St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 488- هل عبارة "ابْنِ الله" (مر 1: 1) ليس لها وجود في بعض المخطوطات كقول الترجمة العربية المشتركة. أو أنها ليس لها وجود في جميع المخطوطات كقول الترجمة اليسوعية؟ وهل ما جاء في ترجمة فانديك "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ" (مر 1: 2) هو الصحيح، أو ما جاء في الترجمة اليسوعية "كُتب في سفر النبي أشعياء"، ومثلها ترجمات الحياة، والعربية المشتركة؟ أو أن كليهما خطأ لأن القول مُقتبس من سفري إشعياء وملاخي؟ وهل دُعي يوحنا المعمدان بالملاك (مر 1: 2) لأنه كان ملاكًا وتجسَّد؟

 

س488: هل عبارة "ابْنِ الله" (مر 1: 1) ليس لها وجود في بعض المخطوطات كقول الترجمة العربية المشتركة. أو أنها ليس لها وجود في جميع المخطوطات كقول الترجمة اليسوعية؟ وهل ما جاء في ترجمة فانديك "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ" (مر 1: 2) هو الصحيح، أو ما جاء في الترجمة اليسوعية "كُتب في سفر النبي أشعياء"، ومثلها ترجمات الحياة، والعربية المشتركة؟ أو أن كليهما خطأ لأن القول مُقتبس من سفري إشعياء وملاخي؟ وهل دُعي يوحنا المعمدان بالملاك (مر 1: 2) لأنه كان ملاكًا وتجسَّد؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- هل عبارة "ابْنِ الله" (مر 1: 1) ليس لها وجود في بعض المخطوطات، أو في جميع المخطوطات؟.. جاء في هامش الترجمة العربية المشتركة تحت رقم (1): " لا تجد في بعض المخطوطات عبارة ابن الله" (ص 45).

وجاء في هامش الترجمة اليسوعية تحت رقم (3): "ابن الله: لا يرد هذا اللقب في جميع المخطوطات. لكنه يعبّر على كل حالٍ عن فكر مرقس. مع أن الله كشفـه (1/11 و9/7)، والشياطين أذاعوه (3/1 و5/7). لا بد أن يبقى مكتومًا ولكن يسوع قبله في أثناء محاكمته (14/ 61 - 62) وقد ورد على لسان رجل وثنـي بعد موت يسوع (15/39)" (ص 126).

وما كُتِب في هامش هذه أو هامش تلك مجرد آراء شخصية، بدليل أن إحدى الملاحظات أفادت بأن العبارة ليس لها وجود في بعض المخطوطات، بينما الملاحظة الأخرى أفادت بأن العبارة ليس لها وجود في جميع المخطوطات، والملاحظة الثانية ليست دقيقة، لأن من كتب هذا لا يملك جميع مخطوطات العهد الجديد والتي تزيد عن 25 ألف مخطوط، ويومًا فيومًا يتم اكتشاف المزيد، وكثيرًا ما جاء في هوامش الترجمة اليسوعية أو مقدمات الأسفار أمور لا نقبلها، فالترجمة اليسوعية التي قام بها الآباء اليسوعيين بقيادة الأب أوغسطينس روده Augustin Rodet وأنتهي منها سنة 1881م لم يكن فيها هذه الهوامش والمقدمات التي أضافها الذين أعادوا طباعتها نحو سنة 1989م، وواضح تأثرهم بآراء مدرسة النقد الأعلى، مثلما رأينا خلال دراستنا لسفر النشيد، فيُرجى مراجعة مدارس النقد  عهد قديم جـ 1 س 58.

