St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 478- هل مجيء مرقس الرسول للإسكندرية حقيقة أم أنه زعم من كرسي الإسكندرية الذي أراد أن يُجذّر نفسه وينسب نفسه للرسل؟ وكيف كرز مرقس الرسول في تلك المدينة الصاخبة؟ وما هي العلاقة بين القداس المرقسي والقداس الكيرلسي؟ وكيف جابه مرقس البشير مدرسة الإسكندرية الوثنية؟

 

س478: هل مجيء مرقس الرسول للإسكندرية حقيقة أم أنه زعم من كرسي الإسكندرية الذي أراد أن يُجذّر نفسه وينسب نفسه للرسل؟ وكيف كرز مرقس الرسول في تلك المدينة الصاخبة؟ وما هيَ العلاقة بين القداس المرقسي والقداس الكيرلسي؟ وكيف جابه مرقس البشير مدرسة الإسكندرية الوثنية؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: هل مجيء مرقس الرسول للإسكندرية حقيقة أم أنه زعم؟ شكَّك البعض في مجيء مرقس الرسول للإسكندرية واستشهاده فيها، وقالوا أن كنيسة الإسكندرية كانت بحاجة إلى تأصيل رسولي فاخترع أسطورة كرازة مارمرقس لها واستشهاده بها، مع أن أكليمنضس السكندري وأوريجانوس لم يذكر أحدهما مجيء مرقس الرسول للإسكندرية، وقال "لاجرانج" Lagrange الفرنسي نقلًا عن "كروسن" Crassen الألماني: "أن الإسكندرية قد حاولت تقليد عواصم الإمبراطورية (الرومانية والبيزنطية) في اختيار أحد الرسل حاميًا وشفيعًا لها Patron، فكان بطرس لروما، وإندراوس لبيزنطة، ثم أتخذت الإسكندرية مرقس شفيعًا لها" (104).

ومن الثابت تاريخيًا أن مرقس هو الذي كرز في مصر، ومن ألقابه أنه كاروز الديار المصرية. وحتى لو أن أكليمنضس السكندري ولا أوريجانوس ذكر أن مرقس استشهد في الإسكندرية، فإن صمتهما لا يعني نفيهما لهذه الحقيقة، إنما يعني بالأكثر أن هذا أمرًا معلومًا ومستقرًا ولا يحتاج لأي تأكيد من أحدهما. وما أكثر الأدلة التي تؤكد تأسيس مرقس الرسول لكرسي الإسكندرية واستشهاده فيها، ونكتفي هنا بهذه الأدلة:

1- يقول "القديس أيرنيموس": "حسب مرقس، ترجمان بطرس الرسول، وأول أسقف على كنيسة الإسكندرية.." (105) ولو كانت قصة مجيء مرقس الرسول للإسكندرية أسطورة، فكيف يقرُّ مجمع نيقية سنة 325م أن كرسي الإسكندرية كرسي رسولي لأن مارمرقس هو الذي أسَّسه، هل اعتراف كل هؤلاء الآباء الأساقفة اعتراف باطل؟.

2- قال "يوسابيوس القيصري": "ويقولون أن مرقس هذا كان أول من أُرسل إلى مصر، وأنه نادى بالإنجيل الذي كتبه، وأسَّس الكنائس في الإسكندرية أولًا" (2: 16: 1) (106). وشكَّك البعض في هذه الشهادة لأنها مبنية على السماع "يقولون"، فيقول "د. ميخائيل مكسي إسكندر": "ولكننا نرى أنه بدأ عبارة بفعل مبني للمجهول (يقولون) لأنه ربما سمع هذه القصة من أفواه كثيرة، خلال زيارته لمصر، كدليل على شيوعها في زمانه. كما أننا نقرأ في تاريخه الكنسي، أنه استقى معلوماته من العلامة أكليمنضس الإسكندري (نهاية القرن 3م) الذي تحدث - في كتاباته - عن إنجيل مرقس، وذيوعه في مصر في عهده" (107). والقديس أكليمنضس في كتابه "ما وراء الرمز" أوضح أن مرقس هو أول من كرز في مصر، وهو أول أسقف عليها (راجع توماس أودين - مارمرقس الرسول في الذاكرة الأفريقية ص 144).

