St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 477- كيف وجد القديس مرقس الرسول الأسكندرية عندما دخل إليها؟

 

س477: كيف وجد القديس مرقس الرسول الإسكندرية عندما دخل إليها؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: لا يتسع المجال هنا للحديث عن مدينة الإسكندرية ومدى عظمتها في القرن الأول الميلادي، فقد وُلِدت هذه المدينة كبيرة، فلم تنشأ صغيرة واتسعت مع الزمن، إنما وُلِدت من تخطيط منظم جدًا كما كان يحلم بها الإسكندر الأكبر.. دعني يا صديقي أضع أمامك وصفًا لتلك المدينة العظيمة في خطوط عريضة عندما قَدِم إليها القديس العظيم مارمرقس الرسول:

1- من أهم المدن: إن كانت مدينة روما مقرّ الإمبراطور الروماني التي تسيطر على مجريات الأمور في العالم كله هيَ المدينة الأولى في العالم من الجهة السياسية، فإن الإسكندرية كانت تُعد المدينة الأولى من الجهة الحضارية والثقافية والعلمية، والإسكندرية مدينة مصرية، وكلمة "مصر" كلمة عبرانية مشتقة من كلمة "مصرايم" وهو ابن حام بن نوح، ودُعيت في اللغة القبطية "كيمي" Xhmi، وفي اللغة الإنجليزية Egypt نقلًا عن اليونانية التي أخذتها من الهيروغليفية "آيجيبتوس"، وهيَ كلمة تتكون من مقطعين "آي" أي أرض أو دار، و "جيبتوس" أُخذت من "قفط"، فمعنى "آيجيبتوس" أي أرض قفط أو أرض القبط أو دار القبط. وورد اسم مصر في الكتاب المقدَّس نحو ستمائة مرة (راجع إبراهيم صبري معوض - تاريخ حياة القديس الشهيد مارمرقس الإنجيلي ص 65).

 

2- نشأة المدينة ومعالمها: أصدر الإسكندر الأكبر سنة 331 ق.م أمره بإنشاء مدينة كبيرة تكون عاصمة مصر، وتمثل همزة الوصل بين مصر ومدن روما وأثينا وغيرهما، وكلَّف المهندس النابغة "دينوقراطيس" Dinocrates لوضع التصميم المناسب للمدينة، فوضع هذا المهندس تصميم المدينة في شكل شوارع طويلة بطول نحو 5 كم، وتتعامد عليها شوارع عرضية بطول نحو 2 كم بمحازاة شاطئ البحر المتوسط، وأحيطت المدينة بأسوار مرتفعة تعلوها أربع أبراج مراقبة، فبلغ ارتفاع السور من ثلاث إتجاهات نحو ثلاثين مترًا، وبلغ طول الأسوار نحو 15 كم، بينما السور المواجه للبحر فقد ارتفع بمقدار متر واحد للحماية من الأمواج، وللمدينة أربعة أبواب ضخمة على شكل صليب، من الشرق "الباب الكانوبي" ومن الغرب "باب نكروبوليس" ومن الشمال "باب القمر" ومن الجنوب "باب الشمس"، والشارع الطولي الرئيسي هو شارع كانوب، والشارع العرضي الرئيسي هو شارع سوما، وجاء شكل المدينة مثل رقعة الشطرنج، حوت في أحشائها سبعة أحياء سكنية، ثلاثة في المساحة المنحصرة بين شط البحر وشارع كانوب، وأربعة في الضفة الأخرى من شارع كانوب، وهذه الأحياء هيَ:

أ - الحي اليهودي (سوتيريا): ويقع شرق المدينة في منطقة الشاطبي، وكان عدد اليهود ليس بقليل، وبسبب الاضطرابات العنصرية والتصادمات بين اليهود والأغريق أنشأ اليهود أسوارًا حول الحي الخاص بهم، داخل أسوار المدينة، وبينما كان كل سكان الإسكندرية يدفنون موتاهم خارج الأسوار، فأن اليهود كانو يدفنون موتاهم داخل الحي اليهودي.

