St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 478- هل مجيء مرقس الرسول للأسكندرية حقيقة أم أنه زعم من كرسي الأسكندرية الذي أراد أن يُجذّر نفسه وينسب نفسه للرسل؟ وكيف كرز مرقس الرسول في تلك المدينة الصاخبة؟ وما هي العلاقة بين القداس المرقسي والقداس الكيرلسي؟ وكيف جابه مرقس البشير مدرسة الأسكندرية الوثنية؟

 

س478: هل مجيء مرقس الرسول للأسكندرية حقيقة أم أنه زعم من كرسي الأسكندرية الذي أراد أن يُجذّر نفسه وينسب نفسه للرسل؟ وكيف كرز مرقس الرسول في تلك المدينة الصاخبة؟ وما هي العلاقة بين القداس المرقسي والقداس الكيرلسي؟ وكيف جابه مرقس البشير مدرسة الأسكندرية الوثنية؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: أولاً: هل مجئ مرقس الرسول للأسكندرية حقيقة أم أنه زعم؟ شكَّك البعض في مجئ مرقس الرسول للأسكندرية وإستشهاده فيها، وقالوا أن كنيسة الأسكندرية كانت بحاجة إلى تأصيل رسولي فاخترع أسطورة كرازة مارمرقس لها وإستشهاده بها، مع أن أكليمنضس السكندري وأوريجانوس لم يذكر أحدهما مجئ مرقس الرسول للأسكندرية، وقال " لاجرانج " Lagrange الفرنسي نقلاً عن " كروسن " Crassen الألماني: " أن الأسكندرية قد حاولت تقليد عواصم الأمبراطورية (الرومانية والبيزنطية) فـي إختيار أحد الرسل حامياً وشفيعاً لها Patron، فكان بطرس لروما، وإندراوس لبيزنطة، ثم إتخذت الأسكندرية مرقس شفيعاً لها " (3).

 ومن الثابت تاريخياً أن مرقس هو الذي كرز في مصر، ومن ألقابه أنه كاروز الديار المصرية. وحتى لو أن أكليمنضس السكندري ولا أوريجانوس ذكر أن مرقس إستشهد في الأسكندرية، فإن صمتهما لا يعني نفيهما لهذه الحقيقة، إنما يعني بالأكثر أن هذا أمراً معلوماً ومستقراً ولا يحتاج لأي تأكيد من أحدهما. وما أكثر الأدلة التي تؤكد تأسيس مرقس الرسول لكرسي الأسكندرية وإستشهاده فيها، ونكتفي هنا بهذه الأدلة:

1- يقول " القديس أيرنيموس ": " حسب مرقس، ترجمان بطرس الرسول، وأول أسقف على كنيسة الأسكندرية.. " (1) ولو كانت قصة مجئ مرقس الرسول للأسكندرية أسطورة، فكيف يقرُّ مجمع نيقية سنة 325م أن كرسي الأسكندرية كرسي رسولي لأن مارمرقس هو الذي أسَّسه، هل إعتراف كل هؤلاء الآباء الأساقفة إعتراف باطل؟.

2- قال " يوسابيوس القيصري ": " ويقولـون أن مرقس هذا كان أول من أُرسل إلى مصر، وأنه نادى بالأنجيل الذي كتبـه، وأسَّس الكنائس في الأسكندريـة أولاً " (2: 16: 1) (2)0 وشكَّك البعض في هذه الشهادة لأنها مبنية على السماع " يقولـون "، فيقول " د. ميخائيل مكسي اسكندر ": " ولكننا نرى أنه بدأ عبـارة بفعـل مبنـي للمجهول (يقولون) لأنه ربما سمع هذه القصة من أفواه كثيرة، خلال زيارته لمصر، كدليل على شيوعها في زمانه. كما أننا نقرأ في تاريخه الكنسي، أنه إستقى معلوماته من العلامة أكليمنضس الأسكندري (نهاية القرن 3م) الذي تحدث – في كتاباته – عن إنجيل مرقس، وذيوعه في مصر في عهده " (3)0 والقديس أكليمنضس في كتابـه " ما وراء الرمز " أوضح أن مرقس هو أول من كرز في مصر، وهـو أول أسقـف عليها (راجع توماس أودين – مارمرقس الرسول في الذاكرة الأفريقية ص 144).