3- قال "يوسابيوس القيصري": "أنيانوس أول أسقف لكنيسة الإسكندرية بعد مرقس الرسول في السنة الثانية من مُلك نيرون سُلّمت إلى أنيانوس إدارة أبروشية الإسكندرية خلفًا لمرقس الإنجيلي" (3: 24) (108).

4- ذكر "يوسابيوس القيصري" أسماء خلفاء مارمرقس التسعة من سنة 64 إلى سنة 260م، وجاءت هذه الأسماء مطابقة تمامًا لما جاء في المخطوطات القبطية القديمة، ومع ما كتبه المسيحي الليبي "يوليوس الأفريقي" Julius Africanos (راجع د. ميخائيل مكسي إسكندر - تاريخ كنيسة بنتابوليس ص 111).

5- جاء في الرسالة الفصحية للبابا بطرس خاتم الشهداء (رقم 17) عند إشارته لسلفه البابا ثاؤنا قال عنه: "السادس عشر من خلفاء مرقس الرسول" (109).

6- في سيرة البابا بطرس خاتم الشهداء عندما ذهب إلى قبر مارمرقس وهو في طريقه للاستشهاد في 8 ديسمبر 311م صلى قائلًا: "يا أبي الإنجيلي الذي للكلمة الوحيد وابن الله والشاهد لآلامه المحيية، أنت هو الشهيد الأول والأسقف المكرَّم الراسخ في هذا الكرسي، الذي اصطفاه المسيح، مخلصنا كلنا، إلهنا الحقيقي، أنت قد نشرت البشارة (بالإنجيل) في كل أرض مصر والتخوم المحيطة بهذا البلد.. وأنت اخترت أنيانوس الطوباوي خليفة لك، لأنه كان مستحقًا، وبعده ميليوس، ثم الذين آتوا بعده، ثم أبي ثاؤنا الذي رباني، وبعد أبي ثاؤنا وصلت خدمة الكرسي إليَّ أنا، على الرغم من كوني خاطئًا وغير مستحق لهذه الكرامة.. ها إني أعهد لك بالقطيع الذي اؤتمنت عليه كخليفة (لك)، هذا الذي سلمته أنت لمن سبقوني، وقد أخذته أنت من يد الله المخلص، لأنك بالنسبة لي وللذين معي المعلم، وقد تعلمنا الإيمان الأرثوذكسي من تعاليمك المقدَّسة، ونحن أيضًا لنا حظوة أن أصحاب هذا الكرسي لهم شفيع بهذه القامة عند ربنا يسوع المسيح، الذي صرت أنت خليفة له" (مقال د. صموئيل قزمان معوض - مارمرقس والهوية القبطية) (110).

7- ذكر القديس جيروم أن حنانيا (أنيانوس) خلَّف مرقس الرسول على كرسي الإسكندرية (راجع الأرشمندريت يوسف دره الحداد 1 - الدفاع عن المسيحية جـ 1 في الإنجيل بحسب مرقس ص 35، 36).

8- في سيرة البابا ديسقورس رقم (25) عندما تعرض البابا للنفي ظهر له رؤيا يوحنا المعمدان وأليشع النبي يقولان له: "يا ديسقورس لماذا تخاف؟ نحن كائنان معك منذ اليوم الذي أجلسوك فيه على الكرسي الذي لمرقس الإنجيلي.." (سيرة البابا ديسقورس - فقرة 35، وصموئيل قزمان معوض ص 281، 282) (111).

