St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 400- إن كان كل إنسان يحمل وزر نفسه (حز 18: 20) فلماذا يتحمل اليهود المعاصرون للمسيح جميع أوزار القتلة من هابيل إلى زكريا بن برخيا (مت 23: 35 - 36)؟ وهل زكريا بن برخيا هو زكريا النبي أم زكريا والد يوحنا المعمدان؟ ولماذا توقف السيد المسيح عند "زكريا بن برخيا" في القرن الثامن قبل الميلاد وتجاهل الذي قتلوا من القرن الثامن قبل الميلاد وحتى عصره (مت 23: 35)؟ ولماذا شبَّه السيد المسيح نفسه بالدجاجة؟ وهل تَرَكَ السيد المسيح أورشليم بعد هذا الحديث فلم يعد اليهود يرون وجهه ثانية في أورشليم، ولن يرونه حتى يأتي في مجيئه الثاني؟ وهل هذا يعني أن المسيح رُفِع بعد هذا للسماء ولم يُصلَب في أورشليم؟

 

س400: إن كان كل إنسان يحمل وزر نفسه (حز 18: 20) فلماذا يتحمل اليهود المعاصرون للمسيح جميع أوزار القتلة من هابيل إلى زكريا بن برخيا (مت 23: 35 - 36)؟ وهل زكريا بن برخيا هو زكريا النبي أم زكريا والد يوحنا المعمدان؟ ولماذا توقف السيد المسيح عند "زكريا بن برخيا" في القرن الثامن قبل الميلاد وتجاهل الذي قتلوا من القرن الثامن قبل الميلاد وحتى عصره (مت 23: 35)؟ ولماذا شبَّه السيد المسيح نفسه بالدجاجة؟ وهل تَرَكَ السيد المسيح أورشليم بعد هذا الحديث فلم يعد اليهود يرون وجهه ثانية في أورشليم، ولن يرونه حتى يأتي في مجيئه الثاني؟ وهل هذا يعني أن المسيح رُفِع بعد هذا للسماء ولم يُصلَب في أورشليم؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- إن كان كل إنسان يحمل وزر نفسه (حز 18: 20) فلماذا يتحمل اليهود المعاصرون للمسيح جميع أوزار القتلة من هابيل إلى زكريا بن برخيا..؟ جاء في سفر الشريعة: "لاَ يُقْتَلُ الآباءُ عَنِ الأَوْلاَدِ وَلاَ يُقْتَلُ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ" (تث 24: 16)، وجاء في سفر حزقيال النبي: "اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ" (حز 18: 20) وقال إرميا النبي: "بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ" (إر 31: 30).. ولكن ما بالك لو أن شر الأبناء فاق شر الآباء؟!.. لا بد أن يُعاقب الأبناء مع الآباء.. الآباء قتلوا الأنبياء والأبناء قتلوا رب الأنبياء، فأي عقوبة يستحقون وكيف يهربون من دينونة جهنم؟!.. ولذلك قال السيد المسيح: "لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا" (مت 23: 35) وانطبق عليهم قول الله لموسى: "لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ" (خر 20: 5) وقيل عن بابل: "وَفِيهَا وُجِدَ دَمُ أَنْبِيَاءَ وَقِدِّيسِينَ وَجَمِيعِ مَنْ قُتِلَ عَلَى الأَرْضِ" (رؤ 18: 24) وقال البعض أن من قتل نفسًا بدون وزر كأنه قتل الناس جميعًا. لقد ملأ الآباء المكيال دون أن يكملوه، فجاء الأبناء وأكملوا المكيال حتى فاض، لذلك نسب لهم العمل كله، وفعلًا فإن هذا الجيل كابد ما لم يكابده جيل آخر، عندما حُوصِرت أورشليم ثم اقتحمت بواسطة الجنود الرومان، فسُفِكت دماء لا حصر لها وأحاطت الصلبان كغابة كثيفة حول أورشليم.. أنه ذنب جميع القديسين الذين سفكوا دمائهم، وذنب صلبهم للسيد المسيح رب الكل.

