سؤال 684: لماذا قال: " وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" (يو 1: 14) ولم يقل: صارت، مع أنه يتكلم عن الكلمة، والكلمة مؤنث؟ وهل فعل " صَارَ" (يو 1: 14) يعني الصيرورة أي التحوُّل والتغيُّر من حالة إلى حالة أخرى، أي أن الكلمة صار جسدًا ولم يعد هو الكلمة؟

ج: أولًا: لماذا قال: " وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" (يو 1: 14) ولم يقل: صارت، مع أنه يتكلم عن الكلمة، والكلمة مؤنث...؟ لم يقصد يوحنا الرسول من " الْكَلِمَةُ" هنا الكلمة المنطوقة، إنما قصد "أقنوم الكلمة"، وهذا ما تحدثنا عنه بالتفصيل من قبل (راجع س 675). ويمكن ضم هذا العدد للعدد الأول في جملة واحدة، وكأن ما بينهما جملة طويلة اعتراضية، فيصبح المعنى المقصود: " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله، وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله، هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّـهِ ... وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا"، فيترأى لنا في هذه العبارة الخالدة الرائعة الأزل مع الزمن (ملء الزمان)، فأقنوم الكلمة المولود من الآب منذ الأزل، في ملء الزمان اتخذ لنفسه جسدًا بشريًا، ووُلِدَ زمنيًا من العذراء مريم والروح القدس. في المسيح يسوع نرى اللاهوت الذي هو فوق الزمن مُتحدًا بالناسوت الزمني. الناسوت الذي لم يكن له وجود قبل أن يوجد. وكما استخدم يوحنا الإنجيلي فعل " كَانَ" في (يو 1: 1) ولم يستعمل فعل: "كانت"، لأنه يحدثنا عن أقنوم الكلمة، هكذا استخدم في (يو 1: 14) فعل " صَارَ".
وإن كان السيد المسيح لم يُلقب نفسه ولا مرة واحدة بأنه كلمة اللَّه، ولم تألف آذاننا سماع هذا اللقب "الكلمة" في الأناجيل الإزائية، ربما باستثناء ما ذكره لوقا الإنجيلي: " كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَة" (لو 1: 2)، فإننا نجد هذا التعبير "الكلمة" قد حُفر بعمق في كتابات يوحنا الحبيب. وللأسف فإن بعض النُقَّاد ادعوا أن السيد المسيح دُعي "كلمة اللَّه" لأنه خُلق بكلمة "كُنْ": " إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" (آل عمران 3: 59). والحقيقة أن ولادة يسوع من العذراء مريم بدون زرع بشر والتي يقرها القرآن مختلفة تمامًا عن خلقة آدم من التراب، بل أن جميع المخلوقات العاقلة من الطغمات الملائكة والبشر، وأيضًا المخلوقات غير العاقلة، الكل خُلق بكلمة "كُن" فلماذا انفرد السيد المسيح بلقب "كلمة اللَّه"؟!! لم يُدعى إبراهيم بهذا اللقب، مع أنهم يدعونه بخليل اللَّه، وكذا موسى الذي دُعيَ بكليم اللَّه، لم يُدعى أحدهما أو غيرهما بلقب "كلمة اللَّه"، إنما دُعيَ المسيح كلمة اللَّه لأنه من ذات جوهر اللَّه، وهل هناك أدنى فرق بين اللَّه وكلمته وروحه؟!! (راجع كتابنا: أسئلة حول ألوهية المسيح س26، س27).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: هل فعل " صَارَ" (يو 1: 14) يعني الصيرورة أي التحوُّل والتغيُّر من حالة إلى حالة أخرى، أي أن الكلمة صار جسدًا ولم يعد هو الكلمة...؟ نحن نؤمن أن التجسد الإلهي تم باتحاد الطبيعتين، الطبيعة اللاهوتية والطبيعة الناسوتية، بدون اختلاط مثل اختلاط المواد معًا، ولا امتزاج مثل امتزاج السوائل، ولا تغيير، فلم تتغيَّر إحدى الطبيعتين إلى الطبيعة الأخرى، إنما ظلت كل طبيعة تحتفظ بخصائصها. ظل الناسوت محدودًا، يجوع ويعطش ويتعب ويستريح ويفرح ويبكي ويضطرب ويموت، وظل اللاهوت غير محدود، مُنزَّه عن كل احتياجات وضعفات الجسد. أقنوم الكلمة هو اللَّه ذاته، وحاشا للَّه أن يتغيَّر، فهو كمال مُطلّق لا ينقصه شيء حتى يتغيَّر إليه، وهو القوي الذي لا تهزمه الأيام ولا تلحقه الشيخوخة. لم تتحوَّل الطبيعة اللاهوتية إلى طبيعة بشرية، ولا تلاشئت الطبيعة البشرية في الطبيعة اللاهوتية كقول أوطاخي، وقد أودعت الكنيسة هذه الحقيقة الإيمانية في تسابيحها، فجاء في "ثيؤطوكية الخميس": " لم يزل إلهًا. آتى وصار ابن بشر... لكنه هو الإله الحقيقي... آتى وخلصنا" أقنوم الكلمة هو اللَّه قبل التجسد، وأثناء التجسد، وبعد التجسد.