9- جاء في كتاب "تاريخ البطاركة" أسماء البطاركة العشرة الأوائل وتواريخ سيامتهم ووفاتهم كالآتي:

(1) القديس مرقس (61 - 68م)

(2) أنيانوس (68 - 83م)

(3) ميليوس (83 - 95م)

(4) الشهيد كردونوس (95 - 106م)

(5) إيريموس (106 - 118م)

(6) يسطس (118 - 129م)

(7) أرمانيوس (129 - 141م)

(8) مارقيانوس (141 - 152م)

(9) كالاوثيانوس (152 - 166م)

(10) أغريبينوس (166 - 178م)

10- تقول "مسز بوتشر": "أما الكنيسة القبطية المصرية التي أسَّسها ق. مرقس فقد حافظت إلى الآن على أنظمتها وطقوسها التي كانت لها منذ مؤسسها أكثر مما حافظت أي كنيسة أخرى (إلى هذا اليوم) وفيها بقيت سلسلة المراتب الكهنوتية الثلاثة متصلة بغير انقطاع إلى يومنا هذا، وهيَ الأسقفية والقسوسية والشماسية وقد حافظت أيضًا على الأسرار السبعة، ولكنها تعتبر اثنين منها ضروريين للخلاص وهما المعمودية والعشاء الرباني" (مع ملاحظة أن المؤرخة بوتشر كانت بروتستانتية) (112).

11- قال "البطريرك كيرلس مقار" الكاثوليكي: "فإن بطرس مارس الخدمة الأسقفية في أنطاكية، ولكنه لم يمارسها في الإسكندرية، فالكنيسة الإسكندرانية غير مديونة لخدمته ولا لترتيبه الأسقفي، لأن ذلك خاص بمرقس.. فهيَ مديونة لمرقس" (113).

12- البابا بولس السادس: في لقائه بالوفد القبطي في 22 يونيو 1968م بمناسبة عودة رفات مرقس الرسول إلى مصر، قال أن هذا العمل يُعبَّر عن: "حلقة جديدة في العلاقات بين كنيسة روما وكنيسة الإسكندرية، بين كرسي بطرس وكرسي مرقس" (114).

 

ثانيًا: كرازة مارمرقس في الإسكندرية:

1- جاء مارمرقس الرسول إلى الإسكندرية قادمًا من المدن الخمس الغربية ولا يوجد ميعاد محدد مُتفَق عليه لقدومه للإسكندرية، فيرى البعض أنما جاء مبكّرًا أثناء حكم كلوديوس (41 - 44م)، بينما يرى أسقف نستروه والسيدة بوتشر والبطريرك مكسيموس مظلوم أنه جاء سنة 49م، وحدَّد الأب شينو سنة 60م، وقال يوسابيوس القيصري (تاريخ الكنيسة 2: 24) أنه جاء في حكم نيرون (54 - 68م)، ويرى المؤرخ شاكر ابن الراهب، والأنبا إيسيذورس والقديس حبيب جرجس، وكامل نخلة، وإيرس حبيب المصري أنه جاء سنة 61م، وهو نفس التاريخ الذي جاء في سنكسار كنيستنا القبطية: "وبعد نياحة برنابا ذهب مرقس بأمر السيد المسيح إلى أفريقيا وبرقة والخمس المدن الغربية، ونادى في تلك الجهات بالإنجيل فآمن على يده أكثر أهلها. ومن هناك ذهب إلى الإسكندرية في أول بشنس سنة 61م". ويقول "البابا شنوده الثالث": "أنه لا يمكن قبول التواريخ المبكرة (الأربعينات) حيث كان مرقس حديث السن. وكان لا يزال يعمل بصحبة الرسل.. ومن المؤكد أنه لم يحضر إلى الإسكندرية قبل مجمع أورشليم (سنة 51م) حيث ذهب بعده مع برنابا إلى قبرص" (115). ويقول "د. ميخائيل مكسي إسكندر": "ونحن نرى أنه جاء إلى بنتابوليس بين عامي 55 - 56م، ووصل الإسكندرية بين عامي 60 - 61م، ويؤيدنا في ذلك الدكتور عزيز سوريال، وسليم سليمان، وفرنسيس العتر، والقس منسى يوحنا، وابن كبر وغيرهم" (116).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