ويقول "دكتور وليم إدي": "فالذي وضع في المكيال آخر جزء من ملئه شريك الذي وضع فيه أول جزء من ذلك الملء في مجموعه. ولا ظلم في ذلك لأنهم عملوا أعمال آبائهم وأظهروا أن روحهم كروح أولئك الآباء"(32). وبالطبع ليس معنى تحمُّل الجيل المعاصر للمسيح عقوبة سفك كل دم برئ، إن آبائهم القتلة الأصليين سيعفون من العقوبة، أو أن أبنائهم يتحملون العقوبة نيابة عنهم، فهؤلاء وأولئك لن يهربوا من دينونة جهنم، وإن كان ذنب الآباء أشد وأصعب.

ويقول "متى هنري": "الحق أقول لكم أن هذا كله يأتي. كل إثم هذا الدم، كل قصاصه "يأتي على هذا الجيل". سوف تكون حالة الشقاء والخراب التي تأتي عليهم مروعة جدًا حتى تتناسب لا مع خطاياهم فحسب بل مع خطايا الآباء أيضًا سيما خطية الاضطهاد. سوف يكون الخراب شنيعًا جدًا كأن الله طالبهم بجميع الدماء الذكية التي سُفكت في العالم. "يأتي على هذا الجيل" وهذه تتضمن أنه يأتي سريعًا، سوف يراه البعض ممن يعيشون الآن"(33).

ويقول "القديس كيرلس الكبير": "لقد دانوا أسلافهم لقتلهم الأنبياء، لكنهم هم اقترفوا جرائم أعظم وأدهى، بقتلهم الرب يسوع والرسل. تنفيذ هؤلاء القتلة للجريمة جرَّ عليهم العقاب الإلهي على جرائم جيله كله"(34).

ويقول "القديس جيروم": "املئوا بدوركم مكيال آبائكم، فما لم يحقّقوه هم أكملوه أنتم، هم قتلوا الخدام، وأنتم تصلبون المُعلِّم. هم قتلوا الأنبياء وأنتم تصلبون ذلك الذي تنبأ عنه الأنبياء"(35).

ويقول "الأب متى المسكين": "وقد جعل جيل هؤلاء الكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة مع شيوخ الشعب، مسئولين أمام الله عن كل ما أُقترف من سفك دم منذ بدء الخليقة كلها حتى زكريا بن براخيا ، وهذا يعني في ضمير المسيح أن بسفك دم المسيح سيتحمل هذا الجيل كل دم سُفك سابقًا من أجل اللَّه: "الدم الزكي" باعتبار أن جميع الذين سُفِك دمهم - المدافعين عن اللَّه وقداسته - كانوا رمزًا للمسيا المصلوب"(36).

 

2- هل زكريا بن برخيا هو زكريا النبي أم زكريا والد يوحنا المعمدان..؟ قال البعض أن زكريا المذكور هنا هو زكريا النبي " زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا بْنِ عِدُّو" (زك 1: 1) وقال البعض أنه زكريا الكاهن أبو يوحنا المعمدان كما اعتقد هيبوليتس وأوريجانوس وأبيفانيوس وباسيليوس، ولكن الرأي الغالب والأرجح أنه زكريا بن يهوياداع (2 أي 24: 21 ، 22) ونسب إلى جده "برخيا"، ومعنى برخيا أي البركة ومعنى يهوياداع مُبارك من اللَّه، وأُطلق اسم زكريا على نحو 32 شخص في الكتاب المقدَّس، وزكريا بن يهوياداع المقصود هنا كان أبوه كاهنًا متزوجًا من يهوشبعة أخت الملك أخزيا وإبنه الملك يهورام، وعندما قتل ياهو بن نمشى آخزيا ملك يهودا استولت عثليا أم الملك أخزيا على الحكم وأبادت كل النسل الملكي حتى لا ينافسها أحد، فأخذت يهوشبعة الطفل يوآش ابن أخيها أخزيا، وأخفته مع زوجها يهوياداع ست سنوات، ثم نصَّبوه ملكًا على يهوذا وقتل يهوياداع عثليا، وكان يهوياداع مُرشدًا للملك الصغير يوآش، فسار يوآش في مخافة الرب، ولكن بعد موت يهوياداع اجتمع أصحاب السوء حول يوآش الملك حتى أنهم تركوا عبادة اللَّه وعبدوا السواري والأصنام " وَلَبِسَ رُوحُ اللَّه زَكَرِيَّا بْنَ يَهُويَادَاعَ الْكَاهِنَ فَوَقَفَ فَوْقَ الشَّعْبِ وَقَالَ لَهُمْ هكَذَا يَقُولُ اللَّه لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصَايَا الرَّبِّ فَلاَ تُفْلِحُونَ؟ لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمُ الرَّبَّ قَدْ تَرَكَكُمْ. فَفَتَنُوا عَلَيْهِ وَرَجَمُوهُ بِحِجَارَةٍ بِأَمْرِ الْمَلِكِ فِي دَارِ بَيْتِ الرَّبِّ " (2 أخ 24: 20 - 21) فقتل الملك يوآش زكريا بن يهوياداع ابن عمته يهوشبعة ولم يذكر أن عمته هيَ التي نجته من الموت، وزوجها هو الذين نصَّبه ملكًا.