لقد استخدم يوحنا فعل " صَارَ" ليُعبر عن قبول اللَّه للجسد البشري، فالفعل "صار" في اللغة اليونانية يحمل معنى اكتساب صفة جديدة، وفعلًا الطبيعة اللاهوتية اكتسبت طبيعة جديدة، وهيَ الطبيعة البشرية، دون أن يطرأ عليها أدنى تغيير. وفي قول القديس يوحنا: " الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" كان يقصد:
1- تصحيح الفكر الفلسفي اليوناني الذي نظر للجسد نظرة دونية، حتى اعتبره أنه قبر فاسد نتن، قُضي على الروح أن تسكنه ردحًا من الزمن، وكان اليونانيون ينزهون اللَّه عن الاتصال بالمادة أو ضبط الكون المادي، فيقول "وليم باركلي": "حتى "بلوتارك" المؤرخ اليوناني الحكيم ما كان يؤمن بأن اللَّه يُدير دفة هذا الكون المادي بنفسه. فكيف يلتقي منبع الطهارة والبر، بأساس كل قصور وشر؟! كيف يمد إله القداسة يديه، ليدبر هذا الكون الذي مبعثه شر ونهايته شر؟! لا بد من وسطاء ليقوموا بهذا الأمر... و"فيلو" الفيلسوف الإسكندري... يقول: { إن حياة اللَّه لا يمكن أن تتنازل إلينا، ولا يمكن أن تتضع إلى مستوى حاجاتنا } و"مرقس أوريليوس" الإمبراطور الروماني الكبير، والفيلسوف الرواقي... يقول: { ينبغي أن نحتقر هذا الجسد، هذه المجموعة المُتشابكة من الأعصاب والأوردة والشرايين التي تُحيط بالنظام ويغذيها الدم }. { فإن تركيب الجسد كله خاضع للفساد }. وهنا نرى يوحنا يتقدم بالفكر الأسمى الجريء، بأن اللَّه يستطيع ويريد أن يصير إنسانًا... أن الخالق يستطيع أن يتجسَّد في صورة المخلوق، فتراه العيون... كان هذا فكرًا جريئًا جديدًا عن اللَّه، لم يُسمَع به من قبل" (55). ثم يقول "وليم باركلي": " ينبغي أن نُدرك أن هذا العدد (يو 1: 14)، هو أسمى وأعظم الآيات الواردة في العهد الجديد كله... أننا لو قضينا العمر كله، في التأمُّل في هذه الآية ودراستها فإننا لا نستطيع أن نصل إلى أعماق كنوزها" (56).
2- يرد القديس يوحنا على بدعة الغنوسيين الذين نزَّهوا اللَّه عن الاتصال بالمادة أو الاتحاد بالجسد البشري.
