سؤال 681: هل النور يحتاج للشهادة (يو 1: 7)؟ وهل فعل "كَانَ" في قوله: "كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ" (يو 1: 6) له نفس المعنى في القول: " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يو 1: 1)؟ وهل الإيمان بالجملة: " لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ" (يو 1: 7) أم أنه علاقة شخصية؟ ولماذا اتخذ يوحنا الحبيب موقفًا من يوحنا المعمدان فقال عنه: " لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّور" (يو 1: 8)؟

ج: أولًا: هل النور يحتاج للشهادة (يو 1: 7)...؟ النور لا يحتاج إلى شهادة طالما أن الذين ينظرونه مُبصرين أصحاء، أمَّا بالنسبة للخطاة الأشرار الذين أعمى إله هذا الدهر عيون قلوبهم وطمس أذهانهم فأنهم في مسيس الحاجة لمن يؤكد لهم أن النور فعلًا يشرق ويملأ الكون بهجة وسرورًا، واليهود كانوا في حاجة إلى الشهادات التي تؤكد لهم أن يسوع هو المسيح المسيا موضع النبوءات ومُشتهى الأجيال، ولم يكن يوحنا المعمدان لوحده الشاهد للنور الحقيقي، بل تعددت الشهادة، والسيد المسيح قبلها تعددت الشهادة:
1- شهادة الآب: " وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي" (يو 5: 37) فقد شهد له في المعمودية وفي التجلي.
2- شهادة الروح القدس: " رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ فَهُوَ يَشْهَدُ لِي" (يو 15: 26).
3- شهادة يسوع لنفسه: " وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَق" (يو 8: 14).
4- شهادة الأعمال التي صنعها السيد المسيح: "هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي" (يو 5: 36).
5- شهادة الأسفار المقدَّسة: " فَتِّشُوا الْكُتُبَ... وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي" (يو 5: 39).
6- شهادة التلاميذ: " وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ" (يو 15: 27) ويدخل ضمن هذه الشهادة شهادة يوحنا الحبيب (يو 19: 35؛ 21: 24)، وشهادة توما الرسول (يو 20: 28).
7- شهادة يوحنا المعمدان التي تعددت في عدة مواقف (يو 1: 6-8، 19-36؛ 3: 27-36).
8- شهادات أخرى من نثنائيل (يو 3: 2) والمرأة السامرية والسامريين (يو 4: 25، 42) والمولود أعمى (يو 9: 38) وغيرهم.
ثانيًا: هل فعل " كَانَ" في قوله: " كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ" (يو 1: 6) له نفس المعنى في القول: " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يو 1: 1)...؟ فعل " كَانَ" المستخدم مع يوحنا المعمدان في القول: "كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّـهِ" في الأصل اليوناني جاء في صيغة "الماضي البسيط"، بينما فعل " كان" المستخدم مع السيد المسيح: " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" جاء في صيغة "الماضي التام"، أي أنه كان، وما زال، وسيزال للأبد، وهذا يُلقي الضوء على طبيعة وشخصية السيد المسيح أقنوم الكلمة اللَّه المتجسد، ويوحنا المعمدان الإنسان المخلوق. يقول "القديس كيرلس الكبير": " علينا أن نقرأ بدون تسرُّع ونلاحظ دقة التعبيرات التي استخدمها الإنجيلي في الكلام عن اختلاف الطبائع عند الكلام عن اللَّه الكلمة "كان" هو أفضل تعبير يناسب الكلام عن أزليته، وكيف هو (كان) قبل كل الكائنات، وبذلك قضى تمامًا على كل رائحة للكلام عن خلق الكلمة، لأن ما هو كائن دائمًا، لا يمكن أن يكون مخلوقًا. أما عند الكلام عن المعمدان، رغم أنه استخدم "كان" إلاَّ أنه ربطها بكل دقة بما جاء بعدها، إنسان مُرسل من اللَّه أي له طبيعة مخلوقة وهكذا يبدو لي أن الإنجيلي لم يستخدم "كان" بنفس الشكل الذي استخدمها للكلام عن الكلمة، بل وضع معها "إنسان" لكي يقضي تمامًا على خرافات وادعاءات البعض.