ب - الحي الملكي (البرخيوم): ويقع بين الحي اليهودي شرقًا وحي الميدان غربًا، ويشرف على الميناء الشرقي ويحده من الجنوب شارع كانوب وهو الحي الأكثر روعة وجمالًا.

جـ - حي الميدان (الميناء): يقع غرب الحي الملكي، وفيه نجد المخازن الضخمة والمستودعات التي تُخزَّن فيها السلع الخاصة بالتصدير والاستيراد، وبه فنادق واستراحات التجار الأجانب، وشوارع هذا الحي تموج بالأجناس المختلفة من يونانيين ورمانيين ويهود وسريان وأحباش وهنود وعرب، وفيه تسمع شتى اللغات، وهذا الحي يعتبر الترمومتر الذي يحدد مدى الرواج التجاري، وبالحي الترسانة البحرية.

د - حي الأحراش (ميدان السباق): ويقع جنوبي الحي اليهودي يفصل بينهما الشارع الكنوبي، ويحدّه من الجنوب سور المدينة الجنوبي، ومن الشرق سور المدينة الشرقي ومن الغرب حي البانيوم، وبهذا الحي تجد ميدان السباق، والسواري أي أماكن العبادات الوثنية.

هـ - حي البانيوم (السوما): يقع بين حي الأحراش شرقًا وحي المتحف غربًا، ومن الشمال نجد شارع كانوب ومن الجنوب سور المدينة، ويضم هذا الحي "قصر السوما" حيث يرقد جثمان الإسكندر الأكبر، وبجواره جثامين ملوك البطالمة، ويضم الحي أيضًا "البانيوم" Panium (كوم الدكة) وهو تل أو برج بشكل مخروطي به سلالم حلزونية، ومن قمته ترى المدينة بالكامل، وتتمتع بنسمات البحر التي تأتي إليك بلا عائق، ودُعي الحي باسم هذا البرج (البانيوم)، وفي شمال الحي تجد عدة قصور فخمة تطل على الشارع الجنوبي وجنوب الحي تجد بعض الأحراش (المستنقعات).

و - حي المتحف: بين حي البانيوم شرقًا والحي المصري غربًا، يحده من الشمال الشارع الكانوبي ومن الجنوب سور المدينة، ويضم هذا الحي أهم معالم المدينة، ففيه "الموسيون" وهو أشبه بجامعة ضخمة أو أكاديمية، وبه عدد من القصور الفخمة.

ز - الحي المصري (راكوتي): يحده من الشرق حي المتحف ومن الغرب سور المدينة الغربي، ومن الشمال الشارع الكانوبي ومن الجنوب سور المدينة يحتوي (منطقة كرموز وكوم الشقافة وميناء البصل واللبان وكفر عشري). وفي هذا الحي تجد "معبد السرابيوم" الذي شيَّده بطليموس الأول (305 - 283 ق.م) لتمتزج فيه العبادة الأغريقية مع العبادة المصرية القديمة، فرأى المصريون أن "سيرابيس" هو الإله "أوزيريس" مع العجل "أبيس" وقبل البطالمة عبادة سيرابيس حتى أنه كان في مصر 42 معبدًا له، وقيل عن معبد سيرابيس بالإسكندرية: "ليس هناك في العالم ما هو أفخم منه ألاَّ "الكبيتول" الذي يُعد الفخر الأبدي لمدينة روما" (وصف أميانوس مرسيلينوس - سليم حسن - موسوعة مصر القديمة ص 15) (95). وتمر بالحي ترعة "شيديا" من الجنوب وتتجه شمالًا نحو حي الميدان. والمدينة بتصميمها الرائع هذا والشوارع العرضية المستقيمة تفسح المجال لنسيم البحر العليل أن يتخلل المدينة، وترتفع المنازل إلى طابقين أو ثلاث تعلو أبواب المنازل القباب والمظلات، وألوان الطلاء الداخلي مشرقة وزاهية مما يريح النفس، والمنازل وفيرة الضوء وتتخللها حرارة الشمس الدافئة، وتحت المنازل تجد خزانات المياه المتسعة، وفي سنة 10م مدَّ "الإمبراطور أوغسطس قيصر" مجرى مائي من ترعة شيديا ليصل إلى كل أحياء المدينة.

