St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 437- كيف رد يهوذا الفضة إلى رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب (مت 27: 3)، بينما كانوا لدى كرسي بيلاطس في محاكمة يسوع؟ وإن كان يهوذا رجلًا شريرًا لصًا مُحبًا للفضة فهل يمكن أن يندم حتى أنه ينتحر (مت 27: 5) لمجرد القبض على المسيح وقبل أن يصدر حكم الإعدام عليه من بيلاطس البنطي؟ وإن كان يهوذا ندم إلى هذه الدرجة (مت 27: 3، 4)، فهو إذًا شخصية نبيلة، فلماذا لم يخلُص مثلمًا خلّص بطرس الذي أنكر ولعن وحلّف؟ وهل خنق يهوذا نفسه (مت 27: 5) أم أنه سقط على وجهه فانسكبت أحشاؤه (أع 1: 18)؟ وهل انتحر يهوذا فعلًا، أم أن الانتحار هنا صيغة أدبية تُعبّر عن تغيُّر موقف يهوذا للنقيض؟

 

س437: كيف رد يهوذا الفضة إلى رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب (مت 27: 3)، بينما كانوا لدى كرسي بيلاطس في محاكمة يسوع؟ وإن كان يهوذا رجلًا شريرًا لصًا مُحبًا للفضة فهل يمكن أن يندم حتى أنه ينتحر (مت 27: 5) لمجرد القبض على المسيح وقبل أن يصدر حكم الإعدام عليه من بيلاطس البنطي؟ وإن كان يهوذا ندم إلى هذه الدرجة (مت 27: 3، 4)، فهو إذًا شخصية نبيلة، فلماذا لم يخلُص مثلمًا خلّص بطرس الذي أنكر ولعن وحلّف؟ وهل خنق يهوذا نفسه (مت 27: 5) أم أنه سقط على وجهه فانسكبت أحشاؤه (أع 1: 18)؟ وهل انتحر يهوذا فعلًا، أم أن الانتحار هنا صيغة أدبية تُعبّر عن تغيُّر موقف يهوذا للنقيض؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- كيف رد يهوذا الفضة إلى رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، بينما كانوا لدى كرسي بيلاطس في محاكمة يسوع..؟ في البداية ذهب يهوذا: "إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ. وَقَالَ مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ. فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّة" (مت 26: 14، 15)، وبالطبع لم يُسلّم رؤساء الكهنة الفضة ليهوذا بأنفسهم، بل استلم يهوذا الفضة من الكهنة أمناء الخزانة، وبالمثل عندما قال القديس متى: "حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ" (مت 27: 3)، فهو لم يسلم الفضة لرؤساء الكهنة وشيوخ الشعب أنفسهم، لأنهم كانوا فعلًا لدى كرسي بيلاطس في محاكمة يسوع. فقد أراد القديس متى أن يوضح الدور القبيح الذي قام به رؤساء الكهنة الذين أمروا بصرف الفضة ليهوذا، وهم الذين حدَّدوا قدرها ثلاثين من الفضة، وقد أعاد يهوذا لهم هذه الفضة بالتمام والكمال، ولم يكتفِ القديس متى بهذا (مت 27: 3) إنما أوضح أن يهوذا حمل الفضة إلى خزانة الهيكل، وقد رفض الكهنة رد هذه الفضة إلى خزانة الهيكل، وعندما قال يهوذا: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا. فَقَالُوا مَاذَا عَلَيْنَا أَنْتَ أَبْصِرْ" (مت 27: 4)، فقد أراد هؤلاء الأشرار أن يُبرّروا أنفسهم وهم شركاء في الجريمة.. ألم يَزِنوا هذه الفضة عينها وقد سلَّموها ليهوذا من قبل؟! أنهم مذنبون وأشرار بقدر ذنب وشر يهوذا وليس أقل، فها هم يصفُّون عن البعوضة ويبلعون الجمل، ورفضهم الفضة التي أعطوها ليهوذا من قبل، هو بمثابة اعتراف قوي بأنهم سفكوا دمًا بريئًا، وأن يهوذا قد اقتنى هذه الفضة بطريقة غير شرعية وآثمة، وإلآَّ كانوا قد قبلوا هذه الفضة كتبرع من يهوذا للهيكل. وأكمل القديس متى قائلًا عن يهوذا: "فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ" (مت 27: 5) فهو رد الفضة إلى الهيكل بِاسم رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب حتى لو كانوا غائبين عن المشهد. وهذا يشبه بلغة اليوم إنسانًا يرد ما اقترضه من شخص آخر عبر الحساب البنكي، وعندما يلقاه يقول له قد رديت لك الثلاثين ألف جنيهًا مع جزيل شكري، مع أنه لم يُسلّمه المبلغ يدًا بيد، إنما أودع في حسابه هذا المبلغ.

