St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

652- من هو "ماركيون" أخطر هراطقة عصره؟ وما هيَ أهم المعتقدات الماركونية الفاسدة؟

 

ج: أولًا: ماركيون أقوى هراطقة عصره: وُلِد ماركيون Marcion وشب في مدينة "سينوب" Sinope على شاطئ البحر الأسود شمال تركيا نحو سنة 120م (عادل فرج عبد المسيح - موسوعة آباء الكنيسة جـ 1)، في بيت مسيحي متميز إذ كان والده هو أسقف المدينة، وتميَّز ماركيون بالذكاء الحاد، وميله للنُسك والزُهد والتقشُف، مُحبًا للصلاة والتأمل وحياة التقوى، إلاَّ أن أفكاره تشوشت بالغنوسية، واقتنع ببدعة الثنائية الخطيرة التي أخذتها الغنوسية من العقيدة الفارسية، فتصوَّر أن هناك إلهين:

1- الإله الصالح العالي المتسامي غير المُدرك فلا يستطيع أن يعرفه أو يُدركه عقل بشري، وهو منزَّه عن التعامل مع المادة، لأن المادة شر وخطيئة. وقال أنه في السنة الخامسة عشر من حُكم الإمبراطور طيباريوس قيصر ظهر هذا الإله الصالح الفادي في شخص السيد المسيح ليُخلص البشر من الشر، وبهذا أنكر حقيقة التجسد، وأنكر أن أقنوم الكلمة تجسَّد وتأنس، أي اتخذ له جسدًا حقيقيًا من العذراء مريم ووُلِد ولادة معجزية بدون زواج. كما أن ماركيون أنكر قيامة السيد المسيح من بين الأموات، فقال أن إله اليهود حرك أتباعه فصلبوا المسيح ومات وذهب إلى الهادس (الهاوية) حيث أعلن الإنجيل للوثنيين ولأسرى إله اليهود، ثم صعد مباشرة للسماء، مُنكرًا قيامته من الأموات وظهوراته لمدة أربعين يومًا حتى يوم صعوده، وقال ماركيون أن السيد المسيح سيأتي في اليوم الأخير ويحكم على إله اليهود ويطرحه في الهادس.

2- الإله الخالق، وهو أقل مرتبة من جهة الألوهية من الإله الصالح، والإله الخالق هذا، هو إله اليهود، الذي أعطاهم الناموس والشرائع، فهو إله مادي، ولكنه إله قاسي سريع الغضب منتقم متحيز لشعبه إسرائيل، يسفك دماء الأمم والشعوب الأخرى بلا رحمة ولا شفقة، فهذا الإله الخالق هو خالق الشر (راجع القس حنا جرجس الخضري - تاريخ الفكر المسيحي جـ 1 ص 484).

وبسبب كبرياء ماركيون وعناده كسائر الهراطقة لم يمتثل لنصائح والده أسقف المدينة، فاضطر أبوه أن يطرده من الكنيسة، وإذ كوَّن ماركيون ثروة من عمله في مجال صناعة وتجهيزات السفن، ترك بيته وبلده سينوب ورحل إلى روما نحو سنة 140م، فالتحق بالكنيسة وقدم هبة مالية كبيرة للكنيسة نحو مائتي ألف سسترسز Sesterces (راجع جون لوريمر - تاريخ الكنيسة جـ 1 ص 114)، فصار عضوًا بارزًا مؤثرًا في المجتمع الكنسي، ولكن المقربين منه لاحظوا أن أفكاره مشوشة، فطلبوا منه إقرار إيمان مكتوب، فلم يخفي هرطقاته وبدعه وأفكاره الفاسدة، فما كان من المسئولين عن كنيسة روما إلاَّ أنهم أعادوا له هباته المالية وقطعوه من شركة الكنيسة نحو سنة 144م، وقد التقى ماركيون بالشهيد بوليكاربوس تلميذ يوحنا الحبيب وسأله: هل تعرفني؟ فأجابه القديس بوليكاربوس: "أنني أعرف الابن البكر للشيطان".

