St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 272- كيف يقول السيد المسيح: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ" (مت 5: 43) بينما لم ترد عبارة "تُبْغِضُ عَدُوَّكَ" في الأسفار المقدَّسة من قبل؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يصفح عن عدوه، بل يحبه ويباركه ويصلي من أجله (مت 5: 44)؟ أليس هذا ضد الطبيعة البشرية؟ وكيف يوصي السيد المسيح ببغضة الأهل (لو 14: 26) وهو الذي نادى بمحبة الأعداء؟ وكيف يطالبنا بأن نكون كاملين (مت 5: 48) مع أن الكمال لله وحده، وبولس الرسول يعترف أنه لم يصر كاملًا بعد (في 3: 12)؟

 

س272: كيف يقول السيد المسيح: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ" (مت 5: 43) بينما لم ترد عبارة " تُبْغِضُ عَدُوَّكَ " في الأسفار المقدَّسة من قبل؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يصفح عن عدوه، بل يحبه ويباركه ويصلي من أجله (مت 5: 44)؟ أليس هذا ضد الطبيعة البشرية؟ وكيف يوصي السيد المسيح ببغضة الأهل (لو 14: 26) وهو الذي نادى بمحبة الأعداء؟ وكيف يطالبنا بأن نكون كاملين (مت 5: 48) مع أن الكمال لله وحده، وبولس الرسول يعترف أنه لم يصر كاملًا بعد (في 3: 12)؟

(راجع علاء أبو بكر - البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ 2 س355 ص349، 350، والسيد سلامة غنمي - التوراة والأناجيل بين التناقض والأساطير ص373).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: لم يعطي اللَّه وصية قط ببغضة الأعداء، إنما هذا ما شاع من تعاليم الربيين التي شاعت وانتشرت حتى ظنها الناس أنها من الوصايا الإلهيَّة، ويقول "الخوري بولس الفغالي" أن التعاليم اليهودية المتطرفة أوضحت: "إن الغريب الذي أقام (12) سنة في وسط إسرائيل، ولم يتبنَ الديانة اليهودية، كان يعتبر دومًا كالوثني الذي لا يجب أن نحبه. وهذا ما يُعارض معارضة واضحة (لو 19: 18، تث 10: 19). ولقد قال بعض المعلمين أن الوثنيين يستحقون الموت، وتساءلوا بقلب ناشف: هل يمدون يد العون لو الوثني في خطر الموت؟ وكان الجواب: كلاَّ، أما الجاحدون فنجلبهم إلى الفخاخ ونأخذهم فيها" (642).

لقد أوصى اللَّه بمحبة القريب قائلًا: "لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (لا 19: 18)، وليس معنى عدم الانتقام وعدم الحقد من أبناء شعبك، أي أن تنتقم وتحقد على الآخرين. وفي الوقت الذي أوصى اللَّه من جهة بني عمون وبني موآب: "لاَ تَلْتَمِسْ سَلاَمَهُمْ وَلاَ خَيْرَهُمْ كُلَّ أَيَّامِكَ إِلَى الأَبَدِ" (تث 23: 6) بسبب عظم شرورهم، ولكن مع هذا منع اللَّه موسى أن يستولي على أرضهم لأنه قد أعطاها لهم (تث 2: 9، 37) (راجع مدارس النقد - عهد قديم جـ 7 س907). كما أعقب الرب ما جاء في (تث 23: 6) عن بني عمون وبني موآب قائلًا: "لاَ تَكْرَهْ أَدُومِيًّا لأَنَّهُ أَخُوكَ. لاَ تَكْرَهْ مِصْرِيًّا لأَنَّكَ كُنْتَ نَزِيلًا فِي أَرْضِهِ" (تث 23: 7) مع أن المصريين وبني آدوم كثيرًا ما أساءوا لبني إسرائيل.

وقد سارت شريعة العهد القديم خطوة نحو محبة الأعداء، فجاء فيها:

† " وَلاَ تُضَايِقِ الْغَرِيبَ فَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ نَفْسَ الْغَرِيبِ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ" (خر 23: 9).

† " وَلاَ تَضْطَهِدِ الْغَرِيبَ وَلاَ تُضَايِقْهُ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ" (خر 22: 21).

† " إِذَا صَادَفْتَ ثَوْرَ عَدُوِّكَ أَوْ حِمَارَهُ شَارِدًا تَرُدُّهُ إِلَيْهِ. إِذَا رَأَيْتَ حِمَارَ مُبْغِضِكَ وَاقِعًا تَحْتَ حِمْلِهِ وَعَدَلْتَ عَنْ حَلِّهِ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَحُلَّ مَعَهُ" (خر 23: 4، 5).