 

2- إن كان يهوذا رجلًا شريرًا لصًا مُحبًا للفضة فهل يمكن أن يندم حتى أنه ينتحر لمجرد القبض على المسيح وقبل أن يصدر حكم الإعدام عليه من بيلاطس البنطي..؟ تم القبض على السيد المسيح نحو منتصف الليل وجاز في محاكمات دينية ظالمة أمام حنان وقيافا ومجمع السنهدريم في منتصف ليلة الجمعة، وأيضًا في باكر يوم الجمعة، وإنتهى بالحكم عليه أنه مجدف مستوجب الموت، وقبل أن يستيقظ الشعب أوثقوا يسوع الذي نال من أذاهم بقدر شرورهم، أوثقوه بطوقًا حول عنقه: "كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ.. مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ " (إش 53: 7، 8) وقادوه إلى بيلاطس الوالي الذي كان مقيمًا في قلعة أنطونيا بالركن الشمالي الغربي للهيكل، وأدرك يهوذا أن الأمر قد نفذ، وأن عرض سيده على بيلاطس مجرد اجراء لاستكمال الصورة، فإرادة بيلاطس لن تصمد أمام هذه القيادات الدينية المتصلفة. ويقول القديس متى عن يهوذا أنه لما رأى يسوع " قَدْ دِينَ" (مت 27: 3)، فربما كان يهوذا يتوقع أن يسوع سيفلت منهم بطريقة ما، أو أنه سيُبرّر نفسه في المحاكمة، ويفلت هو بالفضة، ولكن الأمر انتهى بإدانته والحكم عليه بالموت، فاشتعلت نيران الضمير حوله، وزاد من لهيبها أن الكهنة رفضوا أخذ هذه الفضة التي كانت تنفث نارًا في يد يهوذا، بل زجروه وبكَّتوه وإستهزأوا به، فعندما قال لهم: "أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا. فَقَالُوا مَاذَا عَلَيْنَا أَنْتَ أَبْصِرْ" (مت 27: 4).

ويقول "القديس كيرلس الأورشليمي": "ياللعجب! القتلة يقولون: ماذا علينا؟ ويطلبون من الذي قَبِل ثمن الجريمة أن يبصر هو، أما هم قاتلوه فليس عليهم أن يبصروا.. ثم يقولون في أنفسهم: لا يحل أن نُلقيها في الخزانة لأنه ثمن دم. أن ما نطقتم به هو الذي يدينكم! لأنه إذا كان وضع ثمن الدم في الخزانة يعتبر إثمًا فكم يكون إهدار الدم؟! وإذا كنتم ترون عذرًا لصلب المسيح فلماذا ترفضون قبول الثمن؟!" (254).

ويقول "متى هنري": "انظر كيف تكلموا بعدم إكتراث عن عذاب الضمير والفزع والآلام النفسية التي كان يعانيها يهوذا. لقد سرَّهم أن يستخدموه وسيلة لإتمام هذه الخطية، ولقد أحبوه جدًا وقتئذ.. أما الآن وقد وضعته خطيته في هذا الفزع الشديد فقد استخفوا به، ولم يجدوا ما يقولونه له، بل تركوه في آلامه النفسية.. لعلهم كانوا يخشون لئلا تخرج من اقتناعه شرارة تشعل نارًا في ضمائرهم، ولئلا تسبب تأوهاته - إذا أصغوا إليها - تغييرًا في اقتناعهم.. وعلى أي حال فقد كانوا لا يبالون بالمرة لإغاثة يهوذا بعد أن أوقعوه في الفخ لم يتركوه فقط بل هزأوا به" (255).