وكانت تقع مقابل حي الميدان "جزيرة فاروص" منفصلة عن المدينة، فربط المهندس "دينوقراطيس" الذي وضع تصميم المدينة بين الجزيرة والمدينة بطريق بري وصل طوله نحو (1300) مترًا دُعي "الهيبتاستاديوم" أي السبعة ستاد، والأستاد يعادل (186) مترًا (7 × 186 = 1302م). والذي يسير على هذا الطريق الذي أنشئ في مياه البحر بطول أكثر من كيلومتر قاصدًا الجزيرة يجد الميناء الشرقي على يمينه، والميناء الغربي عن يساره. وقال المؤرخ اليهودي "يوسيفوس" عن الميناء الشرقي: "دخول ميناء الإسكندرية صعب جدًا على السفن، وحتى في أثناء هدوء البحر لأن فتحته ضيقة جدًا، وبسبب الصخور المختفية تحت سطح البحر، التي ترغم السفن على الانحراف عن طريقها" (96).

وقال "سترابون" Strabo سنة 20 ق.م: "أن الداخل إلى الإسكندرية عن طريق البحر يدخل إلى الميناء الكبير (الشرقي)، فعلى اليمين توجد جزيرة وبرج فاروس ومعبد إيزيس فاريا، وإلى اليسار يوجد الميناء الصناعي المُغلق والخاص باستعمال الملوك (الميناء الملكي) والجزيرة الصغيرة "أنتيردوس" Antirhodos وعليها قصر وميناء صغير.. وفوق ذلك يوجد السرح ثم البوسيديوم Posidium وهو جزء من مجمع، وفيه معبد "بوسيدو" (إله البحر).. ثم بعد ذلك يأتي القيصريون السيزارير Caesruim (معبد قيصرون)، ثم الأمبوريون، الميناء التجاري، ثم أبوستاسيس (المخازن) وتتبعها أرصفة السفن أو (الترسانة) التي تمتد حتى الهيبتاستاديوم" (97).

أما عن "الميناء الغربي" فقد دُعي "يونوستوس" أي العود الحميد، وهو مفتوح على البحر وأقل تحكمًا وأمانًا من الميناء الشرقي، ولذلك فهو أقل استخدامًا للسفن، ويجاوره الميناء الصناعي "كيبوتوس" أي الصندوق ويشمل أحواض السفن، وترعة "شيديا" التي تمتد من بحيرة مريوط تصب المياه في هذا الميناء الغربي. وتنتشر سفن الصيد سواء في هذا الميناء أو الميناء الشرقي، أما سفن الركاب الضخمة والتي تتسع الواحدة منها إلى أكثر من ثلثمائة شخص، مع سفن الشحن التي تصل حمولتها نحو 500 طن، فأنها تتواجد بالأكثر في الميناء الشرقي، وفي "الترسانة البحرية" ترى كيف تُولَد السفن الضخمة وهيَ تُبنى يومًا فيومًا حتى تكتمل وتجهَّز ويُدفع بها إلى البحر لتقضي حياتها طولًا وعرضًا، وتمتلك الإسكندرية أسطولًا بحريًا ضخمًا، ويعيش في المدينة آلاف من الضباط وجنود البحرية. وبالإضافة للميناء الشرقي والغربي فأن هناك ميناء آخر لا يقل أهمية يطل على بحيرة مريوط.

وعلى جزيرة فاروس أُقيم "فنار الإسكندرية" أحد عجائب الدنيا السبع، أنشأه المهندس العبقري "سوسترانوس" بأمر من بطليموس الأول سوتر سنة 280 ق.م وانتهى العمل فيه في عهد بطليموس الثاني فلادلفيوس، بارتفاع نحو (131) مترًا من الحجارة الضخمة، ويتكون من ثلاثة طوابق إن صح تسميتها طوابق، الطابق الأول بشكل مربع بارتفاع (60) مترًا، ويحوي داخله 300 حجرة لسكنى العمال وحفظ الآلات، ويعلو كل ركن من الأركان الأربعة تمثالًا، والطابق الثاني بشكل ثماني، بارتفاع (30) مترًا، والطابق الثالث بشكل دائري بارتفاع (15) مترًا، ويعلوه "المصباح" وهو شعلة عظيمة من النار، ويعكس ضوء هذه النيران سطح مصقول من المعدن، فيصل الضوء إلى نحو 45 كيلومترًا، ويعلو المصباح قبة مستديرة قائمة على ثمانية أعمدة، يعلوها تمثال "بوسيدون" إله البحر بارتفاع سبعة أمتار، والسفن البعيدة ترى الفنار وكأنه شعلة في يد إنسان يحبك ويدعوك إلى بيته.