وقال "القديس جيروم" عن "زكريا بن برخيا" الذي ذكره المسيح: "هو زكريا بن يهوياداع الذي قتله يوآش الملك بين المذبح والبيت. عند موته قال الرب ينظر ويطالب (2 أي 24: 20 - 22)، وكلمة "يهوياداع" معناها مبارك من اللَّه، وهيَ ذات معنى كلمة برخيا" (37).

 

3- لماذا توقف السيد المسيح عند "زكريا بن براخيا" في القرن الثامن قبل الميلاد، وتجاهل الذين قُتلوا من القرن الثامن قبل الميلاد وحتى عصره..؟ في التوراة العبرية كان سفر أخبار الأيام هو آخر الأسفار المقدَّسة، لأنه احتوى على خلاصة التاريخ اليهودي، فعندما قال السيد المسيح " مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا" كان يقصد أول شهيد في التاريخ جاء ذكره في الكتاب المقدَّس، وشهدت له السماء (عب 11: 4) إلى آخر شهيد جاء ذكر اسمه في العهد القديم وهو زكريا بن برخيا. (راجع مدارس النقد - عهد قديم جـ11 س1417).

 

4- لماذا شبَّه السيد المسيح نفسه بالدجاجة..؟ قال السيد المسيح: "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا وَلَمْ تُرِيدُوا" (مت 23: 37)، وتكرار اسم " أُورُشَلِيمُ" مرتين يُظهِر عطف المسيح وشفقته على تلك المدينة الغالية على قلبه، وما سيحل بها من مآسي يعجز اللسان عن وصفها -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- وكلمة " الدَّجَاجَةُ" في الأصل اليوناني تحمل أيضًا معنى "الطائر" والصورة التي رسمها السيد المسيح هنا هيَ صورة تعبيرية مُقتبسة من العهد القديم وتعبِّر عن عمل اللَّه مع شعبه وحمايته له، فقال الرب لشعبه بعد أن أخرجهم من أرض مصر: "كَمَا يُحَرِّكُ النَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ. هكَذَا الرَّبُّ وَحدَهُ اقْتَادَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ أَجْنَبِيٌّ " (تث 32: 11 - 12)، وصلى داود قائلًا: "بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي" (مز 91: 4)، وفي سفر إشعياء النبي: "كَطُيُورٍ مُرِفَّةٍ هكَذَا يُحَامِي رَبُّ الْجُنُودِ عَنْ أُورُشَلِيمَ. يُحَامِي فَيُنْقِذُ. يَعْفُو فَيُنَجِّي" (إش 31: 5)، وفي سفر ملاخي: "وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا" (ملا 4: 2). ويقول "القديس أُغسطينوس": "وأنكم ترون يا أخوة كيف تصير الدجاجة ضعيفة مع فراخها. ليس بين الطيور من تكون هكذا عندما تصير أمًا.. جناحيها يتدليان، وريشها يتساقط، وصوتها يصير أجش وكل أعضائها تصير غائرة وهزيلة، وكما قلت حتى عندما نراها بدون فراخها تعرف أنها أم" (38). وليس المقصود أن اللَّه يجمعنا تحت جناحيه كأجساد متزاحمة، بل يكون لنا الفكر الواحد والروح الواحد.

