St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 399- ما المقصود بالقبور المبيَّضة (مت 23: 27)؟ وإن كان الكتبة والفريسيون قد أدانوا أبائهم الذين قتلوا الأنبياء، واهتموا بقبور هؤلاء الأنبياء ومدافن الصديقين، فهل عندما صبَّ السيد المسيح الويل عليهم ووصفهم بأنهم حيات أولاد أفاعي كان قاسيًا عليهم (مت 23: 29 - 33)؟ وهل أرسل السيد المسيح إلى بني إسرائيل أنبياء وحكماء وكتبة، بعد كل ما فعلوه بأنبياء العهد القديم، وبالرغم من علمه بأنهم سيقتلونهم ويصلبونهم ويجلدونهم ويطردونهم (مت 23: 34)؟

 

س399: ما المقصود بالقبور المبيَّضة (مت 23: 27)؟ وإن كان الكتبة والفريسيون قد أدانوا أبائهم الذين قتلوا الأنبياء، واهتموا بقبور هؤلاء الأنبياء ومدافن الصديقين، فهل عندما صبَّ السيد المسيح الويل عليهم ووصفهم بأنهم حيات أولاد أفاعي كان قاسيًا عليهم (مت 23: 29 - 33)؟ وهل أرسل السيد المسيح إلى بني إسرائيل أنبياء وحكماء وكتبة، بعد كل ما فعلوه بأنبياء العهد القديم، وبالرغم من علمه بأنهم سيقتلونهم ويصلبونهم ويجلدونهم ويطردونهم (مت 23: 34)؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- ما المقصود بالقبور المبيَّضة..؟ جاء في العهد القديم: "وَكُلُّ مَنْ مَسَّ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ قَتِيلًا بِالسَّيْفِ أَوْ مَيْتًا أَوْ عَظْمَ إِنْسَانٍ أَوْ قَبْرًا يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ" (عد 19: 16)، وكان القصد من هذه الوصية هو منع انتقال أي عدوى، فمن يمس جثة إنسان أو حيوان يظل كمن هو في عزل صحي لمدة سبعة أيام، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الموت يذكرنا بالخطية الأولى التي أثمرت لنا ثمرة الموت: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رو 5: 17)، فهناك علاقة وثيقة بين الخطية والموت، وكل منهما يُشير للآخر. وكانت العادة قديمًا أن تُقام القبور خارج المدينة، لذلك قال الكتاب " عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ"، ولكن هذا لم يمنع من إقامة بعض القبور داخل المدينة، فكانوا يطلونها باللون الأبيض لتكون ظاهرة للعيان، وكانوا يحرصون على طلاء هذه القبور قبل عيد الفصح، لأن القادمين للعيد أعدادهم كبيرة جدًا، فلئلا يمس أحدهم قبرًا دون قصد فيتنجس. وكان اليهودي يسير بحذر شديد لئلا يعثر رجله بجثة أو عظام ميت. وبسبب سلوك الفريسيين برياء، وحرصهم على أن تكون صورتهم الخارجية براقة، فبينما يهملون الداخل شبهَّهُم السيد المسيح بهذه القبور المبيَّضة قائلًا: "هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا وَلكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِل مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْمًا" (مت 23: 28)، فالرياء مثل الكلس (الجير) الذي يطلون به القبور فتكتسب اللون الأبيض النقي من الخارج، بينما داخلهم مثل القبور مملوءة عظام أموات وكل نجاسة.

 

2- إن كان الكتبة والفريسيون قد أدانوا آبائهم الذين قتلوا الأنبياء، واهتموا بقبور هؤلاء الأنبياء ومدافن الصديقين، فهل عندما صبَّ السيد المسيح الويل عليهم، ووصفهم بأنهم حيات أولاد أفاعي كان قاسيًا عليهم..؟ لم يصبَّ السيد المسيح الويل على الكتبة والفريسيين لأنهم أدانوا آبائهم قتلة الأنبياء، ولم يغضب عليهم لأنهم بنوا قبور الأنبياء ضحايا آبائهم وزيَّنوا مدافن الصديقين الذين اضطهدهم آباؤهم، ولكنه أدانهم بشدة لأنه فيما هم يلقون باللوم على آبائهم سلكوا ذات المسلك، فاضطهدوا رجال الله القديسين.. كانوا يُظهرون محبتهم وتقديرهم للأنبياء الذين قُتلوا حتى ظن الناس أنهم في نقاوة هؤلاء الأنبياء، بينما سلوكهم كان غريبًا تمامًا عن سلوك هؤلاء الأنبياء، فشابهوا هيرودس الكبير الذي ارتكب شرورًا عظيمة مثل مذبحة بيت لحم، وقتل زوجته وحماته وبعض أولاده، وراح يتوَّدد لليهود فيهتم بتوسيع وبناء الهيكل، وبناء قبر داود وتزيينه بأفخر الزينات كما ذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودي، وأكمل الكتبة والفريسيون آثام أبائهم بقتلهم رب الأنبياء، ولذلك قال لهم السيد المسيح: "فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ" (مت 23: 32)، وانطبق عليهم قول الكتاب: "لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا" (رو 2: 1).. حقًا أن الذين يدينون الآخرين على خطايا ارتكبوها، وفي نفس الوقت هم يرتكبون ذات الخطايا هم أشر الخطاة، ويعرضون أنفسهم لأشد العقوبة والويل من ضابط الكل.