2- جاء مرقس الرسول إلى الإسكندرية المدينة الأولى في العالم من جهة الحضارة والعلوم والثقافة والتجارة والصناعة.. إلخ (راجع س477).. فماذا سيفعل أمام هذه المدينة العظيمة بدياناتها المختلفة، ويسكن فيها مئات الألوف من اليهود، وتجيش بأجناس عديدة، وتقف مفتخرة بمدرستها التي لا مثيل لها في العالم ولا سيما المكتبة التي تضمها في أحشائها.. لم يتعب مرقس البشير نفسه في التفكير: ماذا سيفعل؟ وكيف يبلغ الرسالة؟ ومن أين يبدأ وهو لا يعرف إنسانًا فيها.. إلخ، ولكن الله دبَّر له الأمر بطريقة عجيبة، إذ تلف حذاءه من مشقة الطريق وذهب ليُصلحه، وإذ بالمخراز يصيب يد الأسكافي الذي يصرخ "ايس ثيؤس" أي "يا اللَّه الواحد". وعلى الفور يحرك روح الرب مرقس فيتفل على الأرض ويصنع طينًا ويطلي جرح الأسكافي، فأن عينيه كانتا مثبتتان على المسيح وهو يفعل هذا مع المولود أعمى، ويقول "الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين" أن مرقس البشير صلى قائلًا: "باسم الآب والابن والروح القدس، الله الحي الأبدي، تُشفي يد هذا الرجل في هذه اللحظة، ليتمجد الاسم القدوس" (117). وللحظة برأت يده، وسأله عن الإله الواحد، فبشَّره به، فكان أنيانوس الأسكافي أول شخص يؤمن بالسيد المسيح ابن الله في مدينة الإسكندرية على يد مرقس الرسول، واستضافه الأسكافي ونال المعمودية هو وأسرته، ولم يخبو النور الذي شع من هذه الأسرة المباركة فأنتقل للأقرباء والجيران، وبدأت شعلة الكرازة تُضئ سماء الإسكندرية.. كانت الجالية اليهودية التي تعيش في الإسكندرية كبيرة جدًا، وبعض منهم كان يسافر إلى أورشليم لحضور الأعياد، ولا بد أن بعضهم عاين كرازة السيد المسيح أو سمع عنها، وحضر أحداث الصلب والقيامة والصعود وحلول الروح القدس، ولا بد أن بعضهم آمن بالسيد المسيح، لذلك أغلب الظن لم يكن أنيانوس أول إنسان مسيحي في الإسكندرية، بل سبقه بعض اليهود، ويغلب هذا الرأي ظهور شخصية مثل شخصية "أبولس" فهو لم يعتمد على يد مرقس البشير: " ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ أَبُلُّوسُ إِسْكَنْدَرِيُّ الْجِنْسِ رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُبِ. كَانَ هذَا خَبِيرًا فِي طَرِيقِ الرَّبِّ. وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيق مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ. عَارِفًا مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا فَقَطْ" (أع 18: 24 - 25) فيبدو أنه حضر كرازة ومعمودية يوحنا، وكرازة المسيح ولم يكن في أورشليم يوم الخمسين فلم يعاين إيمان الثلاثة آلاف ومعموديتهم (راجع أيضًا أع 19: 1، 2، 1كو 3: 5، 9، 4: 6 - 13، 16: 12) وقال البعض أن خدمة أبولس كانت سابقة لخدمة بولس الرسول في أفسس وكورنثوس. ويقول أحد رهبان دير البرَموس: "أننا لا نصدق أن الدين المسيحي لم يدخل الثغر إلا بعد ثمانية وعشرين سنة لصعود المسيح (سنة 61م) على يد مارمرقس، لأنه أقرب كثيرًا إلى اليهود من المدن والأقاليم الأخرى التي امتد إليها الإيمان المسيحي" (الراهب البرَموسي - حسن السلوك في تاريخ البطاركة والملوك - القاهرة 1613 ش ص 9)" (118).