وفي منطقة الفنار ارتفعت بعض المسلات، ووضع ثلاثين تمثالًا لأبي الهول، كل واحد منها يحمل اسم ملكًا من ملوك الفراعنة من سيزوستريس الثالث إلى رمسيس الثاني، كما أُقيمت ثلاثة تماثل ضخمة من الجرانيت لثلاثة ملوك من ملوك البطالمة، فحملت المنطقة الطابع الفرعوني الإغريقي إشارة إلى تصالح الحضارات وتكاملها. وعلى ذات الجزيرة أُقيم "معبد إيزيس فاريا" حامية البحار، فالإلهة إيزيس مقدَّسة لدى المصريين والأغريق أيضًا، وفي غرب الجزيرة أقيم "معبد بوسيدون" شفيع البحارة والمسافرين. ومن المناظر المألوفة في الجزيرة طوابير الدواب التي تحمل قطع الأخشاب إلى الفنار حتى تحترق وضوءها يهدي السفن البعيدة إلى ميناء السلامة.

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

 

3- الفن المعماري: برع المصريون في الفن المعماري، فعرفوا صقل الأحجار حتى أنها تلتصق مع بعضها بدون مادة وسيطة (مثل المونة) فشيدوا المعابد الضخمة وبنو الأهرامات بأسرارها العجيبة وأقاموا المسلات الضخمة، وأقاموا فنار الإسكندرية أحد عجائب الدنيا السبع، ورصفوا الشوارع في الإسكندرية بالأحجار الصلدة، وكانوا يغسلونها كل يوم، كما انعكس الفن المعماري على مباني المدينة الأنيقة وقصورها الفخمة وفي عصر البطالسة تزينت المدينة بالتماثيل الرائعة من الحجر الجيري، والرخام، والجرانيت والبازلت. وإذا نظرت للقصور التي انتشرت في البروخيوم (الحي الملكي) تجد الدور الأرضي يرتفع عن مستوى الشارع بعدة درجات، وقد صنعت الأبواب من الأخشاب الثمينة وتزينت بالنقوش البديعة، وقد أفترشت الأرضية بتربيعات الرخام، واكتست الجدران بالرخام المزخرف ذو الألوان البديعة، وفي أركان القصر ترتفع التماثيل الناطقة، وتتخذ السُرج الفضيَّة والنحاسيَّة المثبتة على الجدران أشكال الطيور والحيَّات، والستائر مطرَّزة بشكل حيوانات وطيور، وتكتسي أرضية الحمامات بالرخام الأبيض، والبانيو رخامي بأرجل قصيرة منقوشة يتسع لشخص أو شخصين، والحدائق الغناء والبساتين اليانعة تحيط بالقصور. وأمام القصر الملكي قد أُقيم تمثال رائع لزوجة بطليموس الثاني "أرسينوي" وهيَ في صورة الإلهة إيزيس، وقد صُنع التمثال من الجرانيت بطول ثمانية أمتار، وأمام القصر ارتفعت المسلات الفرعونية. كما يضم الحي الملكي المعابد الباهرة، ودار القضاء، والجمنازيوم الذي يقع على ناحية الشارع الكانوبي مع شارع الوادي.

وعدد الشوارع الطولية 9 شوارع أهمها "الشارع الكانوبي" (شارع أبي قير) بطول نحو 5 كم، وعرض الشارع 14 مترًا وفي المسافة بينه وبين شاطئ البحر أمتدت ثلاث شوارع كل منها بعرض 7 متر، وفي الاتجاه المقابل أمتدت خمسة شوارع. وعلى ضفتي الشارع الكانوبي أُقيمت الأعمدة المرمرية والرخامية تعلوها القباب، وتضاء المصابيح على جانبي الطريق، والمصباح عبارة عن قدح من الحجر أو الفخار يُملئ بالزيت وبه فتيل من خرق القماش، كما ظللت الأشجار جانبي الطريق، وانتشرت أصص نباتات الزينة. وعلى جانبي الطريق تتوفر المجاري لصرف مياه الأمطار بعد أن تغسل الشارع الذي رُصف ببلاطات البازلت الأسود وأبعاد كل منها 50 × 30 سم.