St-Takla.org Image: The Apostle John (left) and (according to R. Eisler) Marcion of Sinope (right), from Morgan Library MS 748 - Italian painting on vellum 11th century (between 1000 and 1100). صورة في موقع الأنبا تكلا: الرسول يوحنا (يسار) و(بحسب ر. آيسلر) مرقيون من سينوب (يمين)، من مكتبة مورجان، مخطوطة رقم 748 - رسم إيطالي على رق من القرن الحادي عشر (بين عامي 1000 و1100 م.).

St-Takla.org Image: The Apostle John (left) and (according to R. Eisler) Marcion of Sinope (right), from Morgan Library MS 748 - Italian painting on vellum 11th century (between 1000 and 1100).

صورة في موقع الأنبا تكلا: الرسول يوحنا (يسار) و(بحسب ر. آيسلر) مرقيون من سينوب (يمين)، من مكتبة مورجان، مخطوطة رقم 748 - رسم إيطالي على رق من القرن الحادي عشر (بين عامي 1000 و1100 م.).

وعندما طُرد ماركيون من كنيسة روما لم يقف مكتوف الأيدي، ولم يندم ويرجع عن أفكاره الخاطئة، بل في عناد وكبرياء استغل غناه وذكائه وعلمه وحماسه في نشر تعاليمه الفاسدة، فصار له أتباع كثيرين، وصار سبب انشقاق وانقسام في كنيسة روما، إذ انقسم الشعب بين مؤيد ومعارض له، ونجح ماركيون في تكوين طائفة هرمية، بها نفس رتب الأكليروس من أساقفة وقسوس وشمامسة، واستطاع أن ينشر أفكاره عبر طائفته "الماركونية" التي انتشرت في مناطق كثيرة في عدة دول في ليون وأنطاكية والإسكندرية وقرطاجة، حتى قال عنه الشهيد يوستين أنه أقوى الهراطقة. وقد كان ماركيون صاحب الانشقاق الأول في جسد الكنيسة الواحد، ويُقال أن ماركيون ندم في أواخر حياته ولكنه مات دون أن يتخذ خطوة عملية للرجوع إلى أحضان الكنيسة الأم، وظلت الماركونية تنشر أفكارها المسممة حتى القرن الخامس الميلادي.

وقد صنَّف القديس إيرينيئوس "ماركيون" على أنه غنوسي، فأنه قد تأثر بالغنوسية بسبب تردده على مدرسة "سردون" الغنوسي السرياني في روما، مع أنه لم ينشغل بفكرة الانبثاقات مثل فالنتينوس وباسيليدس، وأيضًا خالف الغنوسية فقال أن الخلاص مُتاح للكل، وليس لأصحاب المعرفة الخاصة فقط، وقد أعطى مساحة أكبر للإيمان أكثر من المعرفة العقلانية، وهذا ضد مبادئ الغنوسية، وأيضًا الثنائية التي شغلته ليست ثنائية الخير والشر، بل ثنائية العدل والمغفرة أو القسوة والمحبة، والفرق الشاسع، من وجهة نظره، بين الإله الصالح إله يسوع المسيح، والإله الخالق، إله العهد القديم، ونادى بأن المسيحية هيَ الديانة الوحيدة الحقيقية مع أنه لم يحيا مسيحيًا، بل خالف الإيمان المسيحي. وقد وضع "العلامة ترتليان" خمسة كتب تحت عنوان "ضد ماركيون" فنَّد فيها أفكاره الفاسدة.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: معتقدات الماركونية الفاسدة: من تعاليم ماركيون والماركونية ما يلي:

1- اعتقد "ماركيون" بإلهين، الإله الصالح العالي المتسامي، غير المُدرّك، غير الخالق، المنزَّه عن المادة، الذي ظهر في شكل يسوع المسيح، والإله الأدنى الخالق، إله اليهود. قال "القديس إيرينيئوس": "عندما يُقسَّم ماركيون الله إلى اثنين، مُعلنًا أن واحدًا صالح والآخر عادل، فهو في الحقيقة يضع نهاية للألوهة كلها" (راجع الهرطقات المسيحية الأولى - مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع جـ 2). وقال "الشهيد يوستين": "وهناك شخص يُدعى ماركيون البنطي... لا يزال إلى الآن يُعلّم أتباعه أن هناك إلهًا آخر أعظم من الخالق، وبمساعدة الشياطين أقنع الكثيرين من كل جنس البشر لينطقوا بالتجاديف، وينكروا أن خالق هذا الكون هو أب المسيح، ويعترفوا أن هناك آخر... وهو الخالق، وكل الذين تبعوهم يُدعون مسيحيين كما قلنا، كما يدعي اسم الفلسفة على الفلاسفة وإن لم تكن لديهم تعاليم مشتركة... وقد كتبنا أيضًا مؤلفًا ضد الهرطقات التي وُجدت" (يوسابيوس 4: 11: 9-10) (113). فقد وضع الشهيد يوستين مؤلفًا ضد اعتقادات ماركيون وتعاليمه الفاسدة.