† " فَأَحِبُّوا الْغَرِيبَ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ" (تث 10: 19).

† " كَالْوَطَنِيِّ مِنْكُمْ يَكُونُ لَكُمُ الْغَرِيبُ النَّازِلُ عِنْدَكُمْ وَتُحِبُّهُ كَنَفْسِكَ" (لا 19: 34).

† " لاَ تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ وَلاَ يَبْتَهِجْ قَلْبُكَ إِذَا عَثَرَ" (أم 24: 17).

† " إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ مَاءً" (أم 25: 21).

(راجع أيضًا إر 7: 6، خر 22: 7، زك 7: 10، ملا 3: 5).

 

2ــ نعم وصية محبة الأعداء ومباركتهم فوق مستوى الطبيعة البشرية الساقطة، ولكن عندما ندرك أننا أخذنا طبيعة جديدة في المعمودية، وصرنا مسكنًا للروح القدس، نعلم أن هذه الطبيعة بنعمة المسيح قادرة على تنفيذ وصية محبة الأعداء، ويتميز الحب المسيحي بعدم التمييز، فالإنسان المسيحي قدم الحب للجميع، الأحباء والأعداء، بعيدًا عن الحب المُغرِض، والحب الشهواني، والحب بمعسول الكلام، فالقديس يوحنا يقول: "يَا أَوْلاَدِي لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ" (1 يو 3: 18).

وهناك أربع كلمات تدل على الحب، الأولى " storge " στοργή وتدل على المحبة التي تعبر عن الحنان والاهتمام والرعاية، فتصف محبة الأب لطفله ومحبة الطفل لأبيه، فهيَ تستخدم في مجال المحبة العائلية، وكلمة " eros " ρως" تعبر عن العواطف والانفعالات والهيام والعشق الجسدي، وكلمة " Phillia " φιλια وتعبر عن أعمق عواطف المحبة والتقدير فتصف محبة الأصدقاء الأحباء المقربين للفرد، وكلمة " agape " γαπη وتدل على المحبة المطلقة والحب الصرف المجرد الموجه للجميع بغض النظر عن استحقاقاتهم، وتعبر عن الأريحية التي لا يمكن التغلب عليها، والسلام الذي لا يُقهر فحتى لو الإنسان الذي نحبه أساء إلينا بالكلام أو بالفعل، فأننا نظل نعامله بإحسان وسلام لا ينتهي، ولا نسمح للمرارة أن تسكن قلوبنا تجاهه، والكلمة المستخدمة في النص هيَ الكلمة الرابعة " egape " γαπη ولا يستطيع أن يطبق هذه الوصية إلاَّ الإنسان المسيحي الذي يثق في كلام الإنجيل، فنعمة المسيح هيَ التي تهبه هذه الإمكانية التي تفوق الإمكانات البشرية العادية (راجع وليم باركلي - تفسير العهد الجديد - المجلد الأول ص106، 107).

 

3ــ ضرب السيد المسيح مثلًا عن إنسان صنع عشاءً عظيمًا ودعا كثيرين، ولكن المدعوين بدأوا يستعفون. قال أحدهم اشتريت حقلًا وإني مضطر أخرج وأنظره، وقال آخر اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماضٍ لأمتحنها، وقال ثالث أنا تزوجت فلا أقدر أن أجئ، فغضب رب البيت وأمر عبده أن يخرج إلى شوارع المدينة وأزقتها ويُدخِل إلى الوليمة المساكين والجُدع والعُرج والعُمي، وردًا على هؤلاء الذين استعفوا بسبب ارتباطات مادية واستهانوا بالدعوة العظيمة، قال السيد المسيح: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو 14: 26). وليس المقصود بالبغضة هنا الكراهية لأن الكتاب قال: "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيه" (1 يو 3: 15)، فالذي قصده السيد المسيح أن من يحب أباه أو أمه أو امرأته أو أولاده أو إخوته أو أخواته أو نفسه أكثر من محبته للمسيح شخصيًا فلا يستحق أن يشاركه في حفل العشاء، وهذا ما أوضحه السيد المسيح في موضع آخر: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت 10: 37)، وكرر السيد المسيح نفس المعنى بقوله: "مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّة" (يو 12: 25)، والقصد من أن الإنسان يبغض نفسه أي يحب اللَّه أكثر من محبته لحياته، حتى أنه مستعد أن يقدم حياته على مذبح الحب الإلهي، وهؤلاء الذين أحبوا المسيح أكثر من حياتهم قيل عنهم: "وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْت" (رؤ 12: 11).