لقد سلك هؤلاء الكتبة والفريسيون في الرياء المتقن، وتمعنوا في الاتضاع المصطنع فخدعوا البسطاء من الناس الذين حسبوهم قديسين عظماء، فتباروا في التقرُّب إليهم والتماس بركاتهم، ولم يُدرك هؤلاء البسطاء إن اتضاع هؤلاء الفريسيين اتضاع مزيَّف، وأن المزايدة في الاتضاع هو نوع من الكبرياء، والابتسامة العذبة ليست دائمًا طاهرة نقية، فقد تُخفي وراءها خبثًا ودهاء. أما العالِم بخبايا القلوب والأفكار فقد كشفهم أمام رعاياهم ومحبيهم وأظهر حقيقتهم، إذ شبههم تارة بالقبور وتارة بالحيات، فيقول "متى هنري": "كان بر الكتبة والفريسيين كزينة القبر أو زينة الجثة الهامدة. كانت غاية آمالهم أن يظهروا أبرارًا أمام الناس ويُمدَحوا منهم"(29). وعندما قال رب المجد لهم: "أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ" (مت 23: 33) هو لم يزدري بكبار السن من قومه كما تصوَّر ديدات، لأنهم حقًا ربما كانوا كبار السن ولكن سلوكياتهم وتصرفاتهم لم تتفق لا مع سنهم ولا مع مظهرهم، اهتموا بصغائر الأمور وأطالوا الصلوات وابتعدوا عن العدل والصدق والرحمة والأمانة، بل أنهم أكلوا بيوت الأرامل، وعندما دعاهم السيد المسيح بالحيَّات هو لم يشتمهم ولم يتجنى عليهم، إنما وصفهم وصفًا دقيقًا، فهم حيَّات في خداعهم وميلهم للأذى، وسلكوا كحيَّات في الحكمة والحذق والتخفي، وفي الوقت المناسب كانوا ينقضُّون على فريستهم يلتهمونها، ويستكملون مسيرتهم، وقد تقسى قلبهم وتحجر.

وما فعله السيد المسيح مع هؤلاء الأشرار لم يكن قسوة وتجبرًا منه، إنما كان عدلًا وحقًا، فالخطورة تكمن في التصوُّر الخاطئ بأنه ليس لدى المسيح سوى المحبة والصفح والمغفرة والتسامح، ويفوت على البعض المسيح العادل، الذي رفع سوطه وطرد أولئك الذي حوَّلوا بيته إلى مغارة لصوص، وهنا يصبُّ ويلاته على الكتبة والفريسيين، وفي مجيئه الثاني سيكون مخوفًا للأشرار. يقول "وليم مكدونلد": "هل تستطيع المحبة المتجسدة أن تتفوَّه بتلك الكلمات القاسية؟ نعم، فالمحبة الحقيقية يجب أن تكون عادلة ومقدَّسة. فإن المفهوم الشائع عن يسوع بأنه مصالح لا يمكن أن يُؤذي أحدًا، وليس عنده من العواطف إلاَّ المحبة، لهو مفهوم غير كتابي، فالمحبة قد تكون قاسية، لكن ينبغي أن تكون دائمًا عادلًا.. نتذكر كلمات ياهو القائل ليهوشافاط: "أَتُسَاعِدُ الشِّرِّيرَ وَتُحِبُّ مُبْغِضِي الرَّبِّ" (2 أي 19: 2)" (30).