فقد شاع كلام مستتر عند البعض أن يوحنا المعمدان لم يكن حقيقة "إنسان" بل واحد من الملائكة القديسين في السماء، استخدم جسدًا وأرسله الَّله لكي يعظ الناس. وهذه الخرافة تعتمد على عدم إدراك ما قاله اللَّه "هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ" (ملا 3: 1؛ مت 11: 10). وخطأ هؤلاء الذين ابتعدوا عن الحق هو عدم فهمهم لمعنى كلمة "ملاك" فهو يعني خادم أو رسول" (48).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: هل الإيمان بالجملة: " لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِه" (يو 1: 7) أم أنه علاقة شخصية...؟ الإيمان علاقة شخصية بين الإنسان وإلهه، ويقول "دكتور بوب إتلي": " يؤمن يرد هذا الفعل (78) مرة في بشارة يوحنا و(24) مرة في رسائله. والملاحظ أن يوحنا لا يستعمل في بشارته هذا الفعل بصيغة الجمع. ليس الإيمان استجابة عاطفية أو عقلانية، ولكنها استجابة إرادية واعية. بالإمكان ترجمة هذا الفعل بـ "يصدق" أو "يثق" وهو يوازي الفعل "قبلوه" (الآية 12). الخلاص مجاني بناء على نعمة اللَّه وعمل المسيح الكامل، ولكن لا بد من قبوله. الخلاص هو علاقة عهد مع كل امتيازاتها ومسئولياتها" (49).
وبالرغم من أن الإيمان علاقة شخصية فردية تظهر فيها إرادة الإنسان بوضوح وجلاء، فإنه أحيانًا في مواقف معينة وأمام ظاهرة روحية تجد الكثيرين يؤمنون، مثلما حدث عقب حلول روح اللَّه القدوس على التلاميذ وولادة الكنيسة الأولى، وإذ عظة بطرس الرسول تصطاد للإيمان نحو ثلاثة آلاف نفس آمنوا في يوم واحد. ومما لا شك فيه أن قدوم يوحنا المعمدان من أعماق الصحراء بمنظره المهوب، إذ تبدو على ملامحه علامات النُسك والجدية، فهو رجل الصلاة والصوم والخلوة والتأمُّل، ظهر كملاك مُرسل من اللَّه وكصوت صارخ في برية هذا العالم، فأرعد بصوت النبوءة بعد إنقطاع الوحي نحو أربعمائة سنة، فجذب القلوب وسبى النفوس، وأشعل نهضة روحية في اليهودية بسبب طهارته وبتوليته وروحه النارية، روح إيليا النبي، فأيقظ الناس من غفوتهم فتجمعوا حوله يعترفون بخطاياهم ويعتمدون منه علامة صدق توبتهم، وكان منظره مُرعبًا للأشرار فبشجاعة نادرة تصدى للملك هيرودس ولم يخشى بطشه، وظنه الشعب أنه المسيا، وأرسل مجمع السنهدريم كهنة ولاويين يسألونه عما إذا كان هو المسيا، فأخبرهم أنه مُرسل للشهادة للنور الحقيقي، فهذه الظاهرة أحدثت نهضة جماعية واشتياقات نحو المسيا المُخلص، فآمن الكثيرون بواسطة المعمدان، وهو ما عبَّر عنه يوحنا الحبيب الشاهد الأمين تلميذ المعمدان سابقًا فقال: " لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِه" فالكل أي الكثيرين جدًا آمنوا بالمسيح عن طريق كرازة وشهادة المعمدان له. ومن جانب آخر ليس معنى قول يوحنا الحبيب " لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِه" أي بواسطة يوحنا المعمدان، أنه لم يؤمن أحد بدون وساطة المعمدان، فالمرأة الكنعانية وخادم الملك الذي كان يعيش في قانا الجليل وغيرهما الكثيرون من أهل الجليل آمنوا بالسيد المسيح الذي كرز لهم وشفى مرضاهم بدون وساطة المعمدان، كما أن كثيرين آمنوا بالمسيح بعد استشهاد المعمدان. إذًا قول الإنجيل " لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِه" هو تثمين لدور المعمدان السابق الصابغ الشاهد الآمين.
