St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 418- هل ما جاء في (مت 26: 21 - 25) حول حديث المسيح عمن سيُسلّمه، وتساؤل التلاميذ واحدًا فواحدًا: هل أنا يا رب؟ وانتهى الأمر بيهوذا الذي قال: هل أنا يا سيدي؟ فقال له المسيح أنت قلت، يتناقض مع ما جاء في (يو 13: 21 - 27) إذ أومأ بطرس ليوحنا ليسأل المسيح عمن سيُسلّمه، فقال له يسوع الذي أغمس أنا اللقمة وأعطه فغمسها وأعطاها ليهوذا؟ ولماذا أخبر السيد المسيح تلاميذه بأن واحد منهم سيُسلّمه، مما أدى لاضطرابهم؟ وما دام ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه فلماذا يُدان يهوذا الذي سلمه للموت، مع أن كلٍ من يسوع ويهوذا تمَّم مشيئة الآب، ولو أن يهوذا لم يسلم المسيح لسلَّمه آخر؟ وما دام الله يعلم بخيانة يهوذا فلماذا خلقه، ولماذا اختاره السيد المسيح من تلاميذه وهو يعلم أنه سيخونه؟

 

س418: هل ما جاء في (مت 26: 21 - 25) حول حديث المسيح عمن سيُسلّمه، وتساؤل التلاميذ واحدًا فواحدًا: هل أنا يا رب؟ وانتهى الأمر بيهوذا الذي قال: هل أنا يا سيدي؟ فقال له المسيح أنت قلت، يتناقض مع ما جاء في (يو 13: 21 - 27) إذ أومأ بطرس ليوحنا ليسأل المسيح عمن سيُسلّمه، فقال له يسوع الذي أغمس أنا اللقمة وأعطه فغمسها وأعطاها ليهوذا؟ ولماذا أخبر السيد المسيح تلاميذه بأن واحد منهم سيُسلّمه، مما أدى لاضطرابهم؟ وما دام ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه فلماذا يُدان يهوذا الذي سلمه للموت، مع أن كلٍ من يسوع ويهوذا تمَّم مشيئة الآب، ولو أن يهوذا لم يسلم المسيح لسلَّمه آخر؟ وما دام الله يعلم بخيانة يهوذا فلماذا خلقه، ولماذا اختاره السيد المسيح من تلاميذه وهو يعلم أنه سيخونه؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- هل ما جاء في (مت 26: 21 - 25) حول حديث المسيح عمن سيُسلّمه، وتساؤل التلاميذ واحدًا فواحدًا: هل أنا يا رب؟ وانتهى الأمر بيهوذا الذي قال: هل أنا يا سيدي؟ فقال له المسيح أنت قلت، يتناقض مع ما جاء في (يو 13: 21 - 27) إذ أومأ بطرس ليوحنا ليسأل المسيح عمن سيُسلّمه، فقال له يسوع الذي أغمس أنا اللقمة وأعطه فغمسها وأعطاها ليهوذا..؟ كان الحديث المعتاد الذي كان يدور في جلسة أكل الفصح عن خروج الشعب من أرض العبودية بيد قوية وذراع رفيعة، وكيف نجا أبكار بنو إسرائيل بدم خروف الفصح الذي مس العتبة العليا والقائمتين على شكل صليب، ولكن في هذه المرة والمسيح الفصح الجديد حاضر طقس الفصح، وهو على وشك أن يقدم ذاته ذبيحة حية مقبولة عن خلاص العالم، تبدَّل الحديث إلى من سيُسلّمه ليُصلب، وبحسب ما جاء في إنجيل متى أن السيد المسيح: "قَالَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي. فَحَزِنُوا جِدًّا وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ هَلْ أَنَا هُوَ يَارَبُّ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمِي.. فَأَجَابَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ وَقَالَ هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟ قَالَ لَهُ أَنْتَ قُلْتَ" (مت 26: 21 - 25).

وبحسب ما جاء في إنجيل يوحنا أن يسوع: "قَالَ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي. فَكَانَ التَّلاَمِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ. وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ. فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ يَاسَيِّدُ مَنْ هُوَ؟ أَجَابَ يَسُوعُ هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ. فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ" (يو 13: 21 - 26).

وهنا لا نجد تناقضًا على الإطلاق، بل أن الصورتين تكملان بعضهما البعض، ويمكن تصوُّر الأحداث أنها جرت بالصورة الآتية:

أ - تصريح السيد المسيح لتلاميذه أن واحدًا من الأثنى عشر سيًسلّمه.