3- قال " يوسابيوس القيصري ": " أنيانوس أول أسقف لكنيسة الأسكندرية بعد مرقس الرسول في السنة الثانية من مُلك نيرون سُلّمت إلى أنيانوس إدارة أبروشية الأسكندرية خلفاً لمرقس الأنجيلي " (3: 24) (4).

4- ذكر " يوسابيوس القيصري " أسماء خلفاء مارمرقس التسعة من سنة 64 إلى سنة 260م، وجاءت هذه الأسماء مطابقة تماماً لما جاء في المخطوطات القبطية القديمة، ومع ما كتبه المسيحي الليبي " يوليوس الأفريقي " Julius Africanos (راجع د. ميخائيل مكسي اسكندر – تاريخ كنيسة بنتابوليس ص 111).

5- جاء في الرسالة الفصحية للبابا بطرس خاتم الشهداء (رقم 17) عند إشارته لسلفه البابا ثاؤنا قال عنه: " السادس عشر من خلفاء مرقس الرسول " (1).

6- في سيرة البابا بطرس خاتم الشهداء عندما ذهب إلى قبر مارمرقس وهو في طريقه للإستشهاد في 8 ديسمبر 311م صلى قائلاً: " ياأبي الأنجيلي الذي للكلمة الوحيد وإبن الله والشاهد لآلامه المحيية، أنت هو الشهيد الأول والأسقف المكرَّم الراسخ في هذا الكرسي، الذي إصطفاه المسيح، مخلصنا كلنا، إلهنا الحقيقي، أنت قد نشرت البشارة (بالإنجيل) في كل أرض مصر والتخوم المحيطة بهذا البلد.. وأنت إخترت أنيانوس الطوباوي خليفة لك، لأنه كان مستحقاً، وبعده ميليوس، ثم الذين آتوا بعده، ثم أبي ثاؤنا الذي رباني، وبعد أبي ثاؤنا وصلت خدمة الكرسي إليَّ أنا، على الرغم من كوني خاطئاً وغير مستحق لهذه الكرامة.. ها إني أعهد لك بالقطيع الذي أؤتمنت عليه كخليفة (لك)، هذا الذي سلمته أنت لمن سبقوني، وقد أخذته أنت من يد الله المخلص، لأنك بالنسبة لي وللذين معي المعلم، وقد تعلمنا الإيمان الأرثوذكسي من تعاليمك المقدَّسة، ونحن أيضاً لنا حظوة أن أصحاب هذا الكرسي لهم شفيع بهذه القامة عند ربنا يسوع المسيح، الذي صرت أنت خليفة له " (مقال د. صموئيل قزمان معوض – مارمرقس والهوية القبطية) (2).

7- ذكر القديس جيروم أن حنانيا (أنيانوس) خلَّف مرقس الرسول على كرسـي الأسكندرية (راجع الأرشمندريت يوسف دره الحداد 1- الدفاع عن المسيحية جـ 1 في الإتجيل بحسـب مرقس ص 35، 36).

8- في سيرة البابا ديسقورس رقم (25) عندما تعرض البابا للنفي ظهر له رؤيا يوحنا المعمدان واليشع النبي يقولان له: " ياديسقورس لماذا تخاف؟ نحن كائنان معك منذ اليوم الذي أجلسوك فيه على الكرسي الذي لمرقس الأنجيلي.. " (سيرة البابا ديسقورس – فقرة 35، وصموئيل قزمان معوض ص 281، 282) (3).