أما الشوارع العرضية فعددها سبعة عشر شارعًا، طول كل منها نحو كيلومترين، والشارع العرضي الرئيسي هو "شارع سوما" (شارع النبي دانيال) ومع تقاطعه مع الشارع الكانوبي نرى "ساحة سوما" ومعنى "سوما" أي الجسد أو الجثمان، وفي هذه الساحة مقبرة الإسكندر الأكبر الذي غزى العالم كله في نحو عشر سنوات، ورغم أن كل الأماكن كانت تحت أمرته إلاَّ أنه أوصى بدفن جثمانه بالإسكندرية التي عشقها قبل أن توجد، ولكن كانت مجرد فكرة في ذهنه، وعندما مات الإسكندر الأكبر دُفِن في بابل، وتم تجنيد مجموعة من الفنانين المقدونيين والفرس والشرقيين لتصميم وتصنيع التابوت والعربة التي ستحمل تابوت إمبراطور العالم، وظل العمل لمدة سنتين، فصنعوا التابوت من خشب الصندل والأرز وكُسي بألواح مطروقة من الذهب ومُلئ بالطيب، وكان غطاء التابوت من الذهب الموشى بالفسيفساء، فكان التابوت تحفة فنية رائعة، أما العربة فصُمّمت على أن تجرها (64) دابة تشكل (6) صفوف، كل صف به ثمانية دواب. وفي أواخر عام 322 ق.م تحرك الموكب من بابل إلى مصر مرورًا بدمشق يتقدمه بطليموس الأول بجيشه، وعندما وصل الجثمان إلى منف تمسك به أهلها الذين سبقوا وتوَّجوه ملكًا على عرش مصر، فدفنوه في مقبرة الملوك بمعبد بتاح، وبعد نحو 42 سنة نقل بطليموس الثاني تابوت الإسكندر الأكبر من منف إلى الإسكندرية حيث استقر في ضريحه في ساحة سوما، فظل في مقبرته حتى عصر بطليموس التاسع (107 - 90 ق.م) الذي طمع في ذهب التابوت، فنقل الجثمان إلى "معبد البانثيون" (حاليًا جامع العطارين). وأمام جسد الإسكندر الأكبر المقدوني وقف يوليوس قيصر متأملًا مليئًا، ووضع إكليلًا من الذهب على رأس الجثمان.

 

4- الديانات المختلفة: عرفت الإسكندرية تصالح الحضارات فماجت بأطياف البشر من مصريين ويونانيين ورومان ويهود وسريان وفُرس وعرب وأثيوبيين وهنود، وبالتالي ماجت بالديانات المختلفة، ففيها تجد العبادات المصرية مثل عبادات "إيزيس" و "أوزيريس" و "حورس" و "آمون" و "العجل أبيس" و "البقرة حتحور" و "رع" كبير الآلهة، و "هابي" إله النيل، والأغريق بآلهتهم مثل "زيوس" إله السماء والبرق، و "فينوس" إلهة الحب والجمال، والإله "أبولو" (ابن جوبتر) إله الموسيقى والشفاء والنور و "باكوس" إله الخمر (ومازال هناك حي باكوس في شرق الإسكندرية) و "سيرابيس" الذي رأى فيه المصريون "أوزيريس". أما اليهود فكان عددهم كبيرًا حتى أن "فيلون" (30 ق.م - 50م) قال أن عددهم في الإسكندرية مليون، حتى لو كان العدد مُبالغ فيه فأنه يعكس ضخامة عددهم في الحي اليهودي بعيشتهم المنعزلة وتمسكهم بديانتهم، ناهيك عن بقية العبادات المختلفة، وحاول الرومان أن يسيروا على نهج الإسكندر الأكبر في التوفيق بين الديانات والتصالح بين الحضارات، فاعتبر الإسكندر أن الإله اليوناني "زيوس" هو الإله "آمون"، وانتشرت عبادة "إيزيس" بين الأغريق في روما، ودعوها بأفروديت، وهيرا، وسيليني، ووصفوها بأنها عذرية التوالد وأنها مرحة وشجاعة، ومُنقذة وفائقة القدرة ومعظَّمة وهيَ الملكة المقدَّسة والربة الفاتنة وقائدة أرباب الفنون وواهبة القوانين.