ب - ذُهل التلاميذ واحتاروا ناظرين بعضهم لبعض، وكل منهم يسأل: هل أنا يا رب؟

جـ - أومأ بطرس ليوحنا الجالس على يسار المسيح والمتكأ على صدره ليسأل المعلم عمن سيسلمه؟ فسأل يوحنا يسوع الذي أجابه بصوت لم يسمعه غير يوحنا: "الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي"، وكانت العادة في الشرق أن من يأكل مع إنسان آخر لا يخونه، أما يهوذا فلم يراعي هذه العادات الاجتماعية المتفق عليها.. ثم قال يسوع ليوحنا " هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ. فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا".

د - سأل يهوذا الجالس عن يمين يسوع: "هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي" فأجابه يسوع بصوت لم يسمعه غير السائل: "أَنْتَ قُلْتَ" (راجع كتاب الهداية جـ 1 ص246).

ويقول "القس منيس عبد النور": "ومن هنا نرى:

1) قال المسيح أن واحدًا منكم يسلمني.

2) يفهم من الروايتين أنهم انذهلوا وتحيَّروا، وأخذوا يتساءلون عن الشخص الذي يتجاسر على ذلك.

3) تصريحه بأن يهوذا هو الذي أضمر له السوء.

4) لما استفهم أحد التلاميذ من المسيح عن الشخص الذي قصد أن يسلمه قال: (بحيث لم يسمعه سوى السائل): "الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيه".. " فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا" وهو لا ينافي ما ذُكر في إنجيل متى من أن يهوذا استفهم منه بعد ذلك عن مُسلّمه فقال له: "أنت هو" (مت 26: 28)" (124).

 

2- لماذا أخبر السيد المسيح تلاميذه بأن واحد منهم سيسلمه، مما أدى لاضطرابهم..؟ هناك عدة أسباب لهذا:

أ - لكيما يؤكد السيد المسيح ليهوذا أنه عالِم بكل شيء، ويُعطيه فرصة للتراجع والتوبة، فقد قال ليهوذا: "مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَة" وأدرك يهوذا هذا المعنى جيدًا ولم يتراجع عن الجريمة التي أصرَّ على ارتكابها.

ب - أوضح السيد المسيح أن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه. إذًا سواء قام يهوذا بتسليمه للموت أو لم يقم بهذا، فهو ذاهب للموت بكامل إرادته.

جـ- أخبر السيد المسيح تلاميذه بكل ما يجري حتى لا يتفاجئوا ويُصدموا بتلك الأحداث الرهيبة التي تقف خلف الباب، وهذا ما دعاه للتحدث معهم عدة مرات عن آلامه من قبل (مت 16: 21، مر 9: 31، لو 18: 31 - 33.. إلخ).. " أَقُولُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ" (يو 13: 19)، فالهدف أن التلاميذ يوقنوا أن جميع الآلام ستحل بمعلِّمهم ليس رغمًا عن إرادته، ولا هيَ من قبيل المصادفة، بل أنها معروفة لديه، وهو يتقدم نحو الصليب بملء رغبته وإرادته محبة في خلاص البشرية.

 

3- ما دام ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه فلماذا يُدان يهوذا الذي سلمه للموت، مع أن كلٍ من يسوع ويهوذا تمَّم مشيئة الآب، ولو أن يهوذا لم يُسلّم المسيح لسلَّمه آخر..؟ قال السيد المسيح: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ" (مت 26: 24)، فابن الإنسان ماضٍ إلى الصليب بحسب مشورة اللَّه المحتومة: "هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللَّهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ وَبِأَيدِي أَثَمةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ" (أع 2: 23). ولأن هذه هيَ إرادة اللَّه لذلك رسمت النبؤات في العهد القديم صورة شبه كاملة لصلب المسيح بتفصيلاتها المختلفة، وأكملت هذه الصورة الرموز العديدة للصليب، فالصليب واضح في ذبيحة هابيل، وفُلك نوح، وأيوب المتألم، وإسحق الذبيح، وسُلم يعقوب، وبركته لحفيديه منسى وأفرايم، ومعاناة يوسف، وخروف الفصح، وعبور البحر الأحمر، وماء مارة، وصخرة حوريب، وحرب عماليق، وتطهير الأبرص، والحية النحاسية، ومدن الملجأ، والخشب الذي جعل الحديد يطفو على وجه المياه، ويونان النبي.. إلخ (راجع كتابنا: أسئلة حول الصليب س8، س15).