9- جاء في كتاب " تاريخ البطاركة " أسماء البطاركة العشرة الأوائل وتواريخ سيامتهم ووفاتهم كالآتي:

(1) القـديس مرقـس (61 – 68م) (6) يسطـس (118 – 129م)

(2) أنيانـوس (68 – 83م) (7) أرمانيـوس (129 – 141م)

(3) ميليـوس (83 – 95م) (8) مارقيانـوس (141 – 152م)

(4) الشهيد كردونوس (95 – 106م) (9) كالاوثيانوس (152 – 166م)

(5) إيريمـوس (106 – 118م) (10) أغريبينوس (166 – 178م)

10- تقول " مسز بوتشر ": " أما الكنيسة القبطية المصرية التي أسَّسها ق. مرقس فقد حافظت إلى الآن على أنظمتها وطقوسها التي كانت لها منذ مؤسسها أكثر مما حافظت أي كنيسة أخرى (إلى هذا اليوم) وفيها بقيت سلسلة المراتب الكهنوتية الثلاثة متصلة بغير إنقطاع إلى يومنا هذا، وهي الأسقفية والقسوسية والشماسية وقد حافظت أيضاً على الأسرار السبعة، ولكنها تعتبر إثنين منها ضروريين للخلاص وهما المعمودية والعشاء الربانـي " (مع ملاحظـة أن المؤرخة بوتشر كانت بروتستانتية) (1).

11- قال " البطريرك كيرلس مقار " الكاثوليكي: " فإن بطرس مارس الخدمة الأسقفية في أنطاكية، ولكنه لم يمارسها في الأسكندرية، فالكنيسة الأسكندرانية غير مديونة لخدمته ولا لترتيبه الأسقفي، لأن ذلك خاص بمرقس.. فهي مديونة لمرقس " (2).

12- البابا بولس السادس: في لقائه بالوفد القبطي في 22 يونيو 1968م بمناسبة عودة رفات مرقس الرسول إلى مصر، قال أن هذا العمل يُعبَّر عن: " حلقة جديدة في العلاقات بين كنيسة روما وكنيسة الأسكندرية، بيـن كرسي بطـرس وكرسي مرقس " (3).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

ثانياً: كرازة مارمرقس في الأسكندرية:

1- جاء مارمرقس الرسول إلى الأسكندرية قادماً من المدن الخمس الغربية ولا يوجد ميعاد محدد مُتفَق عليه لقدومه للأسكندرية، فيرى البعض أنما جاء مبكّراً أثناء حكم كلوديوس (41 – 44م)، بينما يرى أسقف نستروه والسيدة بوتشر والبطريرك مكسيموس مظلوم أنه جاء سنة 49م، وحدَّد الأب شينو سنة 60م، وقال يوسابيوس القيصري (تاريخ الكنيسة 2: 24) أنه جاء في حكم نيرون (54 – 68م)، ويرى المؤرخ شاكر إبـن الراهب، والأنبا إيسيذورس والقديس حبيب جرجس، وكامل نخلة، وإيرس حبيب المصري أنه جاء سنة 61م، وهو نفس التاريخ الذي جاء في سنكسار كنيستنا القبطية: " وبعد نياحة برنابا ذهب مرقس بأمر السيد المسيح إلى أفريقيا وبرقة والخمس المدن الغربية، ونادى في تلك الجهات بالأنجيل فآمن على يده أكثر أهلها. ومن هناك ذهب إلى الأسكندرية في أول بشنس سنة 61م "0 ويقول " البابا شنودة الثالث ": " أنه لا يمكـن قبول التواريخ المبكرة (الأربعينات) حيث كان مرقس حديث السن. وكان لا يزال يعمل بصحبة الرسل.. ومن المؤكد أنه لم يحضر إلى الأسكندرية قبل مجمع أورشليم (سنة 51م) حيث ذهب بعده مع برنابا إلى قبرص " (1)0 ويقول " د. ميخائيل مكسي اسكندر ": " ونحن نرى أنه جاء إلى بنتابوليس بين عامي 55 – 56م، ووصل الأسكندرية بين عامي 60 – 61م، ويؤيدنا في ذلك الدكتور عزيز سوريال، وسليم سليمان، وفرنسيس العتر، والقس منسى يوحنا، وإبن كبر وغيرهم " (2).

