سؤال 682: هل قول الإنجيل: " يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" (يو 1: 9) يعني أن هناك وجود سابق للإنسان كقول الغنوسيين؟ ولماذا قال: " الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ" (يو 1: 9) ولم يقل: الذي يُنير لكل إنسان؟ وكيف أنار المسيح كل إنسان (يو 1: 9) مع أن العالم ملئ بالأشرار وظُلمة الخطية؟

ج: أولًا: هل قول الإنجيل: " يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" (يو 1: 9) يعني أن هناك وجود سابق للإنسان كقول الغنوسيين...؟ قال الإنجيل: " كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" (يو 1: 9) فقوله " آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" في الغالب ترجع إلى النور، فيكون المعنى: "كان النور الحقيقي... آتيًا إلى العالم" أما جملة " يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ" فهيَ جملة اعتراضية... قال يوحنا في موضع آخر: " الظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ وَالنُّورَ الْحَقِيقِيَّ الآنَ يُضِيءُ" (1 يو 2: 8)، وحتى لو قلنا أنها ترجع إلى الإنسان، فيكون المعنى أن هناك وجود سابق للإنسان قبل أن يولد، وهذا الوجود السابق لا يتعدى وجوده في أحشاء أُمه، أمَّا قبل الحَبَل به فلا وجود له على الإطلاق سواء لجسده أو لروحه. أما الغنوسيون فقد اعتقدوا بإعادة التجسد Reinecarnation فقالوا أن الإنسان الذي عاش حياة شريرة بعد موته، تعود روحه لتسكن في جسد كائن أقل مما كان سواء إنسان أو حيوان أو نبات، ويصير الجسد الجديد كقبر لها، ومن الواضح تمامًا أن هذه بدعة فاسدة مرفوضة، لا تجد لها أي أثر في الأسفار المقدَّسة، سوى التفسير الخاطئ للمولود أعمى وتساءل التلاميذ عن سبب عماه، ومن الأسباب التي من أجلها نرفض هذه العقيدة الفاسدة:
1- عندما يُحاسب الإنسان في يوم الدينونة، هل سيحاسب على حياته الأولى أو الثانية أو الثالثة، أو على كل هذه الحيوات؟!!
2- لو أن نفس عاشت حياة شريرة وعُوقبت بإعادتها إلى جسد جديد يصير كقبر لها، فكيف تنال الاستنارة عوضًا عن العقوبة، حيث يقول الإنجيل: " الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" (يو 1: 9)... فهل من يُخطئ ويستحق العقوبة يكافئ بالإستنارة؟!
3- عندما تسكن الروح التي عاشت حياة شريرة جسد أدنى كنوع من العقوبة، فعوضًا أن كانت روح وزير صارت روح غفير، فإذا صححت مسارها في الحياة الجديدة وآمنت بالمسيح وتابت وغفرت لها خطاياها فلماذا لا تخلع جسد الغفير الذي لبسته كنوع من العقوبة؟!!
4- هل الروح التي عاشت حياة شريرة من المفروض أن تحجب عن الجسد بشهواته وأهوائه، أم أنها تُرسل إلى جسد آخر أدنى يميل للشهوات والملذات؟!!
5- لو كانت الأجساد وسيلة عقوبة، فكيف نقول عن الأجساد أنها مقدَّسة: " تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ الله" (رو 12: 1).
6- لو أن إعادة التجسد عقيدة صحيحة فلماذا لم يخبرنا اللَّه بها؟! ولماذا لا نجد لها أي أثر في الأسفار المقدَّسة؟! عندما ظن التلاميذ أن المولود أعمى وُلِدَ هكذا بسبب خطايا أبويه أو خطاياه الشخصية، قال لهم السيد المسيح: " لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ الله فِيهِ" (يو 9: 3) ولم يحكي لهم عن حياة سابقة شريرة عاشها هذا الأعمى في جسد سابق!!!