وهناك فرق شاسع بين مشورة اللَّه المحتومة وإرادة الخاطئ الأثيم يهوذا. علم اللَّه السابق شيء، ومسئولية الإنسان عن تصرفاته شيء آخر، لأن علم اللَّه السابق لا يؤثر في إرادة الإنسان، ولا يقود الإنسان نحو الخطأ، وبالتالي فإن علم اللَّه السابق لا يعفي يهوذا من مسئولية تصرفه الشائن هذا، ولا سيما أن السيد المسيح طالما أحسن إلى يهوذا، وعامله أفضل معاملة، أما يهوذا فلم يقم اعتبارًا لهذا (راجع س414)، ولم يستجب يهوذا لأصوات التحذير التي سمعها بأذنيه ولم يصغى لها بقلبه الذي تحجَّر، ومن يتأمل في تلك العبارة موضع الحديث التي نطق بها السيد المسيح وربما كان يركز نظره على يهوذا، يشعر وكأن السيد المسيح ويهوذا في عالم بمفردهما، يأكلان في صحفة واحدة، وللأسف يهوذا يخفي الخيانة بين أحضانه، ومعلمه لم يؤنبه ولم يبكته. كان كل هدف يهوذا أن يقضي على يسوع، وفي نفس الوقت لم يكن خلاص الإنسان أمر يشغله أو يُفكر فيه أو يلوح أمام عينيه، فهو لم يقصد أن يُسلّم معلمه للموت ليتمم مشيئة الآب في فداء البشرية، فأخطأ يهوذا إذ سلم دمًا بريئًا للموت، وأخطأ لأنه أخطأ في حق معلِّمه الذي أغدق عليه من حبه وعطائه ونِعمه ورفعه من التراب للعلاء، وأخطأ إذ فقد الرجاء وإنتحر، فمات بخطيته وتحقَّق فيه القول أنه " ابن الهلاك" بسبب خطيته العظيمة: "لِذلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ" (يو 9: 11) وتحقَّقت فيه نبؤة داود النبي: "لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَابًا وَفِي خِيَامِهِمْ لاَ يَكُنْ سَاكِنٌ" (مز 69: 25، أع 1: 20).

أما القول بأن كلٍ من يسوع ويهوذا تمَّم مشيئة الآب، فإنه قول خاطئ، ولا يصح أن نساوي بين يسوع ويهوذا في تصرفهما، فالرب يسوع أطاع الآب حتى الموت موت الصليب من أجل خلاص الإنسان، أما خيانة يهوذا فهيَ بعيدة كل البُعد عن إرادة الآب، فالمشيئة الإلهيَّة بريئة تمامًا من تصرف يهوذا المشين، والمشيئة الإلهيَّة كانت ستنفُذ بدون خيانة يهوذا، أما يهوذا فقد أصرَّ أن يزج بنفسه في طريق الهلاك.

ويقول "مارديوناسيوس يعقوب ابن الصليبي": "رُب معترض يقول بأنه إذا كان المسيح ماضيًا للموت كما هو مكتوب عنه، فلماذا يُلام يهوذا إذ كمَّل المكتوب؟ فنجيب أنه لم يُسلَّم السيد لأجل تكميل المكتوب، كما أن الصالبين لم يصلبوه لأجل تكميل النبؤة، بل بنية شريرة لأن يهوذا فعل ما فعله باختياره لذلك كان مسئولًا، لأن المكتوب عن المسيح لم يسلبه اختياره (أي حرية إرادته) أي لم يُجبره على الفعل. ثانيًا أنه فعل كل ما فعله بقصد شرير لأنه خالف ضميره وشريعة اللَّه ورفض نصائح المسيح، وربى في فؤاده الرذائل كالطمع والخيانة والنكود، أي كفر بالنعمة وارتكب الآثام بتسليمه سيده.

وربما يعترض قائل أنه لو لم يُسلّمه يهوذا لسلَّمه غيره، فإن لم يسلّمه غيره فسدت خطة المسيح؟ فنقول حاشا، ما كانت تفسد أبدًا لأن الحكيم والعارف بكل شيء قادر أن يدبر ما يخصه لأن حكمته فائقة الإدراك. وقد جعل الويل للرجل الذي صار آلة لإتمام سياسته.. وبقوله: "كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ" بين أن يهوذا بحريته أسلمه ولذلك أعدَّ له عذاب إليم" (الدر الفريد في تفسير العهد الجديد - تعليقه على مت 26: 24 - من شبكة الإنترنت).

وكما يُدان يهوذا هكذا يُدان أيضًا بيلاطس وهيرودس لأنهما لم يقيما الحق، ومعهم أيضًا رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب الذين أسلموه، وقال بطرس الرسول: "لأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ. لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ" (أع 4: 27، 28). ومع هذا فإن مشورة اللَّه المعيَّنة والمحتومة وعلمه السابق لا يبرران اليهود ولا بيلاطس ولا هيرودس ولا يهوذا من أفعالهم المشينة.