2- جاء مرقس الرسول إلى الأسكندرية المدينة الأولى في العالم من جهة الحضارة والعلوم والثقافة والتجارة والصناعة.. إلخ (راجع س477).. فماذا سيفعل أمام هذه المدينة العظيمة بدياناتها المختلفة، ويسكن فيها مئات الألوف من اليهـود، وتجيش بأجناس عديدة، وتقف مفتخرة بمدرستها التي لا مثيل لها في العالم ولاسيما المكتبة التي تضمها في أحشائها.. لم يتعب مرقس البشير نفسه في التفكير: ماذا سيفعل؟ وكيف يبلغ الرسالة؟ ومن أين يبدأ وهو لا يعرف إنساناً فيها.. إلخ، ولكن الله دبَّر له الأمر بطريقة عجيبة، إذ تلف حذاءه من مشقة الطريق وذهب ليُصلحه، وإذ بالمخراز يصيب يد الأسكافي الذي يصـرخ " ايس ثيؤس " أي " ياالله الواحد ". وعلى الفور يحرك روح الرب مرقس فيتفل على الأرض ويصنع طيناً ويطلي جرح الأسكافي، فأن عينيه كانتا مثبتتان على المسيح وهو يفعل هذا مع المولود أعمى، ويقول " الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين " أن مرقس البشير صلى قائلاً: " باسم الآب والأبن والروح القدس، الله الحي الأبدي، تُشفي يد هذا الرجل في هذه اللحظة، ليتمجد الأسم القدوس " (3)0 وللحظة برأت يده، وسأله عن الإله الواحد، فبشَّره به، فكان أنيانوس الأسكافي أول شخص يؤمن بالسيد المسيح إبن الله في مدينة الأسكندرية على يد مرقس الرسول، وإستضافه الأسكافي ونال المعمودية هو وأسرته، ولم يخبو النور الذي شع من هذه الأسرة المباركة فأنتقل للأقرباء والجيران، وبدأت شعلة الكرازة تضئ سماء الأسكندرية.. كانت الجالية اليهودية التي تعيش في الأسكندرية كبيرة جداً، وبعض منهم كان يسافر إلى أورشليم لحضور الأعياد، ولابد أن بعضهم عاين كرازة السيد المسيح أو سمع عنها، وحضر أحداث الصلب والقيامة والصعود وحلول الروح القدس، ولابد أن بعضهم آمن بالسيد المسيح، لذلك أغلب الظن لم يكن أنيانوس أول إنسان مسيحي في الأسكندرية، بل سبقه بعض اليهود، ويغلب هذا الرأي ظهور شخصية مثل شخصية " ابولس " فهو لم يعتمد على يد مرقس البشير: " ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ أَبُلُّوسُ إِسْكَنْدَرِيُّ الْجِنْسِ رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُبِ. كَانَ هذَا خَبِيرًا فِي طَرِيقِ الرَّبِّ. وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيق مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ. عَارِفًا مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا فَقَطْ " (أع 18: 24، 25) فيبدو أنه حضر كرازة ومعمودية يوحنا، وكرازة المسيح ولم يكن في أورشليم يوم الخمسين فلم يعاين إيمان الثلاثة آلاف ومعموديتهم (راجع أيضاً أع 19: 1، 2، 1كو 3: 5، 9، 4: 6 – 13، 16: 12) وقال البعض أن خدمة ابولس كانت سابقة لخدمة بولس الرسول في أفسس وكورنثوس. ويقول أحد رهبان دير البراموس: " أننا لا نصدق أن الدين المسيحي لم يدخل الثغر إلا بعد ثمانية وعشرين سنة لصعود المسيح (سنة 61م) على يد مارمرقس، لأنه أقرب كثيراً إلى اليهود من المدن والأقاليم الأخرى التي إمتـد إليها الإيمان المسيحي " (الراهب البراموسي – حسن السلـوك في تاريـخ البطاركة والملـوك - القاهرة 1613 ش ص 9) " (1).