ويقول "د. إميل ماهر إسحق" عن مفهوم ماركيون لإله العهد القديم أنه: "قاضٍ قوي وعادل، ولكنه غضوب وقاسي ومتغير وضيق الأفق، يقول عن نفسه أنه خالق الشر، أي الكوارث (أش 45: 7 - ترتليان: ضد ماركيون 1: 12... إلخ.)، ولذلك فقد ادعى أن إله العهد القديم لا يمكن أن يكون هو نفسه أبا ربنا يسوع المسيح إله الرحمة. وقال بأن المسيح إله المحبة ظهر في الجسد ليُعلن لنا الآب الذي يختلف عن إله العهد القديم. وبالتالي فقد رفض الأناجيل لأنها تشهد لكتب العهد القديم وتقتبس منها. ولم يقبل منها سوى إنجيل لوقا بعدما اقتطع منه الجزأين الأول والأخير لأنه أنكر حقيقة الميلاد، وحقيقة الصلب والقيامة" (114).

2- تصوَّر "ماركيون" أن هناك تناقضات بين العهد القديم وشريعته والعهد الجديد وشريعته، ووضع في هذا كتابه "المتناقضات" كدراسة نقدية للعهد القديم. يقول "الخوري بولس الفغالي" عن هذا الفكر الغنوسي الذي اعتنقه ماركيون: "طبقوا هذه الأزدواجية على الكتاب المقدَّس، وجعلوا عالم الشر في العهد القديم، وقالوا أن الذي خلق الكون المادي ونظمه هو إله الشر الذي أعطانا أيضًا الشريعة اليهودية. فجاءت على شكله شريرة أما العهد الجديد فهو عالم الخير وفيه يأتي المسيح الذي ينجينا من الشريعة القديمة ومن إله اليهودية الشرير. في هذا الخط الغنوسي... شدَّد ماركيون على التعارض بين أسفار العهد القديم وأسفار العهد الجديد، وجعل الإنجيل منفصلًا انفصالًا تامًا عن أسفار التوراة. أن الشريعة القديمة تُلفت انتباهنا إلى العدالة والقساوة والعنف، والشريعة الجديدة إلى الحب والرحمة والحرية. فهل يُعقل أن تأتي الشريعتان من إله واحد؟ كلاَّ! فالشريعة الجديدة مصدرها إله المحبة الذي ظهر لنا في يسوع المسيح. لقد كانت المعارضة واضحة بين يسوع والعالم اليهودي، وهذا دليل على المعارضة بين نظامين وعهدين وشريعتين وإلهين. ولقد جاء يسوع يحرر الناس من النظام الأول والعهد الأول والشريعة (115).

3- قال "ماركيون" أن إله العهد القديم إله شرير لأنه خالق الشر، قال عن نفسه " أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هذِهِ" (إش 45: 6-7)، وتجاهل ماركيون أن ما قصده الوحي الإلهي هنا الرد على الثنائية بأن هناك إله للخير وإله للشر، فأراد أن يؤكد على وحدانية الله، أما المقصود بالشر فهو ما يراه الناس شرًا مثل الكوارث الطبيعة والأمراض والأوبئة والموت، وهذه لا تحدث بدون إرادة الله أو سماحه. كما قال ماركيون أن إله العهد القديم هو الذي دفع بالدبتين اللتان افترستا (42) صبيًا لمجرد تهكمهم على أليشع النبي (2 مل 2: 23 - 25)، بينما إله العهد الجديد يقول: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت 19: 14). وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى (مدارس النقد - عهد قديم جـ 10 س 1321).