لقد تكشفت الحقيقة أمام يهوذا فرأى نفسه الشريرة على حقيقتها، وطمت فوق رأسه مشاعر الدينونة الرهيبة، فطرح الفضة في الهيكل وهام على وجهه لا يعرف إلى أين..؟ أخذ يسعى بقدمين غليظتين إلى حيث لا يدري.. لقد لفَّته أفكاره المتشابكة كإكليل شوك، ففقد إتزانه، وإضطربت ضربات قلبه حتى باتت مسموعة، وأخذ يركض بعض الشيء وهو يلهث، حتى وصل إلى منحدر بأحد أطراف المدينة، وربما شاهد شجرة ضخمة على حافة المنحدر، فتسلقها وهو يلتمس نسمة حياة، ولكن ضميره الثائر أوقد حوله جحيمًا لا يُطاق: "أنا المذنب.. أنا المجرم.. يا لحظك العثر يا يهوذا.. أتُسلم سيدك للموت؟!.. اليد التي امتدت لك بالخير أتُدق بالمسمار؟!.. الأرجل التي جالت تصنع خيرًا أتُدق بالمسمار؟!.. ماذا فعلتُ؟!.. وكيف فعلتُ؟!". وثار يهوذا ثورة شيطانية ضد نفسه، لم يستطع أن يلتمس لها عذرًا، ولم يقدر أن يصفح عنها، وإذ وصل إلى أقصى درجات الحقد على نفسه، أصدر حكمه السريع عليها بالشنق، فانتحر ومات.

ويقول "وليم باركلي": "والأرجح أن يهوذا تبيَّن في لحظة واحدة أنه أخطأ في التدبير والحساب. وهكذا انزوى كسير القلب خائفًا مرتعبًا. ومن تلك اللحظة دخل يهوذا إلى جهنم صنعها لنفسه.. لأن أشد أنواع الجحيم، هيَ عندما يتبيَّن الإنسان فظاعة خطيته" (256).

ويقول "متى هنري": "ندم أي امتلأ خزنًا وألمًا وغضبًا على نفسه عندما تأمل فيما فعل.. لقد ثار الضمير في وجهه الآن: ماذا فعلتُ؟! يا لحماقتي وشقائي إذ بعتُ سيدي وكل سعادتي فيه.. أنني المسئول عن كل هذه الإساءات والإهانات التي تلحقه. إن كان قد أُوثق، وقد دين، وتفل عليه، ولُكم ولُطم، فأنا السبب في كل ذلك.. هوذا نراه الآن يلعن الكيس الذي حمله، والفضة التي طمع فيها، والكهنة الذين تفاوض معهم، واليوم الذي وُلِد فيه، أن ذكرياته عن محبة السيد من نحوه التي كافأها بهذه المكافأة الدنيئة، وأن أحشاء الرأفة التي رفسها بهذه الكيفية السافلة، والتحذيرات التي استخف بها، كل هذه مزقت أحشاءه. لقد تحقق الآن من صدق كلمات سيده: "كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ ".." (257).

ويقول "العلامة أوريجانوس": "لكن كيف أدرك يهوذا أن يسوع قد حُكم عليه قبل أن يستجوبه بيلاطس أو يحاكمه؟ قد يُجيب بعضهم أن يهوذا توقَّع نتيجة تسليم يسوع إلى رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، فهو كان شاهدًا على ذلك. ويقول آخرون أن من شاهده يهوذا " مُدانًا " لم يكن يسوع، بل هو نفسه. بناء عليه عندما سلم رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب يسوع إلى بيلاطس، أدرك يهوذا الشر الذي أقدم عليه، وأدرك أن إثمه أصبح تحت حكم اللَّه ودينونته. ربما أقام الشيطان في يهوذا منذ أن غمس اللقمة في الصحن إلى حين تسليم يسوع إلى بيلاطس، لكنه " فارقه " بعد أن أنجز ما أمره به. عندما أحس يهوذا بأن ".. خيانته للدم الطاهر" يدينها اللَّه، أدرك جريمته بعد أن توقف عمل الشيطان فيه. لما تخلَّص من ربكة الشيطان ندم ورد الثلاثين من الفضة لدافعيها، وصار بإمكانه أن يقول ما لم يقله من قبل، فعندما كان الشيطان مستوليًا على قلبه لم يقل " أخطأت إذ سلمت دمًا بريئًا ". أما نحن فلا نقول أن الشيطان يكف عن افتراس من فارقه، بل يترقب اللحظة المناسبة ليدخل فيه ثانية.." (258).