 ومما ساعد على إنتشار الإيمان المسيحي بين المصريين إيمانهم بالحياة الأخرى، والدينونة والثواب والعقاب وإيمانهم بالوحدانية المشوب بالتعددية الوثنية. فانيانوس الذي صرخ: " ياالله الواحد " لم يكن يعرفه المعرفة الحقيقية. وجاء في العقيدة المصرية القديمة: " الله واحد أحد.. لا إله إلاَّ هو.. الذي صنع كل شئ.. الله روح خفي.. روح الأرواح.. روح المصريين الأكبر.. هو الموجود من الأزل وهو موجود قبل كل الوجود.. فهو إله أزلي وهو الحي الدائم الذي لا نهاية له، الأبدي الباقي على الدوام " (2)0 والذي حمل الوحدانية في نقاوتها إلى مصر مصرايم حفيد نوح، وظهرت واضحة في الأسرة العشرين (راجع كتاب الحضارات الأولى لجوستاف لونون ص 262، 263 – المرجع السابق ص 10)0 وقال " هيرودتس " المؤرخ اليونانـي: " أن أهل طيبة كانوا يعرفون الإله الواحد الذي لا بداية له الحي الأبدي " (3).

 وعن إيمان المصريين بالدينونة والثواب والعقاب، أن الإنسان يَمثُل أمام الآلهة ليعطي حساباً عما فعله، وهو يقول:

" إني لم أكن جائراً على بشر

إني لم أعامل الناس بالسوء.. إني لم أرتكب خطيئة في مكان الحق..

إني لم أحاول معرفة ما لا ينبغي معرفته.. إني لم آتِ شرَّاً..

إني لم أسلب الإله.. إني لم أسلب إنساناً ممتلكاته..

إني لم أرتكب ما يمقته الآلهة.. إني لم أتسبب في ألم..

إني لم أقتل.. إني لم آمر بالقتل..

إني لم أرتكب لواطاً.. إني لم أزُنِ في الأماكن المقدَّسة لإله مدينتي..

إني لم أقتطع من المكيال.. إني لم أغش الموازين..

إني لم أغتصب اللبن من فم الرضيع.. إني لم أحرم الماشية من مرعاها.. " (نيقولا جريمال – تاريخ مصر القديمة ص 113 – 115) (1).

 وإنتشرت المسيحية في هذه المدينة العظيمة عن طريـق القـدوة وفي هدوء، فيقول " إبراهيم صبري معوض ": " وقد إشتهر الذين أعتنقوا الدين المسيحي بجميل الخصال وحسن السلوك مع مواطنيهم وعُرِفوا بدماثة الخلق واللطف والدعة وصدق المعاملة وإنكار الذات والزهد في العالم والمحبة للغير والإحسان إلى المسئ، وهي صفات أدهشت الوثنيين وأثرت في نفوسهم تأثيراً عظيماً فكانوا إذا وجدوا وثنياً منهم على شئ من هذه الصفات الجميلة قالوا أنه مسيحي أو أنه عاشر مسيحياً وأقتبس من فضائله " (2).

3- أثمرت خدمة مارمرقس في الأسكندرية، وإنتشر نور الإيمان وكثر المؤمنين، فوضع لهم صلوات القداس الإلهي، وأنشأ مدرسة اسكندرية اللاهوتية:

القداس الإلهي: مارمرقس الذين عاين السيد المسيح وهو يقدم جسده ودمه الكريمين لتلاميذه الأطهار في سر الأفخارستيا، إستطاع أن يضع صلوات القداس الإلهي، وظلت هذه الصلوات تنتقل من السلف للخلف شفاهة، حتى دوَّنه كتابة البابا أثناسيوس الرسولي، وسلّمه إلى فرومينتيوس أول أسقف على أثيوبيا، ثم رتّبه وأضاف إليه البابا كيرلس الكبير (رقم 24) فنُسب له ودُعي بأسم " القداس الكيرلسي " ومازال محفوظاً للآن في كنيستنا القبطية، ويقول الدكتور " هامر شميث " أن قداس القديس مارمرقس هو أقدم ليتورجية لكنيسة الأسكندرية، وعُثِر على " درج " مخطوط في دير سانت كاترين مدوَّن عليه قداس القديس مرقس يرجع للقرن الحادي عشر، وهو في حالة لا تسمح بدراسته إلاَّ بعد معالجته (راجع إبراهيم صبري معوض – تاريخ حياة القديس الشهيد مارمرقس الأنجيلي ص 275).

