سؤال 673 *: ما هيَ أهمية المقدمة (يو 1: 1-18) التي صدَّر بها يوحنا الحبيب إنجيله؟ وهل اقتبسها من أنشودة كنسية؟

ج: هذه المقدمة الرائعة التي لا يُضاهيها مقطع آخر، سجلها لنا القديس يوحنا اللاهوتي في شيخوخته في ضياء الوحي الإلهي، فإذ به يُحلّق بنا في سماء الإلهيات، مُخترقًا حُجب الزمن، يدور حديثه عن لجَّة وسرّ الأزل. يفتتح "القمص تادرس يعقوب" تفسيره لإنجيل يوحنا قائلًا: " في دهشة تقف النفس لتشهد في سكون عميق الإنجيلي القديس يوحنا الحبيب، وقد صار أشبه بنسر طائر، يُحلّق لا في جو السماء المنظورة، بل في جو الإلهيات التي لا يُنطق بها. إنه كمن يدعونا أن نعبر معه إلى ما وراء الزمن لدى كلمة اللَّه الذي لا يُفارق العقل الإلهي، والعقل الذي لن ينفصل عن كلمته، الابن الوحيد الجنس الواحد مع أبيه في ذات الجوهر. إنه يدعونا لنرى ونلمس واهب الحياة ومصدر النور، خالق الزمن، ومُوجد كل خليقة في السماء وعلى الأرض وكأنه لا يشغله أمر ما سوى الإنسان محبوبه الفريد...".
تأمل يا صديقي تلك السيمفونية الرائعة، فمن الآية الأولى مثلًا تجد ثلاثة مقاطع:
" فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَة"... " وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ"... " وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ".
ثلاثة مقاطع موزونة موسيقيًا، في كل مقطع منها تجد معنى الكينونة " كَانَ" واسم أقنوم " الْكَلِمَةُ".
وأحيانًا تجد الكلمة التي يُنهي بها عبارة، يبدأ بها العبارة التالية، مثل قوله:
" فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ. وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو 1: 4).
" النُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ. وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" (يو 1: 5).
فهذه المقدمة هيَ في الحقيقية ذكصولوجيا تمجيد وتسبيح للمجد الإلهي، لم يدوّنها يوحنا الرسول، التلميذ الذي كان يتكئ على صدر المسيح، مُستخدمًا الشرح والوصف والتعليم، بل تجده واقفًا مُسبِّحًا ومُمجدًا للثالوث القدوس. يقول "الأب دوناسان فلاَّ اليسوعي": " شبه أحد الشرَّاح مقدمة إنجيل يوحنا بإستهلالية موسيقية. التشبيه موفق، فمقدمة الإنجيل الرابع تبرز من الصمت، مثل الائتلافات الأولى في السيمفونية، فتبشر بالأفكار الرئيسية التي ستتناولها المقطوعة، وتجمعها وتقارنها... فتجعلنا نندمج فيها ونتناغم معها فنواجهها بصمت وخشوع، كما نستجمع أفكارنا للاستماع إلى الموسيقى، فيكون للكلمات تأثيرها وثقلها، كأنها آتية -وهيَ آتية فعلًا- من أعمال الأزلية" (2).
وواضح هدف هذه المقدمة وهو أن يتعرَّف القارئ على شخصية وهوية السيد المسيح، أقنوم الكلمة الأزلي، الكائن منذ الأزل في حضن الآب، الذي به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان، مصدر النور والحياة، الذي تجسد وتأنس ورأينا مجده، وشهد له المعمدان بأنه النور الحقيقي، أو بعبارة أخرى ليتعلَّم القارئ علم اللاهوت الخريستولوجي، أي علم اللاهوت الخاص بشخص المسيح. لقد صاغ يوحنا الحبيب كلمات من ذهب في صفحة لا يمحوها الزمن... جاءت هذه المقدمة الذهبية لتُعلن سر خلاص البشرية، وتشرح أساسيات العقيدة المسيحية، وترد على ما كان وما يستجد من بدع وهرطقات طعنت أو تطعن في أزلية الابن الكلمة وألوهيته الكاملة وتجسده، وظلت هذه المقدمة الذهبية يتردَّد صداها على صفحات الإنجيل من البداية للنهاية. فإن كان إنجيل متى يدور حول المسيح ابن داود، ومحور إنجيل مرقس المسيح ابن اللَّه، ومركز ثقل إنجيل لوقا المسيح الفادي والفدية، فإن محور إنجيل يوحنا هو المسيح أقنوم الكلمة الواحد مع الآب في الجوهر الإلهي الواحد.
يقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " وإننا لنجد في مُقدمة تلك البشارة مُلخصًا وافيًا للعقيدة المسيحية في عبارات مُوجزة، ولكنها في إيجازها أدق وأصدق وأعمق وأبدع وأروع عبارات وردت في تاريخ البشرية كلها عن تصوير عقيدة من العقائد أو شرح ديانة من الديانات، حتى أنها في كلمات قليلة أغنت عن آلاف الكُتب والمجلدات في الرد على كل ما كان وكل ما يمكن أن يكون من هرطقات وخزعبلات ومزاعم يزعمها الزاعمون، أو يدعيها المدعون لتشويه العقيدة المسيحية وتجريح ما فيها من حقائق إلهية وعقائد سامية سماوية. مهما تخبطت العقول البشرية القاصرة القصيرة المدى في فهمها أو إدراك ما فيها من أسرار عميقة المعاني بعيدة الأغوار... وبتلك الكلمات القليلة التي بدأ بها القديس يوحنا بشارته تبلورت العقيدة المسيحية في جوهرها. ثم كانت البشارة كلها بعد ذلك شرحًا وتوضيحًا لتلك العقيدة في كل تفصيلاتها وجزئياتها" (3).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
وقال البعض عن هذه المقدمة الذهبية الرائعة أنها ربما كانت تمثيل ترتيلة أنشدتها الكنيسة الأولى في عبادتها، مثل النشيد الذي جاء في رسالة أفسس: " اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ" (أف 5: 14). وغالبًا كان ترنيمة في ليتورجية العماد في العصر الرسولي (راجع كتابنا: رسالة أفسس ص267، 268) وكذلك الترنيمة الرائعة في رسالة فيلبي (في 2: 6-11) (راجع كتابنا: رسالة فيلبي ص81، 82). ومما يؤيد هذا الاتجاه العبارات التي سجلها يوحنا الحبيب في صيغة الجمع، مثل: " ورَأَيْنَا مَجْدَهُ..." " وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا وَنِعمَةً فَوقَ نِعمَةٍ"... لقد جاءت هذه المقدمة في صورة تمجيد وتسبحة، صورة سجود وعبادة، تدور في فُلك الحياة والنور والحُب. يقول "فرلين د. فيربروج": " يعتبر العديد من العلماء مقدمة إنجيل يوحنا (يو 1: 1-18) كُتبت لكي ما تكون ترتيلة للمسيح، إما كتبها يوحنا أو من اختياره (وإعداده). وهذه المقدمة تشتمل على أربعة مواضيع رئيسية: الوجود الإلهي للكلمة ودوره في الخلق (يو 1: 1-3)، وعمل الكلمة كنور وحياة للعالم الإنساني (يو 1: 4-5، 9)، ورفض الكلمة وعمله قبل وبعد تجسده (يو 1: 10-11)، وحدث تجسد الكلمة وقبوله بين الجماعة المسيحية (يو 1: 14-16).
تشدد هذه المُقدمة على الوجود المُسبَق للكلمة حتى قبل زمن البدء. لقد كان له وجود فقط مع الله، وكان هو الله. وبهذه الكلمة خُلِق الكون والبشر ونالوا الحياة والنور (يو 1: 1-4). ثم آتى اللوجوس Logos إلى العالم، الذي شهد له يوحنا المعمدان (يو 1: 6-8)، وهو من رَفَضَهُ شعبه على نحو غير مفهوم (يو 1: 9-11)، وعلى الرغم من ذلك فقد آمن به البعض وبذا صاروا أولاد الله (يو 1: 12-13). وبدون التنازل عن جوهر لاهوته أصبح الكلمة بشرًا عرضة للموت... وقَبِل بالإقامة بين الجنس البشري، وكحضور مجد الله، فقد ظهر عطية نعمة عهد الله لهم (يو 1: 14، 16)، وهيَ رؤية تفوق (وفورية) العهد القديم للكلمة" (يو 1: 17-18)" (4).
_____
(2) دراسات في الكتاب المقدَّس - قراءات في إنجيل يوحنا، ص19.
(3) الإنجيل للقديس يوحنا - ترجمة اللجنة المشكَّلة بمعرفة البابا كيرلس السادس، ص27، 28.
(4) القاموس الموسوعي للعهد الجديد - المفردات اللاهوتية، ص403.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/673.html
تقصير الرابط:
tak.la/nr9v93c