ولو قلنا أن يهوذا ظل عدة أيام يتآسى ويتحسَّر على حاله، فربما استطاع أن يتجاوز هذه المحنة ولا يُقدِم على الانتحار، ولكن عندما نسمع عن انتحاره وهو في قمة حسرته وندمه فهذا أمر منطقي -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- وجاء في "كتاب الهداية": "قلنا لو قال الكتاب المقدَّس أنه لبث أسبوعًا يتحسَّر ويتأسف على غدره وخيانته لكان يبعُد انتحاره، ولكنه لما رأى أنه خان سيده الذي لم يرَ منه مدة معاشرته سوى اللطف والمحبة والرحمة والإحسان والسماحة والآيات الباهرة انتحر من شدة تحسّره ونخسات الضمير.. ثم أن التحسُّر والأسف ونخسات الضمير تنزل على الإنسان في أول الأمر بشدة وحِدة، فإذا سلَّم الإنسان نفسه لها هلك، مبادرته إلى الانتحار هيَ أمر طبيعي لشاهد بالعيان، ولا تأخر وتأنى لهدأ باله وسكن بلباله وربما كان لا ينتحر" (259).

 

3- إن كان يهوذا ندم إلى هذه الدرجة، فهو إذًا شخصية نبيلة، فلماذا لم يخلُص مثلمًا خلّص بطرس الذي أنكر ولعن وحلّف..؟ أخطأ يهوذا وباع سيده بثلاثين من الفضة، وأخطأ بطرس فشك وأنكر ولعن وحلف، فهل تساوى الاثنان..؟ الحقيقة أن هناك فرقًا شاسعًا بين يهوذا وبطرس، فمثلًا:

1) رتب يهوذا لخطيته في هدوء وإصرار، ولم يكترث بإنذارات معلمه المتكررة، فقد بيَّت النية على الخيانة، وارتكب الجرم مع سبق الإصرار. أما بطرس فقد باغتته الخطية وفاجأته، وبسبب الخوف من شِبَاك الموت التي أحاطت به أنكر ولعن وحلف.

2) قلب يهوذا يفيض بالحقد ومُفعم بالخيانة، أما قلب بطرس فهو يفيض بالحب لسيده، فخطية يهوذا صدرت من قلب شرير استراح للشر وتلذذ به، أما خطية بطرس فهيَ خطية ضعف من قلب مُحب يسعى أن يكون مُخلصًا وأمينًا لسيده.

3) رأى يهوذا أن يسوع كان لا بد أن يموت، بينما رأى بطرس أن يسوع كان لا بد أن يعيش.

4) ارتضى يهوذا أن يهجم الغوغاء على معلمه ليقبضوا عليه في قسوة وشراسة وكان يحرضهم، وقبَّله قُبلة حارة لكيما يتمكنوا منه، أما بطرس فلم يطق أبدًا أن يرى ملخس يمد يده في قسوة ويمسك بسيده.

5) حُزن وندم يهوذا نابع من شعوره بأن صورته قد تشوَّهت واهتزت، وأن مظهره بات قبيحًا كتلميذ خائن، فركز نظرته ومشاعره على نفسه وعلى خطيته دون أن يلجأ للَّه، فشعر أن خطيته أكبر من أن تُغتفر، وأعطى الفرصة لخطيته أن تحجب المراحم الإلهيَّة عنه، أما حُزن وندم بطرس فهو نابع من شعوره بأنه جرح سيده ومعلمه وحبيبه، فألقى بنفسه في المراحم الإلهيَّة " فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا" (مت 26: 75)، ولم يُذكر عن يهوذا أنه بكى.