ومما ساعد على انتشار الإيمان المسيحي بين المصريين إيمانهم بالحياة الأخرى، والدينونة والثواب والعقاب وإيمانهم بالوحدانية المشوب بالتعددية الوثنية. فأنيانوس الذي صرخ: "يا الله الواحد" لم يكن يعرفه المعرفة الحقيقية. وجاء في العقيدة المصرية القديمة: "الله واحد أحد.. لا إله إلَّا هو.. الذي صنع كل شيء.. الله روح خفي.. روح الأرواح.. روح المصريين الأكبر.. هو الموجود من الأزل وهو موجود قبل كل الوجود.. فهو إله أزلي وهو الحي الدائم الذي لا نهاية له، الأبدي الباقي على الدوام" (119). والذي حمل الوحدانية في نقاوتها إلى مصر مصرايم حفيد نوح، وظهرت واضحة في الأسرة العشرين (راجع كتاب الحضارات الأولى لجوستاف لونون ص 262، 263 - المرجع السابق ص 10). وقال "هيرودتس" المؤرخ اليوناني: "أن أهل طيبة كانوا يعرفون الإله الواحد الذي لا بداية له الحي الأبدي" (120).

وعن إيمان المصريين بالدينونة والثواب والعقاب، أن الإنسان يَمثُل أمام الآلهة ليعطي حسابًا عما فعله، وهو يقول:

"إني لم أكن جائرًا على بشر

إني لم أعامل الناس بالسوء.. إني لم أرتكب خطيئة في مكان الحق..

إني لم أحاول معرفة ما لا ينبغي معرفته.. إني لم آتِ شرًّا..

إني لم أسلب الإله.. إني لم أسلب إنسانًا ممتلكاته..

إني لم أرتكب ما يمقته الآلهة.. إني لم أتسبب في ألم..

إني لم أقتل.. إني لم آمر بالقتل..

إني لم أرتكب لواطًا.. إني لم أزُنِ في الأماكن المقدَّسة لإله مدينتي..

إني لم أقتطع من المكيال.. إني لم أغش الموازين..

إني لم أغتصب اللبن من فم الرضيع.. إني لم أحرم الماشية من مرعاها.." (نيقولا جريمال - تاريخ مصر القديمة ص 113 - 115) (121).

وانتشرت المسيحية في هذه المدينة العظيمة عن طريق القدوة وفي هدوء، فيقول "إبراهيم صبري معوض": "وقد اشتهر الذين أعتنقوا الدين المسيحي بجميل الخصال وحسن السلوك مع مواطنيهم وعُرِفوا بدماثة الخلق واللطف والدعة وصدق المعاملة وإنكار الذات والزهد في العالم والمحبة للغير والإحسان إلى المسيء، وهيَ صفات أدهشت الوثنيين وأثرت في نفوسهم تأثيرًا عظيمًا فكانوا إذا وجدوا وثنيًا منهم على شيء من هذه الصفات الجميلة قالوا أنه مسيحي أو أنه عاشر مسيحيًا وأقتبس من فضائله" (122).

3- أثمرت خدمة مارمرقس في الإسكندرية، وانتشر نور الإيمان وكثر المؤمنين، فوضع لهم صلوات القداس الإلهي، وأنشأ مدرسة إسكندرية اللاهوتية:

القداس الإلهي: مارمرقس الذين عاين السيد المسيح وهو يقدم جسده ودمه الكريمين لتلاميذه الأطهار في سر الإفخارستيا، استطاع أن يضع صلوات القداس الإلهي، وظلت هذه الصلوات تنتقل من السلف للخلف شفاهة، حتى دوَّنه كتابة البابا أثناسيوس الرسولي، وسلّمه إلى فرومينتيوس أول أسقف على أثيوبيا، ثم رتّبه وأضاف إليه البابا كيرلس الكبير (رقم 24) فنُسب له ودُعي باسم "لقداس الكيرلسي" وما زال محفوظًا للآن في كنيستنا القبطية، ويقول الدكتور "هامر شميث": أن قداس القديس مارمرقس هو أقدم ليتورجية لكنيسة الإسكندرية، وعُثِر على "درج" مخطوط في دير سانت كاترين مدوَّن عليه قداس القديس مرقس يرجع للقرن الحادي عشر، وهو في حالة لا تسمح بدراسته إلاَّ بعد معالجته (راجع إبراهيم صبري معوض - تاريخ حياة القديس الشهيد مارمرقس الإنجيلي ص 275).