 

5- العلوم والحضارة: تقدمت الإسكندرية في شتى المجالات العلمية في الطب والهندسة والفلك والفلسفة والموسيقى والفنون.. إلخ حتى قال "أفلاطون": "أن الجنس البشري بأجمعه أسير إحسان القبط (المصريون) لأنهم علموه الكتابة والصناعة وفن الموسيقى" (98). واشتهرت الإسكندرية بمدرستها العريقة "المتحف" Museum، الذي أمر بطليموس بإنشائه للفنون والعلوم، وكلمة "متحف" هنا يُقصد بها "مدرسة" أو "جامعة" أو "معهد للعلوم" أو "أكاديمية"، وبجوار المتحف أنشأت مكتبة الإسكندرية بيد بطليموس الثاني، وعندما ضاقت بالمخطوطات إذ وصل عدد المخطوطات إلى نحو مائتي ألف أنشأ البطالمة "مكتبة السرابيون" فضمت نحو خمسين ألف لفافة، ومع مرور الزمن وصل عدد المخطوطات إلى نحو نصف مليون لفافة، وأقام الملوك البطالمة على المكتبتين مشرفين من أكفأ العلماء، ويقول "سترابون" المؤرخ والجغرافي: "المتحف جزء من القصور الملكية، وبه ممر عمومي، ورواق فيه مقاعد، ودار متسعة بها مطعم لعلماء المعهد، ويعيش هؤلاء حياة مشتركة، ويشرف على أمورهم وأمور المتحف كاهن يعيّنه الملك" (99). وتفوقت مدرسة الإسكندرية على مثيلاتها في كافة أنحاء العالم مثل أكاديمية أرسطو، وأكاديمية أفلاطون، مما دفع الدارسون في مختلف الأماكن يفدون إلى الإسكندرية لاستكمال دراستهم فيها. كما أن مكتبة الإسكندرية كانت هيَ المكتبة الأولى على مستوى العالم، وعندما تعرضت للحريق ولا سيما أيام الفتح العربي كانت خسارة للعالم كله، وقد اندثرت في العصور الوسطى، ومع بداية الألفية الثالثة أعيد إنشاء مكتبة الإسكندرية في منطقة الشاطبي بالإسكندرية بتكلفة 22 مليون دولار، وتم افتتاحها في 16 أكتوبر 2002م، فصارت من أهم معالم الإسكندرية.

وقيل أن القديس لوقا الإنجيلي درس الطب في مدرسة الإسكندرية، وربما درس أيضًا فن الرسم والتصوير، وكان صديقه "ثاؤفيلس" الذي كتب له إنجيله (لو 1: 3) وسفر الأعمال (أع 1: 1) يعيش في الإسكندرية. ويقول "إبراهيم صبري معوض": "ويمكن القول أنه قد انتقلت حضارة الفراعنة وعلومهم من طب وفلك ورياضة وفلسفة وتاريخ وعلوم الآداب والجغرافيا، من المدارس المصرية القديمة وهيَ عين شمس ومنف وطيبة وغيرها من المدارس المشهورة، والتي نقلت علومها التي أكتسبتها عبر القرون والعصور إلى مدرسة الإسكندرية التي ظلت ردحًا طويلًا تحمل لواء العرفان إلى ما بعد دخول المسيحية إلى مصر" (100). ومن المعروف أن مدرسة عين شمس كانت جامعة عريقة، تعلم فيها المصريون واليونانيون أيضًا مثل أفلاطون وفيثاغورس وسقراط وهيرودتس وديوناسيوس الأريوباغي.