6) ندم يهوذا دفعه بعيدًا عن يسوع، أما ندم بطرس فقد ألقى به في أحضان يسوع، لأن ندم وحزن يهوذا كان بلا رجاء، أما ندم ودموع بطرس فكانت برجاء " لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ وَأَمَّا حُزْنُ الْعَالَمِ فَيُنْشِئُ مَوْتًا" (2 كو 7: 10). ندم يهوذا كان خاليًا من روح الرجاء، فوَّلد إكتئابًا ويأسًا، ورغبة عارمة في قتل النفس، أما ندم بطرس فامتزج بروح الرجاء، فوَّلد في النفس مرارة، وفي العين دمعًا، وفي القلب إنكسارًا ولوعة.

7) قدم يهوذا ندمه للكهنة القتلة قائلًا: "أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا" (مت 27: 4) ولم يفعل مثلما فعل الابن الضال عندما قال: "يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك"، ولم يعترف يهوذا بمحبة الفضة التي تأصَّلت في قلبه ودفعته لهذه الخيانة، بينما بكى بطرس بحرقة ومرارة يشكو حاله لإلهه.

8) ارتكب يهوذا خطية قاسية أخرى غير خيانته، إذ مضى وخنق نفسه، فانتحر، فهو قاتل نفس، وبالطبع لم يتب عن هذه الخطية أيضًا، بينما بطرس لم يفعل هكذا.

9) أحب يسوع يهوذا وأحب بطرس.. أحب يهوذا فحذره وأنذره مرة ومرات، وعندما لم يستجب تحقَّقت فيه نبوة السيد المسيح عنه: "وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ" (مت 26: 24)، وأحب السيد المسيح بطرس وأنذره (مت 26: 34) والتفت إليه في وقت محنته التي كادت تؤدي بحياته، واستفاد بطرس بمحبة سيده دون يهوذا.

 

4- هل خنق يهوذا نفسه أم أنه سقط على وجهه فانسكبت أحشاؤه..؟ في العهد القديم خان أخيتوفل ملكه داود وانتهى به الأمر إلى الانتحار: "وَأَمَّا أَخِيتُوفَلُ فَلَمَّا رَأَى أَنَّ مَشُورَتَهُ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ وَقَامَ وَانْطَلَقَ إِلَى بَيْتِهِ إِلَى مَدِينَتِهِ وَأَوْصَى لِبَيْتِهِ وَخَنَقَ نَفْسَهُ وَمَاتَ" (2 صم 17: 23) وبعد نحو ألف عام خان يهوذا سيده وملكه " لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ.. مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ" (مت 27: 3، 5)، فقد تسلَّق يهوذا شجرة غالبًا على منحدر عند إلتقاء وادي قدرون مع وادي هنوم، وربط حبلًا بفرع قوي من فروع الشجرة وربط عنقه بالطرف الآخر، وأطاح بنفسه في الهواء، وإذ كان بدينًا، واكتظ جسمه الثقيل باللحم والشحم، انشق فرع الشجرة القوي عن جزع الشجرة وهوى يهوذا على الأرض، وارتطم ببعض الحصى والصخور فانشقت بطنه واندلقت أحشاؤه، وصار يسبح في بركة من الدماء، وهذا ما أوضحه بطرس الرسول: "وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسْطِ، فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا" (أع 1: 18)، ولم يجرؤ أحد أن يتهم أحد التلاميذ بقتل يهوذا، لأنه واضح وثابت من الصورة أنه حادث انتحار وليس حادث قتل، يشهد بذلك الحبل الملفوف على عنقه وطرفه الآخر قد شق الفرع من أصله، كما انشق يهوذا عن جماعة القديسين وهوى إلى الجحيم، وتحققت نبؤات داود النبي: ".. لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَابًا وَفِي خِيَامِهِمْ لاَ يَكُنْ سَاكِنٌ" (مز 69: 25).. " فَأَقِمْ أَنْتَ عَلَيْهِ شِرِّيرًا وَلْيَقِفْ شَيْطَانٌ عَنْ يَمِينِهِ. إِذَا حُوكِمَ فَلْيَخْرُجْ مُذْنِبًا، وَصَلاَتُهُ فَلْتَكُنْ خَطِيَّةً. لِتَكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ" (مز 109: 6 - 9).