 

5- هل ترك السيد المسيح أورشليم بعد هذا الحديث، فلم يعد اليهود يرون وجهه ثانية في أورشليم ولن يرونه حتى يأتي في مجيئه الثاني؟ وهل هذا يعني أن المسيح رُفِع بعد هذا للسماء ولم يُصلب في أورشليم (مت 23: 39)..؟ بعد هذا الحديث يوم الثلاثاء من الأسبوع الأخير ترك يسوع أورشليم وغادر الهيكل ولم يعد له ثانية، وقد أنهى خدمته الجهارية بين اليهود، وقطع صلته بالهيكل تمامًا لأنهم أصرُّوا على أن يجعلوا هيكل اللَّه بيتًا للتجارة ومغارة للصوص. وبمجرد أن قال السيد المسيح: "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا" فارق روح الرب الهيكل، ولم يعد اللَّه سور نار حول أورشليم ولا مجدًا في داخلها: "وَخَرَجَ مَجْدُ الرَّبِّ مِنْ عَلَى عَتَبَةِ الْبَيْتِ وَوَقَفَ عَلَى الْكَرُوبِيمِ. فَرَفَعَتِ الْكَرُوبِيمُ أَجْنِحَتَهَا وَصَعِدَتْ عَنِ الأَرْضِ قُدَّامَ عَيْنَيَّ" (حز 10: 18 - 19) (راجع خر 11: 22 ، 23) فحلَّ بأورشليم الخراب الروحي، وخلال أقل من أربعة عقود حلَّ بها الخراب المادي أيضًا، وقبل خرابها سنة 70م بأربعة سنين كان "يسوع بن حنانيا" يصرخ قائلًا: "ويل لأورشليم"، ويقول المؤرخ اليهودي "يوسيفوس" الذي عاصر خراب أورشليم كشاهد عيان في كتابه (حروب اليهود 6: 299) أنه أثناء حصار أورشليم سُمِع صوت في الهيكل يقول "نحن مغادرون الآن"، وسقطت أورشليم وهُدِم الهيكل وسُلبت كنوزه، وأُقيم "قوس تيطس" في مدخل روما الجنوبي يحمل بعض أدوات الهيكل، ومنارة الذهب، وأبواق الفضة، ومائدة خبز الوجوه.. أنه درس للأجيال، فأي مكان يتركه الرب، فما هو مصيره إلاَّ الظلمة والكآبة والخراب؟!!، وأي نفس يفارقها روح اللَّه إلاَّ ويبغتها روح ردئ وتصير مأوى للأرواح النجسة؟!!.

وعندما قال السيد المسيح: "لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَني مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ" (مت 23: 39)، ماذا قصد من قوله " مِنَ الآنَ"..؟ لم يقصد هذه اللحظة، لكن هذه الأيام القلائل التي لم تتعدى يومي الخميس والجمعة، وفي هذين اليومين لم يكن ليعلم ويكرز ويبشر، إنما فقط أقام العشاء الأخير وسلم نفسه ليُصلب. ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "لم يرد بقوله "مِنَ الآنَ" أي تلك الساعة التي آتى فيها لأورشليم، بل يُريد بها أيام صلبه كلها. لا ترونني بعد هذه الأيام التي تطلبونني فيها حتى أجئ ثانية لأدين الأحياء والأموات"(39).

وقول السيد المسيح " حَتَّى تَقُولُوا مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ " لها معنى قريب ومعنى بعيد، والمعنى القريب هو إيمان اليهود به ورجوعهم إليه كما أشارت بهذا نبؤات العهدين القديم والجديد، فجاء سفر التثنية: "عِنْدَمَا ضُيِّقَ عَلَيْكَ وَأَصَابَتْكَ كُلُّ هذِهِ الأُمُورِ فِي آخِرِ الأَيَّامِ تَرْجعُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ وَتَسْمَعُ لِقَوْلِهِ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ رَحِيمٌ لاَ يَتْرُكُكَ وَلاَ يُهْلِكُكَ وَلاَ يَنْسَى عَهْدَ آبَائِكَ الَّذِي أَقْسَمَ لَهُمْ عَلَيْه" (تث 4: 30 - 31)، وقال المرنم: "مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ. بَارَكْنَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الرَّبِّ" (مز 118: 26)، وقال هوشع النبي: "بَعْدَ ذلِكَ يَعُودُ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَيَطْلُبُونَ الرَّبَّ إِلهَهُمْ وَدَاوُدَ مَلِكَهُمْ وَيَفْزَعُونَ إِلَى الرَّبِّ وَإِلى جُودِهِ فِي آخِرِ الأَيَّامِ" (هو 3: 5)، وقال بولس الرسول: "وَإِشَعْيَاءُ يَصْرُخُ مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ وَإِنْ كَانَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ فَالْبَقِيَّةُ سَتَخْلُصُ" (رو 9: 27) (راجع أيضًا رو 11: 25 - 32). ويرى "الخوري بولس الفغالي" أن أورشليم رُذلت عندما قتلت الأنبياء، وهُجرت وفارقها مجد اللَّه عندما رفضت ابن الإنسان، وسيأتي عليها زمن التوبة والمصالحة، ثم يقول: "وهكذا لم يتركنا الإنجيلي في صورة الدينونة والهلاك، بل أعطانا صورة عن حنان يسوع كالدجاجة مع فراخها، صورة عن ذلك الذي يأتي في النهاية لكي يتقبَّل توبة شعبه وينال منه الاستقبال الملوكي: "مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ".."(40).

