. فأقول له: لأجل أنه كان الكاتب لهذه الأقوال" (87).
رابعًا: هل وطن بطرس الرسول بيت صيدا (يو 1: 44)، أم كفرناحوم (مر 1: 21، 29)؟ سبق الإجابة على هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 6 س494.
خامسًا: هل اختار السيد المسيح تلاميذه الأوائل قبل سجن يوحنا المعمدان (يو 1: 35-46)، أم بعد سجن المعمدان (مت 4: 18-22)، أم أنه دعى تلاميذه عندما صعد على الجبل (مت 10: 1-4؛ مر 3: 13-14)...؟ قد سبق الإجابة على هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 3 س239.
_____
(86) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 1، ص168.
(87) شرح إنجيل يوحنا - إعداد القمص أغسطينوس البراموسي، ص29.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/691.html
تقصير الرابط:
tak.la/b446ann