 

5- هل انتحر يهوذا فعلًا، أم أن الانتحار هنا صيغة أدبية تعبّر عن تغييُّر موقف يهوذا للنقيض..؟ سجل القديس متى قصة انتحار يهوذا موضحًا أنه " مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ" (مت 27: 5) بما لا يدع مجالًا للشك في حقيقة حادثة الانتحار هذه، فهو لم يخترع ولم يؤلف هذه القصة لأنه يريد أن يخبرنا أن يهوذا تاب عن فعلته الشنعاء، فمجرى الحديث كله لا يحتمل استخدام الصور الرمزية، فيهوذا خنق نفسه ومات فعلًا، وبطرس بكى بكاءً مرًا وعاد للمراحم الإلهيَّة، فلماذا لم يقل عن بطرس أيضًا أنه خنق نفسه كتعبير عن ندمه؟!! ولو فتحنا باب التشكيك في الأحداث التاريخية لشكَّكنا في موت المسيح أيضًا ودفنه وقيامته.. أيضًا قصة انتحار يهوذا لم يذكرها القديس متى فقط بل ذكرها بطرس الرسول أيضًا وبصورة مكملة لما ذكره القديس متى، فقال: "وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسْطِ، فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا" (أع 1: 18)، فهل استخدم بطرس الرسول أيضًا صيغة أدبية تعبّر عن ندم يهوذا؟! وما علاقة ندم يهوذا بانشقاقه وإنسكاب أحشاؤه كلها؟!!.. ولو كان الموضوع مجرد صورة أدبية، فمن أين جاء حقل الفخاري الذي اشتراه الكهنة بالثلاثين من الفضة التي ردها يهوذا للهيكل: "وَصَارَ ذلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ حَتَّى دُعِيَ ذلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ حَقَلْ دَمَا أَيْ حَقْلَ دَمٍ" (أع 1: 19)؟!!.. ولو أن يهوذا لم يمت فما معنى النبؤة التي نطق بها داود النبي منذ ألف عام، وذكرها بطرس الرسول في معرض حديثه عن انتحار يهوذا قائلًا: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَابًا وَلاَ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ. وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آخَرُ" (أع 1: 20)؟!!.. ولو لم يمت يهوذا فلماذا اختاروا متياس بديلًا عنه (أع 12: 24 - 26)؟!!.

وذكر الآباء الأول حادثة انتحار يهوذا، وقال "القديس يوحنا الذهبي الفم": "لما تم الإثم حينئذ دخل يهوذا الندم، ولم يدخله من جهة المنفعة، أما إنكاره على نفسه ما فعله ورميه الفضة وتركه الحياء من معشر اليهود، فذاك كله مقبول، أما خنقه نفسه فهو ما لا صفح عنه ولا عذر له فيه إذ هو فعل من أفعال شيطان خبيث، لأنه بادر فأخرجه من التوبة حتى لا يستثمر من هنا شيئًا، وهكذا هلك بعد أن صيَّر نفسه عند كل أحد ظاهرًا بموت قبيح بين السماجة والشناعة. اسمعوا يا محبي الفضة، تأملوا ما حدث ليهوذا كيف أضاع المال وأهلك نفسه.. إذ لم يتمتع يهوذا بالمال ولا بالحياة العاجلة ولا الآجلة، لكنه رمى بالكل جملة، وهكذا خنق نفسه" (260).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(250) المرجع السابق ص251.

 (251) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير إنجيل متى ص541.

 (252) الإنجيل بحسب القديس متى ص796.

 (253) شرح بشارة يوحنا جـ 2 ص456، 457.

 (254) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير إنجيل متى ص544، 545.

 (255) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ 2 ص470، 471.

(256) تفسير العهد الجديد - المجلد الأول ص434.

(257) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ 2 ص468.

 (258) التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدَّس - العهد الجديد - 1 - ب الإنجيل كما دوَّنه متى 14 - 28 ص398، 399.

(259) كتاب الهداية جـ 1 ص272، 273.

 (260) أورده القس أغسطينوس البرموسي - شرح إنجيل متى ص263.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/437.html