 وجاء في قاموس أكسفورد أنه: " في سنة 1928م أكتشف قصاصات من القداس في بردي استراسبورج ترجع إلى القرنين الرابع والخامس في الطقس القبطي، مكتوب عليها القداس القبطي للقديس مرقس، أو للقديس كيرلس.. وصيغة أخرى منه باللغة الأثيوبية.

 وتوجد ثلاث مخطوطات في الفاتيكان لهذا القداس، وهي:

The God. Rassanensis Vat. Cr. 1970, Saee XIII

The Ratulus Vaticaanus Vat. Cr. 2281, Saee XIII

The Ratulus Messanensis God. Mes Cr. 177, Saee ".

(راجع موقع هولي بايبل – قانونية إنجيل مرقس وكاتب الإنجيل).

المدرسة اللاهوتية: كان لمدرسة الأسكندرية " الميوزيوم " شهرتها العالمية فكان يقدم إليها الدارسون من شتى أنحاء العالم ليستكملوا دراستهم ومعرفتهم، كما رأينا في السؤال السابق، وعندما إنتشر الإيمان المسيحي آمن بعض أساتذة هذه المدرسة، مما أثار حفيظة أساتذة المدرسة وهجومهم على المسيحية، فأنشأ القديس مرقس المُحب للمعرفة المدرسـة اللاهوتية أولاً: لتعليـم المؤمنين وأيضاً الموعوظين أسُّس الإيمان المسيحي، وثانياً: لإعداد خداماً للكرازة، وثالثاً: للرد على الهجمات الشرسة من مدرسة إسكندرية الوثنية. وعيَّن لها مرقس الرسول العلامة " القديس يسطس " المشهود له بالتقوى، ونمت هذه المدرسة وأشرف عليها رجال جمعوا بين عمق المعرفة وعمق الفضيلة مثل أثيناغوراس الذي كان من أساطين الديانة الوثنية وآمن بالمسيحية، وصار من المدافعين الأقوياء عن المسيحية فقدم دفاعاً قوياً عن المسيحية سنة 177م للأمبراطور مرقس أوريليوس، وأول من قدم تفسيراً لعقيدة الله الواحد المثلث الأقانيم، وبنتينوس الذي كان من أصل وثني وآمن بالمسيحية وتولى مسئولية مدرسة اسكندرية اللاهوتية سنة 181م. ويقول عنه " يوسابيوس القيصري ": " ونحو هذا الوقت عهد إلى " بنتينوس " – وهو شخص بارز جداً بسبب علمه – من إدارة مدرسة المؤمين في الأسكندرية. إذ كانت قد أنشئت بها منذ الأزمنة القديمة مدرسة للتعاليم المقدَّسة، ولا زالت حتى يومنا هذا. وكان يديرها – كما وصل إلى علمنا – رجال في غاية المقدرة والغيرة نحو الإلهيات. وقيل أنه برز من بينهم في ذلك الوقت بنتينوس لأنه تهذب بفلسفة الرواقيين " (5: 10: 1) (1)0 وعـن بنتينوس يقول أيضاً " إبراهيم صبري معوض ": " وإبتدأت المدرسة في التقدم حينما إنحاز بنتينوس أحد الرواقيين القدماء إلى تلك المدرسة المسيحية وأخذت تشاطر الأكاديمية في العلوم الأدبية والدينية، وجُعِل بنتينوس بعد ذلك أحد مديريها " (2).

 ويقول " فارر " Farrar: " وفي مدينة مثل هذه – الأسكندرية – بمتحفها ومكتباتها ومحاضراتها ومدارسها الفلسفية، ومجامعها (اليهودية) الضخمة، وملحديها العلنيين، وأفكارها الشرقية الباطنية العميقة، لا يحمل فيها الأنجيل قوة إن لم يكن قادراً على خلق معلمين قادرين على مجابهة فلاسفة وثنيين ويهود أفلاطونيين وشرقيين إختاروا خليطاً من الفلسفات، يجابهونهم بذات أسسهم " (3).