أمَّا المعنى البعيد فهو يخص المجيء الثاني. وللأسف فإن أورشليم لم تستفد من هذا الإنذار الأخير، ويقول "ف. ب. هول": "وللمرة الأخيرة قُدَّمت لأورشليم الفرصة أن تجد الملجأ تحت جناحي يهوه، الموجود بينهم في شخص يسوع. فكم من مرة أراد يهوه أن يحميهم تحت جناحيه، كما تشهد المزامير؟!، وكم من مرة أراد يسوع أن يجمعهم فترة وجوده معهم، وهم لم يريدوا (الآية 37). ونتيجة لهذا فالهيكل الجميل في أورشليم، الذي كان بيتًا ليهوه في وقت ما، جُرّد من مكانته، فصار بيتهم هم، وتُرِك لهم خرابًا (الآية 38)، ويسوع الذي كان مفروضًا أن يملأه بمجده، قد تركهم، ولن يروه حتى يأتي في مجده"(41).

ولأن الناقد لا يقبل فكرة صلب المسيح لذلك فهو يشبه الغريق الذي تعلَّق بقشة، فرأى في قول السيد المسيح: "لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَني مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ" أنه دليل على رفعه للسماء في هذه اللحظة وبالتالي فإنه لم يصلب، وهذا استنتاج خاطئ للناقد لأن النص كما هو واضح للعيان لم يأتي بأي ذكر أو أي إشارة إلى صعوده للسماء، فالنص واضح أنهم لن يرونه ثانية معلِّمًا وكارزًا بينهم، بل سيرونه متألمًا حاملًا صليبه إلى الجلجثة، كما أشار إلى هذا من قبل عندما قالوا له هيرودس يُريد أن يقتلك، قال: ".. بَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَسِيرَ الْيَوْمَ وَغَدًا وَمَا يَلِيهِ لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ خَارِجًا عَنْ أُورُشَلِيمَ" (لو 13: 33). وكيف يسمح الناقد لنفسه أن يغض الطرف عن النبؤات العديدة التي تخبرنا عن صلبه بالتفصيل؟!!، وكيف تغافل الرموز التي تُشير لصلب المسيح؟!!، وكيف تجاهل نبؤات السيد المسيح العديدة عن طريقة موته.. إلخ؟!!، وكيف لم يلتفت إلى ما كتبته الأناجيل بالتفصيل عن قصة الصليب والفداء العجيب؟!!، أو لم يسأل نفسه لو لم يُصلب المسيح، فما هو الذي غير النظرة للصليب من مجرد وسيلة إعدام مرذولة ملعونة إلى أنه أصبح رمزًا للمجد والفخار والإنتصار والحب والبذل والفداء؟!!.. إلخ (راجع كتابنا أسئلة حول الصليب).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (32) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ص400.

(33) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ2 ص305.

(34) التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدَّس - العهد الجديد - أ - ب الإنجيل كما دوَّنه متى 14 - 28 ص268.

(35) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير إنجيل متى ص488.

 (36) الإنجيل بحسب القديس متى ص628.

(37) أورده القس يوسف البراموسي - تساؤلات حول إنجيل متى ص90.

 (38) أورده الراهب القمص مرقوريوس الأنبا بيشوي - حديث الرب مع السامرية ص13.

 (39) أورده القس يوسف البرموسي - تساؤلات حول إنجيل متى ص90.

 (40) إنجيل متى جـ3 ص450.

(41) ترجمة رشدي ميخائيل - دراسة في إنجيل متى ص134.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/400.html