ويقول "متى هنري": "أيها الحيات أولاد الأفاعي.. هذه كلمات غريبة تجري من فم المسيح الذي أنسكبت النعمة على شفتيه. ولكنه يستطيع وليس لديه مانع من أن يتكلم بالويل والبثور.. فإنه هو وحده الذي يعرف معرفة كاملة ما في الإنسان. وهو عرف أنهم كانوا في غاية المُكر والدهاء كالحيَّات، متسفلين إلى الأرض، يأكلون التراب. كانوا حسنى المظهر ولكنهم من الداخل كانوا مشحونين خبثًا، سم الأصلال والحيَّات تحت ألسنتهم، كانوا نسل الحيَّة القديمة"(31).

3- هل أرسل السيد المسيح إلى بني إسرائيل أنبياء وحكماء وكتبة، بعد كل ما فعلوه بأنبياء العهد القديم، وبالرغم من علمه بأنهم سيقتلونهم ويصلبونهم ويجلدونهم ويطردونهم..؟ نعم أرسل السيد المسيح لبني إسرائيل بعد قيامته وصعوده أنبياء وحكماء وكتبة، وهو يعلم أنهم سيقتلون منهم ويصلبون ويجلدون ويطردون -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- وفي فترة وجوده على الأرض بالجسد أرسل تلاميذه وأوصاهم قائلًا: "إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (مت 10: 5 - 6)، فبالرغم من عدم أمانتهم ظل هو أمينًا معهم إلى المنتهى.. هم تآمروا عليه وقتلوه أما هو فأرسل إليهم أنبياء وحكماء وكتبة، وأقتنى منهم شعبًا مقدَّسًا، فالكنيسة الأولى في أورشليم كانت من اليهود الذين آمنوا، وعندما كرز الرسل الأطهار في الأقطار كانوا يدخلون مجامع اليهود أولًا، ومتى وجدوا رفضًا كانوا يذهبون للأمم، وكرازة بولس الرسول تشهد بذلك.

وقد أرسل السيد المسيح أنبياء العهد الجديد كقول بطرس الرسول يوم الخمسين: "بَلْ هذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ. يَقُولُ الله وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ. وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضًا وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ" (أع 2: 16 - 18) وكان هناك أنبياء في أورشليم انحدروا إلى أنطاكية ومنهم أغابوس (أع 11: 27 - 28)، وكان في كنيسة أنطاكية أيضًا أنبياء ومعلمون مثل برنابا وسمعان الذي يُدعى نيجر ولوكيوس ومناين (أع 13: 1)، وكان يهوذا وسيلا نبيين (أع 15: 32)، وتحدث بولس الرسول عن النبؤة (رو 12: 6)، كما قال: "أَوَّلًا رُسُلًا، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ.." (1 كو 12: 28) فوضع الأنبياء في المرتبة التالية للرسل (راجع أيضًا أف 4: 11). وتميَّز رجال الله القديسون بالحكمة عملًا بوصية السيد المسيح: "هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَابٍ فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ" (مت 10: 16)، وأرسل السيد المسيح كتبة، ليس ككتبة العهد القديم الذي اهتموا بالكتاب المقدَّس ونساخته بينما تصرفاتهم كانت غريبة عن روح الكتاب، إنما أرسل كتبة سجلوا لنا كلمة الحياة من خلال سبعة وعشرين سفرًا. وهؤلاء الأنبياء والحكماء والكتبة رسل الحمل ذاقوا الأمرين من اليهود المتعصبين: "وَدَعُوا الرُّسُلَ وَجَلَدُوهُمْ" (أع 5: 40) وجُلِد بولس الرسول خمس مرات ورُجِم مرة (2 كو 11: 24 - 25)، وبالرغم من أن الشريعة حددت من يسري عليهم حُكم الرجم وهم:

(1) الذين يعبدون آلهة غريبة (تث 17: 2 - 7).

(2) الذين يقدمون أبنائهم ذبائح بشرية (لا 20: 2).

(3) السحرة والعرافين (خر 22: 8، لا 20: 27).

(4) التجديف على اسم يهوه (لا 24: 15 - 16).

(5) الأبناء المتمردين (تث 21: 18 - 21).

(6) الزناة (تث 22: 22 - 26).

(7) الذين يدنسون السبت (عد 15: 32 - 36).

ومع ذلك فأنهم رجموا اسطفانوس، وتبعه الكثيرون والكثيرون من الذين قُتِلوا أو صُلِبوا أو صاروا طعامًا للوحوش أو أُحرقوا بالنار.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (29) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ2 ص297.

(30) تفسير الكتاب المقدَّس للمؤمن - العهد الجديد جـ1 ص149.

(31) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ2 ص301، 302.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/399.html