 ويقول " القمص تادرس يعقوب ": " شهد القديس جيروم أن القديس مرقس الرسول قام بتأسيس مدرسة الأسكندرية المسيحية، فقد أُوحي له بالروح القدس أن يقيمها للتعليم بالمسيحية، كطريق لتثبيت الدين الجديد في هذه المدرسة على أساس راسخ سواء بالنسبة للذين من أصل أممي أو من أصل يهودي. بهذا كما يقول الكسندر روبرت: { وُجِد أول كرسي للتعليم المسيحي.. وهي الأسكندرية عقل المسيحية.. في الوقت الذي كان فيه الغرب مجرد متقبّل يبسط يديه وساعديه للشرق طالباً إستنارة أعظم " (4).

 ويقول أيضاً " القمص تادرس يعقوب ": " ووصف " Groves " هـذه المدرسة قائلاً: " كانت مدرسة اسكندرية التعليمية ذات الشهرة العالمية مركزاً للدراسات المسيحية دون منافس في العالم المسيحي في ذلك الحين "0 صارت هذه المدرسة أقدم مركز للعلوم القدسية في تاريخ المسيحية، إذ نشأ فيها أول نظام للاهوت المسيحي، كما إنطلقت منها طريقة التفسير الرمزي للكتاب المقدَّس.. قيل عنها: " أنه من المشكوك فيه أن نجد نظاماً للتعليم المسيحي أفضل مما كان قائماً في الأسكندرية " (5).

 وإتسعت الدراسة في مدرسة اسكندرية اللاهوتية لتشمل فروع العلـم المختلفة. وجاء في " موسوعة آباء الكنيسة " عن مدرسة اسكندرية اللاهوتية: " كانت بمثابة معهد أو كلية لتدريس فروع المعرفة المختلفة كالأنسانيات واللغات والموسيقى وعلوم الفلك والفيزياء والكيمياء والطب والرياضيات والجغرافيا والتاريخ، بالرغم من أن دورها الرئيسي في عصر الإيمان كان الدين. وكان أن تطوَّر المنهج بعد المناظرات التي جرت بين علماء المدرستيـن اللاهوتية والوثنية، فأدخلت العلوم الطبيعية لتدرس بها إلى جانب العلوم الدينية (عزيـز سوريال عطية – تاريخ الكنيسة الشرقية، والراهـب القمص أنطونيوس الأنطوني – وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها) " (1)، وكان العلم فيها عن طريق " الكاتشزم " أي السؤال والأجابة، وضمت الأغنياء والفقراء رجـال ونساء. ويقول " القمص تادرس يعقوب ": " بحق يلزمنا أن نقف بإعجاب بآبائنا الأولين الذين إستطاعوا بسموهم الروحي وعلو فكرهم أن يفتحوا مدرسة في القرن الأول الميلادي تضم الجنسين معاً رجال ونساء، في وقت كان فيه العالم المتحضر كله يقوم على التمييز بينهما.. ضمت المدرسة سادة وعبيد معاً، في وقت كان العبد رخيصاً يُباع كالسلعة ويُشترى " (2).

 وعن عظمة مدرسة اسكندرية اللاهوتية، وأن التعليم اللاهوتي في شتى بقاع العالم مدين لها بالفضل، يقول " توماس أودين ": " ربما كانت أكبر مساهمة جوهرية لمارمرقس في المسيحية الأفريقية الأولى هي زرع الفكرة الأصلية لمدرسة الأسكندرية اللاهوتية.. أن خدمة التعليم تلك التي أثرت وبلا إستثناء لا في مسيحية شمال أفريقيا وحسب بل وفي التعليم العالي في كل العالم. يكتب الأنبا شنودة الثالث عن الإنجازات العظمى الثلاث لمارمرقس فيقـول: { كان عمله الفردي العظيم والذي حققه هو إنجيله، وليتورجيته، وتأسيس مدرسة الأسكندرية اللاهوتية }.. إن مدرسة الأسكندرية هي الأولى من نوعها والنموذج لكل التعبيرات اللاحقة عن التعليم المسيحي العالي، وقد تطوَّرت تلك المدرسة من أصل (بداية) متواضعة لتصبح أكبر المعاهد التعليمية التي لا تُنافس في العالم المسيحي. إن نماذج تفسيرها سرعان ما تبعتها قرطاج (ترتليان)، وقيصرية (أوريجانوس)، وكبادوكيـة (غريغوريوس النيزنـزي)، وروما (غريغوريوس الكبير).. فإن المصادر القبطية تقرأ أن مرقص الرسول هو الذي بدأ النظام اللاهوتي التعليمي للإرشاد والتربية للمتعلمين من المهتدين حديثاً للإيمان المسيحي والمعمدين الجدد الذين تعطشوا إلى فهم يعوَّل عليه للأسفار العبرية والأنجيل (الخبر السار) التي لعبت دوراً أساسياً في إستنارتهم، وحسب التسليم (التقليد) فإن مار مرقص كان القائـد الأول لمدرسة الأسكندرية اللاهوتية " (3).