 

4- ما دام اللَّه يعلم بخيانة يهوذا فلماذا خلقه، ولماذا اختاره السيد المسيح من تلاميذه وهو يعلم أنه سيخونه..؟ بلا شك أن اللَّه بعلمه السابق يعلم بخيانة يهوذا -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- ومع ذلك فإنه قد خلقه بحسب صلاحه، لم يخلقه ليعيش الخيانة في أعماقها وتحدره الخيانة إلى جهنم النار، إنما خلقه ليرث الملكوت، وكان هذا أمرًا ممكنًا ليهوذا، ولكنه رفضه بإرادته، واللَّه الذي خلق للإنسان إرادته لن يخلصه إلاَّ بإرادته، ومن المستحيل أن يزج اللَّه بيهوذا للملكوت رغم إرادته. ويقول "مارديوناسيوس يعقوب ابن الصليبي": "ورُب معترض يقول لماذا خلق اللَّه يهوذا إذا كان خير له لو لم يُولد، فنجيب أن اللَّه خلقه ليعمل خيرًا لكنه انصرف إلى عمل الشر بحريته. وقد خلق اللَّه أيضًا الشياطين والناس الأشرار ليعملوا الصالحات ولكنهم انصرفوا إلى عمل الطالحات بإرادتهم، ثم أن خُلقْ يهوذا متعلق باللَّه تعالى. أما العمل صالحًا وطالحًا فمتعلق بالشيطان والإنسان. هل نلوم اللَّه لأن بعض الناس صاروا أشرارًا. أن اللَّه برئ من الملامة. ومن هو الإنسان حتى يعترض على اللَّه. هل تقول الجبلة لجابها لماذا جبلتني؟!" (الدرر الفريد في تفسير العهد الجديد - تعليقه على مت 26: 24 - من شبكة الإنترنت).

والسيد المسيح له المجد رغم علمه أن يهوذا سيخونه ويبيعه بثلاثين من الفضة، ثمن العبد الذي ينطحه الثور، فأنه اختاره ودعاه ليكون معه وأقامه من الأثنى عشر تلميذًا، وائتمنه على الصندوق.. فكيف يختاره تلميذًا؟:

أ - الجميع يعلمون أن اللَّه خلق الملائكة، وبسابق علمه يعلم أن طغمة منهم ستتكبَّر وتفقد رتبتها وتُطرد من الملكوت ويكون مصيرها بحيرة النار والكبريت، ومع ذلك فإن اللَّه خلق هذه الطغمة من فرط صلاحه، ولم يخلقها للهلاك الأبدي، إنما خلقها لتنعم بالحياة في الملكوت، وكان من الممكن أن هذه الطغمة لا تسقط، بل تثبت مثل بقية الطغمات الملائكية، ولكنها أخطأت بكامل إرادتها دون أن يغويها أحد.

ب - اللَّه لا يعامل الإنسان بما سيؤول إليه حال هذا الإنسان، بل يعامله بحسب حالته الراهنة، وعندما اختار السيد المسيح يهوذا كان يهوذا صالحًا، وكان أكبر التلاميذ سنًا، ومنحه اللَّه عطايا ونعم لا يُعبَّر عنها حتى أن الشياطين كانت تخضع له، وصنع معجزات وآيات وقوات بِاسم سيده وكان اسمه مكتوبًا في أورشليم السمائية على أساسات سور أورشليم السمائية كبقية الرسل تمامًا (رؤ 2: 14) ولكن إذ أعطى إذنه للحية القديمة تمكنت منه وتسللت محبة الفضة إلى قلبه، فأحب المال أكثر من محبته للَّه.

جـ - اللَّه لا يحرم إنسانًا من نعمه وعطاياه على أساس أنه سيخطئ فيما بعد، ولو فعل اللَّه هكذا، فأنه سيحرم كل الذين سيهلكون من نعمه وهباته، وهذا لا يتفق مع صلاحه ولا عدله الإلهي، فهو الذي يشرق شمسه على الأبرار والأشرار، ويُمطر على الأرض الجيدة والأرض المحجرة.

ويقول "أمونيوس الإسكندري": "إن كان السيد قد اختار يهوذا الذي خانه، فليس في هذا شيء، لأن السيد اختاره عندما كان صالحًا، وهو الذي تغيَّر فيما بعد، مثل آدم وشاول بن قيس، فاللَّه لا ينزع حرية الإرادة عن الإنسان، ولكن يسمح لكل إنسان أن يعمل كإرادته حتى يُعاقِب فيما بعد الأشرار، ويكلّل الذي في الفضيلة" (P.G 85, 1484) (125).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (124) شبهات وهمية حول الكتاب المقدَّس ط 1992م ص328.

 (125) أورده دكتور مجدي وهبه صموئيل - العشاء الأخير وأحاديث ما بعد العشاء ص94.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/418.html