وفي مدرسة الإسكندرية مدينة العلم والثقافة انتشرت المدارس بمستوياتها المختلفة للأولاد والبنات فيدرسون من البداية من تعلُّم الحروف الأبجدية إلى أن يصلوا إلى أعلى مراتب العلم عبر "الميوزيوم"، وفي الإسكندرية تجد المكتبات الخاصة تبيع الكتب المتنوعة، فتجد كتب "ديوجنيس" عن الزواج ومحاورات أفلاطون العشرين، وأشعار هوميروس، ومن الأماكن الشهيرة في الإسكندرية حديقة الحيوان التي ضمت حيوانات نادرة من الحيوانات الأليفة والمفترسة والثعابين والأفيال، والتي كانت محط دراسة علماء الحيوان، مثلها مثل حديقة النباتات التي ضمن أشجارًا متنوعة وعديدة، والتي كانت محط دراسة علماء النبات.

 

6- النشاط الصناعي والتجاري: الإسكندرية مدينة النشاط الصناعي، مثل صناعة الكتان والصوف، والجلود، والبردي، والكروم، والأواني الفخارية، والورق بأنواعه المختلفة، والعقاقير الطبية بما ورثته الإسكندرية من خبرة الفراعنة في الطب والكيمياء، فإن علم الكيمياء علم مصري، وكلمة " كيمياء" مشتقة من اسم مصر "كيمي"، وكانت الإسكندرية تحصل على الأعشاب الطبية من بلاد العرب والهند وأثيوبيا، وعرف المصريون الألوان الثابتة التي لا تمحوها الأيام، وعرفوا تلوين المعادن كما برع المصريون في صناعة النسيج وما زالت قطع النسيج القبطي المطرَّزة والمزدانة بالصور تنتشر في متاحف العالم وأخذت طريقها إلى هناك عن طريق ميناء الإسكندرية، وجاء في سفر حزقيال: " كَتَّانٌ مُطَرَّزٌ مِنْ مِصْرَ هُوَ شِرَاعُكِ لِيَكُونَ لَكِ رَايَةً" (حز 27: 7). وبرع المصريون أيضًا في صناعة الملابس الكهنوتية والأقمشة التي كانت تستخدم في التحنيط، وكان الجيش الروماني يستورد كم ضخم من هذه الأنسجة لملابس الجيش. كما برع المصريون في عمل المجوهرات والمشغولات الذهبية والفضية وصناعة الحلي كالعقود، كما تفوقوا في صناعة الزجاج، وكانوا يصدّرون من تلك المنتجات لبلاد أوربا وآسيا.

وكانت الإسكندرية مدينة تجارية عالمية، فهيَ منفتحة على الداخل والخارج، تمتلك أسطولًا تجاريًا ضخمًا، والطرق البحرية تربطها بأوربا، والطرق النهرية عن طريق نهر النيل ترتبط بمصر الوسطى والعليا، والقناة التي تربط بين نهر النيل وخليج السويس تربطها بالهند والصين وبلاد الشرق، وبسبب اكتشاف الرياح الموسمية كانت سفن الإسكندرية التي تبلغ نحو (120) سفينة ضخمة تقطع الرحلة من الإسكندرية للهند والعودة في نفس العام، والإمبراطورية الرومانية تشجع هذا لأنها تحصل على الضرائب مرتين، مرة عند استيراد تلك البضائع من الهند، ومرة أخرى عند تصديرها إلى دول حوض البحر المتوسط، فالرحلات البحرية التجارية لا تنقطع بين الإسكندرية وبين روما وأثينا ومارسيليا وقبرص وكيريت ومالطة، فالإسكندرية تستقبل الواردات من الهند والحبشة من عاج وتوابل وبخور وذهب وفضة ولؤلؤ وحرير وصبغات.. إلخ في ميناء بحيرة مريوط وتعيد تصديرها لدول أوربا، فكانت الواردات من ميناء بحيرة مريوط أضعاف الواردات التي تصل للميناء البحري الشرقي وأيضًا الغربي، والصادرات من الميناء البحري أضعاف الصادرات من ميناء مريوط، والمحصلة النهائية أن صادرات الإسكندرية تفوق الواردات بما تنتجه من صناعات محلية، فهيَ تستورد الخامات وتصنعها ثم تصدرها، فصارت الإسكندرية المدينة التجارية الأولى على مستوى العالم، مثلما كانت تمثل المركز الأول في الحضارة والتقدم العلمي والثقافي.. في شوارعها تنتشر المتاجر الكثيرة فتجد محلات الجزارة، والعطارة، والنجارة، والأحذية، والحلاقة، والحانوتية وتحنيط الجثث، وفي الأحياء الراقية تجد محلات المجوهرات والتحف والتماثيل ومن أهم معالم المدينة السوق التجاري الضخم في حي الميدان وصار أثرياء الإسكندرية ينافسون أغنياء روما، فوصفها "يوليوس قيصر" بأنها المدينة "الشاسعة المساحة الواسعة الثراء" (101).