وجاء في قاموس أكسفورد أنه: "في سنة 1928م أكتشف قصاصات من القداس في بردي استراسبورج ترجع إلى القرنين الرابع والخامس في الطقس القبطي، مكتوب عليها القداس القبطي للقديس مرقس، أو للقديس كيرلس.. وصيغة أخرى منه باللغة الأثيوبية.

وتوجد ثلاث مخطوطات في الفاتيكان لهذا القداس، وهيَ:

The God. Rassanensis Vat. Cr. 1970, Saee XIII

The Ratulus Vaticaanus Vat. Cr. 2281, Saee XIII

The Ratulus Messanensis God. Mes Cr. 177, Saee".

(راجع موقع هوليبايبل - قانونية إنجيل مرقس وكاتب الإنجيل).

المدرسة اللاهوتية: كان لمدرسة الإسكندرية "الميوزيوم" شهرتها العالمية فكان يقدم إليها الدارسون من شتى أنحاء العالم ليستكملوا دراستهم ومعرفتهم، كما رأينا في السؤال السابق، وعندما انتشر الإيمان المسيحي آمن بعض أساتذة هذه المدرسة، مما أثار حفيظة أساتذة المدرسة وهجومهم على المسيحية، فأنشأ القديس مرقس المُحب للمعرفة المدرسة اللاهوتية أولًا: لتعليم المؤمنين وأيضًا الموعوظين أسُّس الإيمان المسيحي، وثانيًا: لإعداد خدامًا للكرازة، وثالثًا: للرد على الهجمات الشرسة من مدرسة إسكندرية الوثنية. وعيَّن لها مرقس الرسول العلامة "القديس يسطس" المشهود له بالتقوى، ونمت هذه المدرسة وأشرف عليها رجال جمعوا بين عمق المعرفة وعمق الفضيلة مثل أثيناغوراس الذي كان من أساطين الديانة الوثنية وآمن بالمسيحية، وصار من المدافعين الأقوياء عن المسيحية فقدم دفاعًا قويًا عن المسيحية سنة 177م للإمبراطور مرقس أوريليوس، وأول من قدم تفسيرًا لعقيدة الله الواحد المثلث الأقانيم، وبنتينوس الذي كان من أصل وثني وآمن بالمسيحية وتولى مسئولية مدرسة إسكندرية اللاهوتية سنة 181م. ويقول عنه "يوسابيوس القيصري": "ونحو هذا الوقت عهد إلى "بنتينوس" - وهو شخص بارز جدًا بسبب علمه - من إدارة مدرسة المؤمنين في الإسكندرية. إذ كانت قد أنشئت بها منذ الأزمنة القديمة مدرسة للتعاليم المقدَّسة، ولا زالت حتى يومنا هذا. وكان يديرها - كما وصل إلى علمنا - رجال في غاية المقدرة والغيرة نحو الإلهيات. وقيل أنه برز من بينهم في ذلك الوقت بنتينوس لأنه تهذب بفلسفة الرواقيين" (5: 10: 1) (123). وعن بنتينوس يقول أيضًا "إبراهيم صبري معوض": "وابتدأت المدرسة في التقدم حينما انحاز بنتينوس أحد الرواقيين القدماء إلى تلك المدرسة المسيحية وأخذت تشاطر الأكاديمية في العلوم الأدبية والدينية، وجُعِل بنتينوس بعد ذلك أحد مديريها" (124).

ويقول "فارر" Farrar: "وفي مدينة مثل هذه - الإسكندرية - بمتحفها ومكتباتها ومحاضراتها ومدارسها الفلسفية، ومجامعها (اليهودية) الضخمة، وملحديها العلنيين، وأفكارها الشرقية الباطنية العميقة، لا يحمل فيها الإنجيل قوة إن لم يكن قادرًا على خلق معلمين قادرين على مجابهة فلاسفة وثنيين ويهود أفلاطونيين وشرقيين اختاروا خليطًا من الفلسفات، يجابهونهم بذات أسسهم" (125).