(راجع القديس كيرلس الكبير - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول ص116-123)
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: ولماذا قال: " الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ" (يو 1: 9) ولم يقل: الذي يُنير لكل إنسان؟ الإنسان البعيد عن المسيح لا يعيش في ظُلمة فقط، بل يصير هو ذاته ظُلمة، ولكن عندما يقترب من المُخلِّص تنقشع الظُلمة ويستضئ الإنسان بنور المسيح، وتتقدَّس حياته، بل يصبح هو نورًا. لم يكتفِ السيد المسيح بأن يكون نورًا حولنا يُنير لكل إنسان طريقه، إنما نورًا يسكن داخلنا فنصبح نورًا وضياءً للآخرين: " إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي وَيُحِبُّهُ أَبِي وَإِلَيْهِ نَأْتِي وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلا" (يو 14: 23) ويتحقَّق فينا الوعد الإلهي: " لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ" (أف 3: 17). وقول يوحنا الحبيب: " الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ" هو بمثابة صدى لقوله السابق: " وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو 1: 4). وعندما يسكن المسيح في القلب يصبح الإنسان سراجًا مُنيرًا، ويصير كرازة صامتة وشهادة حية للنور الحقيقي الكامل الدائم الذي لا يتغيَّر، نور اللَّه الآب الذي طالما حدثتنا عنه المزامير (راجع مز 4: 6؛ 89: 15؛ 97: 11؛ 112: 4) والأنبياء (راجع إش 2: 5؛ 42: 6؛ 60: 1) وقال عن نفسه: " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (يو 8: 12). أنه النور الحقيقي " الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ" (1كو 4: 5) بواسطة: " إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ" (2كو 4: 4) فهو: " مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ" (2 تي 1: 10). ليس المسيح إلهنا نورًا مؤقتًا ولا نورًا محدودًا ولا نورًا مُقتبسًا مُستعارًا. إنه النور الحقيقي، مثلما هو " الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ" (يو 6: 32) و" الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" (يو 15: 1)، والقدس الحقيقي (عب 9: 24).
ومن الملاحظ أن الإنجيل لم يحدثنا بصيغة الماضي قائلًا: إنه قد أنار، بل يتكلم بصيغة المضارع المستمر "يُنير"، والإنسان الذي يستنير يخبر بفضائل الذي دعاه من الظُلمة إلى نوره العجيب (1بط 2: 9) ويظل مُضيئًا كمصباح يتصل بمصدر الكهرباء. يقول "القديس غريغوريوس أسقف نيصص": " سنصير كالنور باقترابنا إلى نور المسيح الحقيقي، إن تركنا جو الظُلمة هذا الذي للأرض، وسكنا في الأعالي، نصير نورًا كما يقول الرب (يو 9: 5؛ 1: 9). أشرق النور الحقيقي الذي يُضئ في الظُلمة ونزل إلينا، إلاَّ إذا انتشرت قذارة الخطية فإنها تعتم بها نورنا" (50).
ثالثًا: كيف أنار المسيح كل إنسان (يو 1: 9) مع أن العالم ملئ بالأشرار وظُلمة الخطية؟ عندما تشرق الشمس لا تحتاج إلى شاهد لأن الأصحاء المُبصرين يتمتعون بضيائها، بينما يُحرم من هذا الضياء الذين فقدوا البصر والبصيرة، فهل القصور يرجع إلى الشمس؟! بلا شك: لا، لأنها أشرقت بنورها على الجميع مُبصرين وعميان. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " وقد يسألنا سائل فيقول: إن كان المسيح " يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ " فكيف يوجد أناس جزيل عددهم غير مُنارِين...؟! فنقول له: إن المسيح قد أنار الكل الإنارة التي كانت له، فإذ لم يُريدوا أن يقبلوا شعاعات هذا النور، فالظلام إنما حدث لأولئك ليس من تلقاء طبيعة النور لكن من جهة سوء فعل الذين حرموا ذواتهم (من) موهبته باختيارهم، لأن نعمته مُتدفقة إلى كل الناس، وليس من عادتها أن ترد يهوديًا ولا يونانيًا ولا أعجميًا ولا كرديًا، ولا حرًا ولا عبدًا، ولا رجلًا ولا امرأة، ولا شيخًا ولا صبيًا لأنها تقترب إلى كل المؤمنين على مثال واحد، وتدعوهم بتكريم مُتعادل، أما الذين لا يريدون أن يتمتعوا بهذه الموهبة فلينسبوا إلى ذواتهم عمايتهم هذه من جهة الواجب" (51).
_____
(50) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص109.
(51) شرح إنجيل يوحنا - إعداد القمص أغسطينوس البرموسي، ص19.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/682.html
تقصير الرابط:
tak.la/kd86p9b