3- يرد يوحنا الحبيب على بدعة الدوستيين الذين اعتقدوا أن السيد المسيح لم يتخذ جسدًا بشريًا حقيقيًا، إنما كان يترأى للناس كأنه إنسان وهو ليس كذلك، وتعتبر الدوستية Decestism إحدى الطوائف الغنوسية العديدة، ففي نظرهم أن الجسد الذي ظهر به السيد المسيح مجرد خداع، فهو جسد شبحي خيالي أثيري، وهو ما قال به الأوطاخيون فيما بعد، وهم في اعتقادهم هذا يهدمون سر الفداء، فلو أن السيد المسيح إتخذ جسدًا خياليًا فكيف يفدي أجسادنا الحقيقية؟!!
لقد أراد يوحنا الحبيب أن يؤكد على تجسُّد أقنوم الكلمة، فقال: " الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" فلم يدع أي مجال للشك في حقيقة التجسد الإلهي. ومعنى "صار" هنا تشير بقوة لاستعلان اللَّه في وسط الناس، وحقيقة اتحاد اللاهوت بالناسوت. جاء في "ثيؤطوكية الأربعاء":
" تعالوا انظروا وتعجبوا. وسبحوا وهللوا. بابتهاج لهذا السر. الذي ظهر لنا. لأن غير المُتجسَد تجسَّد. والكلمة تجسَّم. وغير المبتدئ ابتدأ. وغير الزمني صار زمنيًا".
ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " وإذا سمعت أنه "الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" لا تضطرب ولا تسقط، لأن المسيح لم ينتقل من جوهره إلى الجسد، لأن هذه الأفكار فيها كُفر وإلحاد، لكن جوهره بقى على ما هو، فاتخذ على هذه الجهة صورة عبد. وإن سألت: ولما استعمل البشير كلمة "صار" أجبتك استعملها لكي يسد بها أفواه أصحاب البدع، لأنه إذ يوجد أناس يقولون أن أعمال تدبير ربنا كلها إنما كانت خيالًا وتوهمًا، لذلك وضع البشير قوله: "والْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" وبهذا أبطل من بداية كلامه تجديفهم، وبيَّن أنه اتخذ جسدًا حقيقيًا" (57).
ويقول "دكتور موريس تاوضروس": " افتراض التغيُّر لمعنى كلمة "صار" لا ينطبق على اللَّه لأن اللَّه لا يتغيَّر. كلمة "صار" مُلتصقة بلفظ "الكلمة"، فعبارة "الكلمة صار" تعني أن الكلمة الذي هو الإله، والذي هو بهاء مجد الآب ورسم جوهره، والذي هو صورة اللَّه، هذا الإله هو بنفسه وبعينه الذي صار جسدًا (أي إنسانًا)، دون أن يتحوَّل إلى جسد ودون أن يفقد ما يخصه. أن كلمة "صار" تعني أن هذا الذي صار إنسانًا، وصار في شكلنا وأخذ صورة عبد هو عينه الكلمة هو الرب وهو اللَّه. وكلمة "صار" أيضًا: جعل جسد البشر جسده الخاص... ومن أجل ذلك نقول: "الكلمة وحَّد مع نفسه أقنوميًا وطبيعيًا جسدًا حيًَّا بنفس عاقلة"... هذا الاتحاد بين الطبيعتين كوَّن لنا من اللاهوت والناسوت ربًا واحدًا يسوع المسيح" (58).
ولم يستخدم يوحنا الحبيب فعل "أخذ" لأن القول أنه أخذ جسدًا، فربما يتطرق للذهن كما أنه أخذ فمن الممكن أن يترك. أما قوله "صار" فلا عودة في القرار. واستخدام يوحنا الحبيب كلمة "جسدًا" لا يعني أن أقنوم الكلمة لم يتخذ روحًا بشرية كقول أبوليناريوس إنما تعني طبيعة بشرية كاملة روحًا وجسدًا ونفسًا، وهذا محور الحديث في السؤال القادم س685.
_____
(55) ترجمة د. عزت زكي - تفسير العهد الجديد - بشارة يوحنا، جـ1، ص88، 89.
(56) المرجع السابق، ص90، 94.
(57) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص123.
(58) تفسير الإنجيل للقديس يوحنا، جـ1، ص163، 164.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/684.html
تقصير الرابط:
tak.la/7bsksxj