St-Takla.org Image: Markion of Sinope, Markion صورة في موقع الأنبا تكلا: ماركيون الهرطوقي

St-Takla.org Image: Markion of Sinope, Markion

صورة في موقع الأنبا تكلا: ماركيون الهرطوقي

ويقول "الخوري بولس الفغالي": "فمنذ القرن الأول يؤكد أكليمنضس أسقف روما أن الكتب المقدَّسة حق وصدق، ويُعلن يوستينوس أن الأنبياء تكلموا بواسطة الروح القدس فلم يقولوا إلاَّ ما سمعوه ورأوه بعد أن ملأهم الروح القدس بأنواره. وعالج ثيؤفيلس الأنطاكي (في نهاية القرن الثاني) قضية الوحي في الكتاب المقدَّس وقابل الإنجيل بأسفار موسى والأنبياء، فقال أن ما تكلمت به كتب الشريعة عن البر يتوافق مع ما قاله الأنبياء وذكره الإنجيليون، فلكل هؤلاء مُنح الروح القدس وهم لم يتكلموا إلاَّ بفعل الروح الواحد. وعندما يرد أكليمنضس على الغنوسيين يقول أن الله هو علة كل الأمور، علة مباشرة للعهد القديم وللعهد الجديد... أن التوراة والإنجيل هما عمل الله الواحد لأن الأنبياء عندما تكلموا إنما فعلوا ذلك بتأثير الله ووحيه، وهكذا فالكتاب المقدَّس هو كلام الله. ويقول أوريجانوس (185 - 255م) الذي حارب هو أيضًا بدعة الغنوسيين. أن الروح عينه أوحى بأسفار العهد القديم والعهد الجديد. والكنيسة تعلّم أن الروح أرسل وحيه إلى كل الآباء والقديسين والأنبياء والرسل. فلم يكن روح للذين كتبوا في القديم، وروح آخر للذين أُوحي إليهم فكتبوا ما كتبوه بعد المسيح. وفي الكنيسة الغربية قال إيرينيئوس: أن أسفار العهد القديم والجديد قد أُوحي بها للرسول. فأسفار العهد القديم والجديد تنبع من الروح الواحد. وأعلن ترتليان الطابع الإلهي في الكتب المقدَّسة وذكر مكانتها في الكنيسة الأولى..." (116).

ويقول "القديس كيرلس الأورشليمي": "لتمقتوا أيضًا (تعاليم) أتباع ماركيون الذين يفصلون بين أقوال العهد القديم والعهد الجديد لأن ماركيون أعظم المنافقين... وإذ عرف أن في العهد الجديد شهادات الأنبياء عن المسيح، ترك الشهادات المأخوذة من العهد القديم حتى ترك الملك بغير شهادة" (المقالات لطالبي العماد 16: 7).

4- لم يقبل "ماركيون" من الأناجيل سوى إنجيل لوقا بعد أن حذف كل ما يشتم منه رائحة اليهودية، مثل سلسلة الأنساب والبشارة والتجسد، كذلك حذف أحداث الصلب والقيامة، كما أنه رفض من رسائل بولس الرسول أربعة رسائل، وهم الرسائل الرعوية الثلاث والرسالة إلى العبرانيين، وغيَّر عنوان الرسالة إلى أفسس إلى الرسالة إلى لاودكية.

5- أنكر "ماركيون" حقيقة التجسد الإلهي وولادة السيد المسيح من العذراء مريم بدون زرع بشر، وأعتبر أن التجسد حدث حين ظهر فجأة يسوع المسيح في السنة الخامسة عشر من حُكم طيباريوس قيصر.

6- نظر "ماركيون" وأتباعه للزواج نظرة خاطئة، حتى أن من نال العماد منهم امتنع عن الزواج والإنجاب كنوع من التعفف.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(113) ترجمة القمص مرقس داود - تاريخ الكنيسة ط 1960م، ص173.

(114) الكتاب المقدَّس - أسلوب تفسيره السليم وفقًا لرأي الآباء القويم، ص61 ، 62.

(115) المدخل إلى الكتاب المقدَّس جـ 1 التوراة وعالم الشرق القديم، ص15 ، 16.

(116) المدخل إلى الكتاب المقدَّس جـ 1 التوراة وعالم الشرق القديم، ص26 ، 27.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/652.html

تقصير الرابط:
tak.la/dy6sssb