 

7- النشاط الرياضي والسياحي: الإسكندرية مدينة الرياضة، فمن أحد معالمها "الجمنازيوم" وهو يضم صالات للمصارعة، والملاكمة، والمساج، وساحات للجري، والملعب الرياضي.. إلخ. ويأتي الأجانب من كافة بقاع الأرض يستمتعون بمناخ الإسكندرية المعتدل، ويتعرفون على الحضارات المصرية والأغريقية، ويسرون بسماحة شعبها.

 

8- النظام القضائي: عرف المصريون النظام القضائي العادل، فكان لديهم المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، وشملت القوانين المصرية الأفرع الأربعة الخاصة بالقضايا وهيَ ما تختص بالأموال، والالتزامات، والعقود، والأحوال الشخصية.

 

9- الفنون والمباهج: الإسكندرية مدينة الفنون والمباهج العالمية، فأحدى الصديقات نصحت صديقتها قائلة لها: لو ذهب زوجك إلى الإسكندرية فالأفضل لك أن تتزوجي لأن زوجك لن يعود ثانية، فكثيرون يأتون للإسكندرية ويتوهون ويغرقون في مباهجها، فبائعات الهوى تعترف بهم الدولة وتحصل منهن ضرائب أضعاف أضعاف المهن الأخرى، ويعشق أهل الإسكندرية السهر ليلًا ولا سيما في فترة الصيف، وفي الاحتفالات بالأعياد والمواسم تضج المدينة بالزحام والصخب، فتقام الحفلات التمثيلية الشعبية والكوميدية والهزلية، وتجوب شوارع الإسكندرية فرق الموسيقى والرقص والألعاب البهلوانية. كما تنتشر صالات الموسيقى والرقص والمسارح التي زينت جدرانها بالجرانيت الوردي والرمادي والأسود، والرخام الأبيض والأرجواني، والمرمر.

 

10- الشعب السكندري: يقول "إبراهيم صبري معوض": "يقول أسترابون أن يوليب الذي زار الإسكندرية في القرن الثاني قبل الميلاد وصف أهل الإسكندرية بأنهم أناس أذكياء يخضعون للقانون (مصر في عهد الرومان ص 30). وقد امتاز الشعب الإسكندري بنشاط عجيب وهمة فائقة في التجارة والصناعة. فكان لهم القدح العلمي في العلوم وقد عثر على بعض النقوش والكتابات اللاتينية القديمة جاء بها: {أن الإسكندرية هيَ المدينة التي لا يوجد بها عاطل. ففريق من أهلها يعمل الزجاج وفريق يصنع الورق، وآخرون ينسجون الأقمشة، فكان لكل منهم صناعة خاصة، فالعمي لهم عملهم، والأكتعون لا يعيشون عالة على غيرهم}" (102).. كان كثيرون من الفلاحين من شتى أرجاء مصر يتركون أراضيهم وأسرهم ويهربون للإسكندرية بسبب الضرائب الباهظة التي يفرضها عليهم الرومان، وكان كثيرون من أجناس مختلفة يفدون للمدينة من أجل التجارة أو بهدف السياحة في هذه المدينة البهيجة حتى أن "أشيل تيطوس" يقول: " كلما وجهت نظري إلى جهة من الجهات أرى عجبًا يزيدني طربًا، وكلما نقلت قدمًا زدت فرحًا" (103).


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/477.html