وعبارة "ابْنِ الله" لم تُحذف من أي ترجمة عربية، بل أنها موجودة في الترجمة اليسوعية ذاتها وفي الترجمة العربية المشتركة. كما أورد "دكتور غالي" (89) ترجمة باللغة الإنجليزية ورد فيها عبـارة "ابْنِ الله" ولم تحذف هذه العبارة سوى من ترجمتين فقط هما (Nayes NT) و(TN/V)، وأيضًا أورد دكتور غالي أسماء أكثر من عشر ترجمات باللغة اليونانية أوردت عبارة "ابن الله"، وأورد اسم ترجمتين نقديتين باللغة اليونانية فقط هما اللتان لم يرد فيهمـا عبارة "ابْنِ الله" وهما (Westcoat and Hart 1881) و(Tischendarf 8th Edition). وكذلك وردت عبارة "ابْنِ الله" في المخطوطات الفاتيكانية، والإسكندرية، وواشنطن، وبيزا، وأيضًا وردت في كثير من المخطوطات سواء مخطوطات الخط الكبير أو مخطوطات الخط الصغير، ومئات من المجموعة البيزنطية ومخطوطات القراءات الكنسية، وفي الترجمات اللاتينية القديمة والفولجاتا، والترجمات السريانية والأشورية التي ترجع للقرن الثاني الميلادي، والترجمات القبطية، والدياتسورن الذي وضعه تاتيان في القرن الثاني، وعندما سقطت عبارة "ابْنِ الله" من المخطوطة السينائية أعيد كتابة العبارة عند التصحيح، والمخطوطات التي لم ترد فيها العبارة قليلة جدًا جدًا من القبطي الصعيدي والأرمينية.

ولا نغفل أيضًا اقتباسات الآباء لنص الآية (مر 1: 1) شاملة عبارة "ابْنِ الله"، ومن هؤلاء الآباء إيرينيؤس، وفاستوس، وأمبروسيوس، وجيروم، وأغسطينوس. أما الذين ذكروا العبارة بدون "ابْنِ الله" فهم قليلون جدًا مثل فيكتريوناس وباسيليوس وبعض أقوال جيروم، مع أنه ذكرها كاملة في ترجمة الفولجاتا التي قام بها. ويقول "دكتور غالي" أنه جاء تعليق علماء النقد النصي على الذين حذفوا عبارة "ابْنِ الله" كالتالي:

" They are original and were accidentally omitted when copyists eyes jumped from the word "Christ" to "God" both of which have the same ending in Greek ".

" كانوا أصليين وحُذِفوا عن طريق الخطأ أثناء عملية النسخ. قفزت عين الناسخ من كلمة "Christ " إلى كلمة "Gad ". كلا الكلمتين لهما نفس النهاية في اللغة اليونانية".

(راجع موقع هوليبايبل - شبهات نقد نصي إنجيل مرقس).

وعبارة " يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ الله" ليست غريبة عن نص إنجيل مرقس وروحه، فقد وردت مرارًا وتكرارًا في المعمودية، وفي التجلي، وفي اعتراف بطرس، وفي شهادة قائد المئة.. إلخ (راجع س 484 ثالثًا). ويقول "فادي أليكساندر": " في (مر 1: 1) نقرأ " بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ الله"، ولكن أن إفترضنا أن لفظ "ابْنِ الله" ليس أصيلًا في النص، فهل هذا يعني أن مرقس لم يكن مؤمنًا أن المسيح هو ابن الله؟!. بكل تأكيد لا، فهناك عشرات النصوص الثابتة في المخطوطات ولا خلاف عليها في إنجيل مرقس تثبت إيمان مرقس بأن المسيح ابن الله!!" (205).

 