رابعًا: لماذا اتخذ يوحنا الحبيب موقفًا من يوحنا المعمدان فقال عنه: " لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّور" (يو 1: 8)...؟ لم يتخذ يوحنا الحبيب موقفًا من يوحنا المعمدان، فكيف يتخذ موقفًا ضده وهو مُعلِّمه الذي تتلمذ على يديه، وهو الذي أرشده للمسيح، والسيد المسيح نفسه شهد له قائلًا: " لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (مت 11: 11)؟! ولكن الحقيقة أن يوحنا الإنجيلي أخذ موقفًا حاسمًا حقانيًا ضد شيعة المعمدانيين الذي آمنوا بمعمودية يوحنا المعمدان وكفى، دون الحاجة إلى الإيمان بالمسيح، مدعين أن يوحنا المعمدان هو أعظم من المسيح، لأنه عمَّد المسيح ووضع يده على رأسه، وقدمه للمجتمع اليهودي، وشهد له ودفعه في طريق الخدمة قائلًا: " يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يو 3: 30) وتغافلوا دعوة يوحنا المعمدان ذاته للإيمان بالمسيح وقوله: " وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللَّـهِ" (يو 1: 34). " الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابن لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابن لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّـهِ" (يو 3: 36).
لقد أراد يوحنا الحبيب أن يضع مُعلِّمه المعمدان في وضعه الصحيح، فقال عنه: " لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ" (يو 1: 8) و" كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ" (يو 5: 35). نعم كان المعمدان هو القمر (رؤ 12: 1) الذي كان يعكس نور المسيح شمس البر. قال المعمدان عن نفسه أنه ليس العريس بل صديق العريس: " مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ" (يو 3: 29). إذًا يوحنا الحبيب ينسجم تمامًا مع مُعلِّمه السابق أعظم مواليد النساء، إذ أن كليهما يُدرك وضع السيد المسيح الإله الكلمة المتجسد، فهو فوق كل رئاسة وسلطان، أما المعمدان فهو السابق الصابغ الشاهد الذي أعد الطريق للمسيا، وبتعبير أبيه زكريا الكاهن: " وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ" (لو 1: 76) فكان يوحنا المعمدان هو الصوت الصارخ في البرية: " أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً" (مت 3: 3). حقًا أن المعمدان كان شخصية فذة لا مثيل لها، أمينًا للغاية، فلم يغتصب لنفسه شرف أنه المسيا، رغم أن جميع الذين أحاطوا به ظنوه أنه المسيا: " كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ" (لو 3: 15). وما قاله يوحنا الحبيب سبق أن قاله بولس الرسول عندما جاء إلى أفسس ووجد اثنى عشر رجلًا اعتمدوا فقط بمعمودية يوحنا: " قَالَ بُولُسُ إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ قَائِلًا لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ" (أع 19: 4-6). فهل بولس الرسول أيضًا كان يتخذ موقفًا من يوحنا المعمدان؟!!
أمَّا المعمدانيون الذين: " جَاءُوا إِلَى يُوحَنَّا وَقَالُوا لَهُ يَا مُعَلِّمُ هُوَذَا الَّذِي كَانَ مَعَكَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ الَّذِي أَنْتَ قَدْ شَهِدْتَ لَهُ هُوَ يُعَمِّدُ وَالْجَمِيعُ يَأْتُونَ إِلَيْه" (يو 3: 26) وقد امتلؤا غيرة وحسدًا من يسوع المسيح الذي تبعته الجموع، فظلوا على حالهم ولم ينصاعوا لنصائح مُعلِّمهم (يو 3: 27-36) بل ازدادوا تعصبًا، وازدادوا عددًا، ولعل طائفتهم هيَ التي دُعيت في القرآن بالصابئة. كان منهم "أبلوس": " ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ أَبُلُّوسُ إِسْكَنْدَرِيُّ الْجِنْسِ رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُبِ. كَانَ هذَا خَبِيرًا فِي طَرِيقِ الرَّبِّ. وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيق مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ. عَارِفًا مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا فَقَطْ" (أع 18: 24-25) ومنهم المجموعة التي إلتقاها بولس الرسول في أفسس (أع 19: 1-7)، ومع نهاية القرن الأول كانت هذه الشيعة قد تنامت وتسببت في بلبلة كبيرة، وقد سبق لنا الحديث عن جماعة المعمدانيين وعقائدها وتواجدها في أفسس فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س644.
_____
(48) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص96.
(49) ترجمة القس الدكتور رياض قسيس - إنجيل يوحنا والرسالة 1، 2، 3 ليوحنا، ص21.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/681.html
تقصير الرابط:
tak.la/d4jbv6t