ويقول "القمص تادرس يعقوب": "شهد القديس جيروم أن القديس مرقس الرسول قام بتأسيس مدرسة الإسكندرية المسيحية، فقد أُوحي له بالروح القدس أن يقيمها للتعليم بالمسيحية، كطريق لتثبيت الدين الجديد في هذه المدرسة على أساس راسخ سواء بالنسبة للذين من أصل أممي أو من أصل يهودي. بهذا كما يقول ألكسندر روبرت: { وُجِد أول كرسي للتعليم المسيحي.. وهي الإسكندرية عقل المسيحية.. في الوقت الذي كان فيه الغرب مجرد متقبّل يبسط يديه وساعديه للشرق طالبًا استنارة أعظم" (126).

ويقول أيضًا "القمص تادرس يعقوب": "ووصف "Groves" هذه المدرسة قائلًا: " كانت مدرسة إسكندرية التعليمية ذات الشهرة العالمية مركزًا للدراسات المسيحية دون منافس في العالم المسيحي في ذلك الحين". صارت هذه المدرسة أقدم مركز للعلوم القدسية في تاريخ المسيحية، إذ نشأ فيها أول نظام للاهوت المسيحي، كما انطلقت منها طريقة التفسير الرمزي للكتاب المقدَّس.. قيل عنها: "أنه من المشكوك فيه أن نجد نظامًا للتعليم المسيحي أفضل مما كان قائمًا في الإسكندرية" (127).

واتسعت الدراسة في مدرسة إسكندرية اللاهوتية لتشمل فروع العلم المختلفة. وجاء في "موسوعة آباء الكنيسة" عن مدرسة إسكندرية اللاهوتية: " كانت بمثابة معهد أو كلية لتدريس فروع المعرفة المختلفة كالإنسانيات واللغات والموسيقى وعلوم الفلك والفيزياء والكيمياء والطب والرياضيات والجغرافيا والتاريخ، بالرغم من أن دورها الرئيسي في عصر الإيمان كان الدين. وكان أن تطوَّر المنهج بعد المناظرات التي جرت بين علماء المدرستين اللاهوتية والوثنية، فأدخلت العلوم الطبيعية لتدرس بها إلى جانب العلوم الدينية (عزيز سوريال عطية - تاريخ الكنيسة الشرقية، والراهب القمص أنطونيوس الأنطوني - وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها)" (128)، وكان العلم فيها عن طريق "الكاتشزم" أي السؤال والإجابة، وضمت الأغنياء والفقراء رجال ونساء. ويقول "القمص تادرس يعقوب": "بحق يلزمنا أن نقف بإعجاب بآبائنا الأولين الذين استطاعوا بسموهم الروحي وعلو فكرهم أن يفتحوا مدرسة في القرن الأول الميلادي تضم الجنسين معًا رجال ونساء، في وقت كان فيه العالم المتحضر كله يقوم على التمييز بينهما.. ضمت المدرسة سادة وعبيد معًا، في وقت كان العبد رخيصًا يُباع كالسلعة ويُشترى" (129).

وعن عظمة مدرسة إسكندرية اللاهوتية، وأن التعليم اللاهوتي في شتى بقاع العالم مدين لها بالفضل، يقول "توماس أودين": "ربما كانت أكبر مساهمة جوهرية لمارمرقس في المسيحية الأفريقية الأولى هيَ زرع الفكرة الأصلية لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية.. أن خدمة التعليم تلك التي أثرت وبلا استثناء لا في مسيحية شمال أفريقيا وحسب بل وفي التعليم العالي في كل العالم. يكتب البابا شنوده الثالث عن الإنجازات العظمى الثلاث لمارمرقس فيقول: {كان عمله الفردي العظيم والذي حققه هو إنجيله، وليتورجيته، وتأسيس مدرسة الإسكندرية اللاهوتية}.. إن مدرسة الإسكندرية هيَ الأولى من نوعها والنموذج لكل التعبيرات اللاحقة عن التعليم المسيحي العالي، وقد تطوَّرت تلك المدرسة من أصل (بداية) متواضعة لتصبح أكبر المعاهد التعليمية التي لا تُنافس في العالم المسيحي. إن نماذج تفسيرها سرعان ما تبعتها قرطاج (ترتليان)، وقيصرية (أوريجانوس)، وكبادوكية (غريغوريوس النيزنزي)، وروما (غريغوريوس الكبير).. فإن المصادر القبطية تقرأ أن مرقص الرسول هو الذي بدأ النظام اللاهوتي التعليمي للإرشاد والتربية للمتعلمين من المهتدين حديثًا للإيمان المسيحي والمعمدين الجدد الذين تعطشوا إلى فهم يعوَّل عليه للأسفار العبرية والإنجيل (الخبر السار) التي لعبت دورًا أساسيًا في استنارتهم، وحسب التسليم (التقليد) فإن مار مرقص كان القائد الأول لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية" (130).