2- أيهما الصحيح " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ" (مر 1: 2) كما جاء في ترجمة فانديك أم " كُتِبَ في سفر النبي أشعياء" كما جاء في الترجمة اليسوعية وترجمات أخرى؟.. جاء في ترجمة فانديك " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ" وفي ترجمة الملك جيمس الحديثة (NKJV) "As it is written in the Prophets ": وكذلك American Kng James Version وترجمـات أخرى. بينما جاء في الترجمة اليسوعية والحياة والعربية المشتركة "النبي إشعيـاء" وكذلك بعض الترجمات الإنجليزيـة مثل American Standard Version وNew American Standard Bible وترجمات أخرى، وأيضًا بالنسبة للمخطوطات باللغة اليونانية بعضها جاء فيه " فِي الأَنْبِيَاءِ" والبعض جاء فيه " إشعياء" ومن المخطوطات التي جاء فيها " فِي الأَنْبِيَاءِ" المخطوطة الإسكندرية، وواشنطن وبعض المخطوطات اليونانية، ومخطوطات القراءات الكنسية. ومن المخطوطات التـي جاء فيها " إشعياء النبي" السريانية والفاتيكانية. وفي هامش هذه النسخة الفاتيكانية (وهيَ أقدم من النسخة الإسكندرية بنحو مائة عام) أمام هذه الآية وضع الناسخ "العلامة النقدية" Umlauto التي كشف العلماء عن سر هذه العلامة، وهيَ عبارة عن نقطتين ثقيلتين واضحتين متجاورتين في الهامش، والمقصود منهما أن الناسخ يخبرنا أن له علم ودراية بأن هناك قراءة أخرى " فِي الأَنْبِيَاءِ" كما وردت " في أشعياء النبي" في مخطوطة بيزا وبعض الترجمات القديمة مثل اللاتينية القديمة، والفولجاتا، والسريانية البشيطا، كما جاءت في اقتباسات بعض الآباء مثل أوريجانوس وباسيليوس الكبير وأبيفانيوس وجيروم وأغسطينوس وغيرهم " في إشعياء النبي". أما القديس إيرينيؤس فقد اقتبسها " فِي الأَنْبِيَاءِ"، وترتليان اقتبسها أحيانًا " فِي الأَنْبِيَاءِ" وأحيانًا " في أشعياء النبي"، والقديس غريغوريوس صانع العجائب لا يذكر هذه ولا تلك بـل يكتفي بالقول "لأنه قيل" as it is said. وبهذا نرى إن كانت الشواهد الأكثر تحتوي " فِي الأَنْبِيَاءِ" وهو ما أخذ به النص المستلم، فإن الشواهد الأقدم تحتوي " في أشعياء"، ولذلك يصعب تحديد أيهما الأصل، فالبعض يرى أن قراءة " في إشعياء" هيَ الأقدم، وهيَ الأصعب فهيَ تمثل الأصل (راجع فادي أليكساندر - المدخل إلى علم النقد النصي للعهد الجديد ص 487)، بينما يـرى البعض عبارة " فِي الأَنْبِيَاءِ" المتوافقة على النص هيَ الأصل، فيقول "دكتور غالي": "بالإيمان نثق في دقة كلام الوحي، وباستخدام الوحي الإلهي لمعلمنا مرقس البشير يكون كلمة " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ " أدق وبخاصة أنه في زمان القديس مرقس كان كتاب الأنبياء الاثنى عشر مستقلًا عن باقي الأنبياء الكبار، وكان اسمه كتاب الأنبياء، وهذا ما يذكره مرقس البشير بدقة في تعبيره "الأَنْبِيَاءِ" " (موقع هوليبايبل - شبهات نقد نصي إنجيل مرقس).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

والحقيقة أن اقتباس القديس مرقس (مر 1: 2، 3) أُخذ من ثلاثة مواضع:

(أ) قول الرب لموسى: " هَا أَنَا مُرْسِلٌ مَلاَكًا أَمَامَ وَجْهِكَ لِيَحْفَظَكَ فِي الطَّرِيقِ وَلِيَجِيءَ بِكَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَعْدَدْتُهُ" (خر 23: 20).

(ب) نبوة ملاخي النبي: " هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي" (ملا 3: 1) وحيث أن الناطق بهذه النبوة هو الله الكلمة لذلك قال " أَمَامِي"، وقد فهم القديس مرقس النص وأدرك المعنى جيدًا، لذلك عوضًا عن كلمة " أَمَامِي" جعلها " أَمَامَ وَجْهِكَ": " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي" فالمقصود بوجهك وجه السيد المسيح الله الكلمة المتجسد الذي نطق بالنبوة قبل تجسده.

(جـ) نبوة أشعياء النبي: " صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لإِلَهِنَا. 4كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلًا. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ" (إش 40: 3 - 5). وأيضًا لأن مرقس البشير أدرك النبوة جيدًا فعوضًا عن قول النبوة " قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لإِلَهِنَا" قال: "اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً"، لأن "إلهنا" هو يسوع المسيح. ولأن ما ذكره القديس مرقس (مر 1: 2، 3) مقتبس من عدة مواضع لذلك هناك احتمالان:

الاحتمال الأول: أن ما كتبه مرقس البشير " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ" فمع أن الفارق الزمني بين نبوة سفر الخروج ونبوة أشعياء نحو ثمانية قرون، وبين نبوة أشعياء وملاخي أكثر من ثلاثة قرون، لكن مرقس البشير بوحي من الروح القدس جمع النبوات الثلاث بسبب وحدة الموضوع، وهكذا فعل القديس متى عندما اقتبس عدة نبوات قائلًا: " لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا" (مت 2: 23)، ثم تغيرت الكلمة إلى "إشعياء" لأن الناسخ كان كل تركيزه على نبوة إشعياء، فظن أن الناسخ الذي سبقه قد أخطأ عندما كتب "في الأنبياء" فجعلها "أشعياء النبي".