 وكان منصب مدير مدرسة اسكندرية اللاهوتية يلي منصب الأب البطريرك، وبعض هؤلاء المديرين إعتلوا السدة البابوية، ولمدرسة الأسكندرية يرجع الفضل الأكبر في دراسة الأمور اللاهوتية، ومقاومة البدع والهرطقات.. ويقول " توماس أودين ": " لاحظ القادة الذين تم إختيارهم ليرأسوا البطريركية كانوا في الأغلب الأعم قد مارسوا أيضاً قيادة المدرسة اللاهوتية، ومن هناك تم إنتخابهم ليقودوا البطريركية، وهو الأمر الذي يعكس أهمية التعليم اللاهوتي في كنيسة الأسكندرية التي أسسها مار مرقس..

 كان العديد من القادة الأولين، للمسيحية الأفريقية، قد خدموا مبكراً جداً كرؤساء للمدرسة اللاهوتية، وحين صار هيراقليس أسقفاً (231 – 247م) خلفـه ديونيسيوس (247 – 264م) وكان كلاهما قد ترقى في الوظيفة الأسقفية من قيـادة المدرسة اللاهوتية، ثم يأتي بعد ذلك بطرس أسقف الأسكندرية (خادم الشهداء) والذي يخدم عميداً قبل أن يصبح أسقفاً، هؤلاء هم الذين كُلّفوا أن يصيروا معلمين للإيمان المسيحي في أفريقيا فـي القرنين الثاني والثالث، فواجهوا الإضطهاد والسجن والتعذيب، والموت، لابد أنهم كانوا يتبعون بدقة نهج وأسلوب القديس مرقص، ومثلما واجه الأساقفة الأوائل الإضطهاد، هكذا فعل كل معلمي اللاهوت المبكرون. وأن تصبح أسقفاً في المفهوم الأفريقي يعني أن تكون معلماً، مثلما نرى في حالة كبريانوس وبطرس أسقف الأسكندرية، وأثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير.. وفي الذاكرة الأفريقية وعلى إمتداد كل ضفاف النيل ومن طيبة حتى أثيوبيا والنوبة، كان مرقس الرسول وعلى الدوام يُعرَف بأنه المعلم الأول للمسيحية الأفريقية الموقَّر والمكرَّم أبداً كرئيس المدرسة اللاهوتية العظمى والذي لا يبارى " (1).

مغادرة الأسكندرية: عندما نجحت الكرازة وإزداد عدد المؤمنين وإنضم إليهم صفوة من أصحاب العلم والمعرفة وتغيَّرت حياتهم ولمعت نجومهم في سماء الأسكندرية، لم يسر هذا عدو الخير، فأوغل صدور الوثنيين بالحقد الأسود وأصروا على الإنتقام من مارمرقس الرسول، فسام القديس مرقس " أنيانوس " أسقفاً، فبدأ يرعى الشعب منذ نحو عام 63 / 64م، وقال عنه يوسابيوس القيصري أنه كان محبوباً من الله مقبولاً عنده، وظل في منصبة حتى نياحته في 20 هاتور سنة 86م، وأيضاً قبل أن يغادر القديس مرقس الأسكندرية سام ثلاثة كهنة وسبعة شمامسة، وترك الأسكندرية نحو سنة 63م. ولم يعد إليها إلاَّ بعد إستشهاد القديس بطرس وبولس في يوليو 67م، فجاء إلى الأسكندرية للمرة الثانية حتى ختم حياته بالإستشهاد في 30 برمودة 68م.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/478.html