وكان منصب مدير مدرسة إسكندرية اللاهوتية يلي منصب الأب البطريرك، وبعض هؤلاء المديرين اعتلوا السدة البابوية، ولمدرسة الإسكندرية يرجع الفضل الأكبر في دراسة الأمور اللاهوتية، ومقاومة البدع والهرطقات.. ويقول "توماس أودين": "لاحظ القادة الذين تم اختيارهم ليرأسوا البطريركية كانوا في الأغلب الأعم قد مارسوا أيضًا قيادة المدرسة اللاهوتية، ومن هناك تم انتخابهم ليقودوا البطريركية، وهو الأمر الذي يعكس أهمية التعليم اللاهوتي في كنيسة الإسكندرية التي أسسها مار مرقس..

كان العديد من القادة الأولين، للمسيحية الأفريقية، قد خدموا مبكرًا جدًا كرؤساء للمدرسة اللاهوتية، وحين صار هيراقليس أسقفًا (231 - 247م) خلفه ديونيسيوس (247 - 264م) وكان كلاهما قد ترقى في الوظيفة الأسقفية من قيادة المدرسة اللاهوتية، ثم يأتي بعد ذلك بطرس أسقف الإسكندرية (خادم الشهداء) والذي يخدم عميدًا قبل أن يصبح أسقفًا، هؤلاء هم الذين كُلّفوا أن يصيروا معلمين للإيمان المسيحي في أفريقيا في القرنين الثاني والثالث، فواجهوا الاضطهاد والسجن والتعذيب، والموت، لابد أنهم كانوا يتبعون بدقة نهج وأسلوب القديس مرقص، ومثلما واجه الأساقفة الأوائل الاضطهاد، هكذا فعل كل معلمي اللاهوت المبكرون. وأن تصبح أسقفًا في المفهوم الأفريقي يعني أن تكون معلمًا، مثلما نرى في حالة كبريانوس وبطرس أسقف الإسكندرية، وأثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير.. وفي الذاكرة الأفريقية وعلى امتداد كل ضفاف النيل ومن طيبة حتى أثيوبيا والنوبة، كان مرقس الرسول وعلى الدوام يُعرَف بأنه المعلم الأول للمسيحية الأفريقية الموقَّر والمكرَّم أبدًا كرئيس المدرسة اللاهوتية العظمى والذي لا يبارى" (131).

مغادرة الإسكندرية: عندما نجحت الكرازة وازداد عدد المؤمنين وانضم إليهم صفوة من أصحاب العلم والمعرفة وتغيَّرت حياتهم ولمعت نجومهم في سماء الإسكندرية، لم يُسِر هذا عدو الخير، فأوغل صدور الوثنيين بالحقد الأسود وأصروا على الانتقام من مارمرقس الرسول، فسام القديس مرقس "أنيانوس" أسقفًا، فبدأ يرعى الشعب منذ نحو عام 63 / 64م، وقال عنه يوسابيوس القيصري أنه كان محبوبًا من الله مقبولًا عنده، وظل في منصبه حتى نياحته في 20 هاتور سنة 86م، وأيضًا قبل أن يغادر القديس مرقس الإسكندرية سام ثلاثة كهنة وسبعة شمامسة، وترك الإسكندرية نحو سنة 63م. ولم يعد إليها إلاَّ بعد استشهاد القديس بطرس وبولس في يوليو 67م، فجاء إلى الإسكندرية للمرة الثانية حتى ختم حياته بالاستشهاد في 30 برموده 68م.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/478.html