الاحتمال الثاني: أن ما كتبه مرقس البشير "النبي إشعياء" لأنه كان من عادة كتبة الأسفار الإلهيَّة عندما يكون الاقتباس من أكثر من موضع أن يكتفوا بأكثر الأنبياء شهرة، كما كان إشعياء يتصدر قائمة الكتب النبوية (راجع الكتاب المقدَّس الدراسي ص 2243، والتفسير التطبيقي س 1978، ومدارس النقد - عهد جديد جـ 3 س218). ثم جاء أحد النسَّاخ وجعلها "في الأنبياء" لأنها مقتبسة من أكثر من موضع، فيقول "يوحنا كرافيذوبولس": " العبارة "عند إشعياء النبي".. إن نبوة إشعياء تذكر أصلًا وعد الله بعودة الشعب الإسرائيلي من سبي بابل إلى أرض الأجداد. وبعد ذلك بدأ هذا الوعد يأخذ معنى مسيانيًا، لم يكن الشعب الإسرائيلي فقط المسبي بل الإنسانية جمعاء، وتنتظر المسيا لكي يحرّرها من عبودة الشيطان" (206). وجاء في "التفسير العربي المعاصر": " فنجد في القسم الأول لهذا المقطع استشهاد اختاره الكاتب من أقوال سفري (ملا 3: 1) و(إش 40: 3)، وفي بعض المخطوطات تقرأً قبل الاستشهاد بهذين النبيين: المقدمة التالية: "كما هو مكتوب في الأنبياء" وفي البعض الآخر يرد: "كما هو مكتوب في إشعياء النبي". ربما لأن سفر إشعياء هو السفر النبوي الأكبر والأهم في العهد القديم، فاسمه يلخص كامل النبوة القديمة" (207). (راجع أيضًا الأب متى المسكين - الإنجيل بحسب القديس مرقس ص 120، 121).

وإن تساءل أحد أي العبارتين (في الأنبياء - النبي إشعياء) هيَ الصحيحة وأيهما الخطأ؟.. نقول له أن هذا المنطق لا يصلح في هذه المسألة، لأن كلا العبارتين صحيح تمامًا، فلو قلنا "كما هو مكتوب في الأنبياء" فذلك صحيح لأن ما ورد (مر 1: 1، 2) مقتبس من أكثر من مصدر، ولو قلنا "كتب في سفر النبي إشعياء" فهيَ عبارة صحيحة لأنه بالرغم من أنها مقتبسة أساسًا من نبوتين مباشرتين هما نبوة إشعياء ونبوة ميخا، فأنها نُسبت لإشعياء لأنه الأشهر. ويمكن أن نقول أن هذا النقد النصي يدخل ضمن القراءات المتنوعة التي سبق التعرُّض لها، فيُرجى الرجوع إلى النقد الكتابي - عهد جديد جـ2 س116.

 

3- هل دُعيَ يوحنا المعمدان بالملاك، لأنه كان ملاكًا وتجسَّد؟.. الذي قال بهذا الرأي هو أوريجانوس، ولم تقبل الكنيسة هذا الرأي القائل بأن يوحنا المعمدان كان في الأصل ملاكًا حقيقيًا ثم حمل طبيعتنا البشرية ليخدمنا (راجع القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب مرقس ص 25)، فقد أشار مرقس البشير ليوحنا المعمدان على أنه الملاك المُرسَل من الله بحسب نبوة ملاخي النبي: " هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ" (ملا 3: 1) فقال القديس مرقس: " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ" (مر 1: 2)، وقد دُعي يوحنا المعمدان ملاكًا لأسباب عديدة، نذكر منها الآتي:

(1) هو ملاك بحسب وظيفته، لأن معنى كلمة "ملاك" أي "رسول"، وكان الرومان يدركون أن رسول الملك يتقدم الملك، فقدوم الرسول إلى مدينة أو مقاطعة يعني أن الملك في طريقه إلى هذه المدينة أو تلك المقاطعة، وهكذا أنبأ مجيء يوحنا المعمدان السابق عن مجيء الملك المسيح، فقد كان يوحنا مُرسلًا من الله ليعد الطريق أمام وجهه، مثلما تنبأ عنه ملاخي: " هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي" (ملا 3: 1) ومثلما تنبأ إشعياء النبي: " صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ" (إش 40: 3) فيوحنا هو الصوت والسيد المسيح هو أقنوم الكلمة. ويقول "القديس أمبروسيوس": "الصوت والصراخ يتلاقيان: الصوت يبشّر بالإيمان، والصراخ يدعو إلى التوبة. الصوت راحة والصراخ خطر، الصوت ينشد الرحمة والصراخ يعلن الدينونة" (208).

(2) الملاك نوراني، وكان يوحنا المعمدان كما وصفه السيد المسيح: " السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ" ويقول "العلامة ترتليان": "لم يُدعَ يوحنا ملاكًا للمسيح فحسب وإنما دُعي أيضًا سراجًا يضئ أمامه، إذ تنبأ داود: " رَتَّبْتُ سِرَاجًا لِمَسِيحِي " (مز 132: 17)، بكونه ليس فقط أعد سبله في البرية وإنما أشار أيضًا إلى حمل الله منيرًا أذهان البشر بكرازته عنه" (209). لقد استضاءت حياة يوحنا بالنور الإلهي، ولذلك ترمز له الكنيسة بالقمر المضيء، وقد عاش حياة القداسة الفائقة، فلم يشارك البشر حياة الترف والشهوة والطمع والقسوة، بل عاش حياة البتولية والتجرد وسلك سلوكًا ملائكيًا، حتى أن الفنان القبطي رسم أيقونته وهو يحمل جناحي ملاك، ومن مثله امتلأ بالروح القدس وهو بعد جنين في بطن أمه: " وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو 1: 15)، وعاش حياة التقشف والزهد حتى قيل عنه أنه: " لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ" (مت 11: 18).

(3) دُعي يوحنا ملاكًا نظرًا لظهوره المفاجئ للناس، بعد أن أمضى حياته منذ صباه في هدوء الصحراء بعيدًا عن ضجيج المدينة، حتى يوم ظهوره لإسرائيل، فخرج من الصحراء وإليها كان يعود بعد أداء خدمته، فهو لم يشارك البشر لا ملابسهم ولا سكناهم، ومع ذلك فهو أعظم مواليد النساء. لقد كانت كرازته بسيرته العطرة أكثر من كلماته، فهو في ذاته عظة لمن يراه ويسمعه، وفي كرازته خاطب الضمير، فأصغوا إليه لأنه كان يعبر عما في أعماقهم، كقول "أفلاطون": "أن التعليم الحقيقي ليس أن تعطي الناس شيئًا جديدًا بل أن تبصّرهم بما في نفوسهم" (210).

(4) دُعي يوحنا ملاكًا نظرًا للعظائم التي سيصنعها ولا سيما أنه سيُعمّد السيد المسيح ابن الله الكلمة، فأعطى لأنبياء العهد القديم أن يتنبأوا عن مجيء المسيا، أما ليوحنا المعمدان فقد أُعطي أن يتنبأ عن المسيا وأن يعاينه أيضًا ويضع يده عليه ويعمّده. لقد جاء يوحنا بعد أن انقطع صوت النبوة أكثر من ثلثمائة عام ليقدم خدمة ملائكية.

(5) كما أن الملاك هو خادم أمين وَفِي لسيده، هكذا كان يوحنا أمينًا وفيًّا لسيده، فاعترف أن السيد المسيح هو العريس أما هو فهو صديق العريس الذي يرى العريس ويفرح، وقال برضى كامل: " يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يو 3: 30)، فاستحق مديح سيده عندما قال عنه: " لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (مت 11: 11).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/488.html