ويقول "م. فؤاد نجيب يوسف": "وهو قطعًا لا يقصد البغض بمعناه الحرفي بل عدم المحاباة بِاسم المحبة. فالمسيح الذي يدعو لمحبة الأعداء لا يمكن أن يدعو لبغض أقرب الناس وحتى بغض النفس، ولكن كثيرًا ما يعتبر الناس أن التمسك بالحق بغض، فنرى السيد المسيح يقول: "مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو 12: 25). من المؤكد من يريد حفظ نفسه لحياة أبدية يحب نفسه أكثر ولا يبغضها..

كثيرًا ما نحب بعيدًا عن الحق فنؤذي من نحب ونضر أنفسنا. نحب أولادنا فنخاف عليهم ونشفق عليهم من الوصية المقدَّسة ومن الجهاد الروحي. وبعيدًا عن الوصية اللَّه غير حاضر. المحبة المسيحية ليست عاطفية، لكنها محبة عقلانية بالحق طبقًا للوصية. ليست المحبة تعني إرضاء الناس أو النفس طبقًا لإرادة الخطية العاملة فينا، بل في إرضاء اللَّه حسب الوصية بعمل الخير للجميع دون تمييز بين عدو وصديق" (643).

وبينما المحبة المسيحية تسعد الإنسان، فإن البغضة تطارد الإنسان وتحرمه من السلام الحقيقي وتدفعه للانتقام، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. ويقول "الخوري بولس الفغالي": "لا أستطيع أن أعيش إن كنتَ لا أغفر. هذا ما قالته امرأة لبنانية رأت أفراد أسرتها يُذبَحون أمامها، لا تستطيع أن تنسى، ولكنها تريد أن تعيش. لقد اكتشفت شيئًا فشيئًا أن البغض يولد الشر، وقرأتْ الإنجيل فانتزع منها البغض. هيَ تغفر لكي تستطيع أن تحيا، لأن الحياة أقوى من الموت.

هل اختبرنا يومًا أن المغفرة تقتل فينا سم البغض الذي يقتلنا قبل أن نصبح قتلة بدورنا؟ الغفران يشفي ذاك الذي يغفر ويخلص من ينال الغفران. حين تبدو لنا المغفرة مستحيلة، فلنفكر بنفوسنا ولنقل: اغفر لنا يارب، كما نحن غفرنا" (644).

 

4- قال السيد المسيح: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمـَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت 5: 48)، وهذه ليست وصية جديدة، وقديمًا قال اللَّه لإبراهيم: "أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلًا" (تك 17: 1)، كما قال لشعبه: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ فَتَتَقَدَّسُونَ وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (لا 11: 44). لقد أراد السيد المسيح أن نتمثل باللَّه كلي الكمال والقداسة والرحمة، فقال أيضًا: "فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ" (لو 6: 36)، والإنسان الكامل كان هدف الكارزين، فقال بولس الرسول: "لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلًا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (كو 1: 28).. " لِكَيْ تَثْبُتُوا كَامِلِينَ وَمُمْتَلِئِينَ فِي كُلِّ مَشِيئَةِ اللهِ" (كو 4: 12)، وقال القديس يعقوب: "لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ" (يع 1: 4)، وقال بطرس الرسول: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1 بط 1: 15، 16).

وبالقطع ليس المطلوب منا أن نكون كاملين كمال كلي، فالكمال الكلي للَّه وحده، حتى قال أليفاز التيماني: "هُوَذَا عَبِيدُهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ يَنْسِبُ حَمَاقَةً" (أي 4: 18).. " هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْه" (أي 15: 15). إنما المطلوب هو الكمال النسبي كما كان نوح البار: "كَانَ نُوحٌ رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِه" (تك 6: 9)، وأيوب البار: "وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" (أي 1: 1).

وعندما قال بولس الرسول: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ" (في 3: 12) أراد أن يعلمنا درسًا روحيًا، وهو استمرارنا في الجهاد الروحي والسعي نحو حياة الكمال، وفعل " أَسْعَى " الذي استخدمه بولس الرسول هو الفعل المستخدم في الركض في السباق، فهو تعبير يشير لحياة الجهاد، نحن في الجسد فالسباق مازال مستمرًا، وينتهي السباق بنهاية حياتنا على الأرض، حيث نأتي إلى: "كَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ" (عب 12: 23).

ويقول "القديس أغسطينوس": "نعم جميعًا الآن غير كاملين. هناك سنكون كاملين حيث يصير كل شيء كاملًا. يقول الرسول بولس: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا ". فهل يجسر أحد أن ينسب لنفسه الكمال؟ نعم بالأحرى لندرك عدم كمالنا، فننال الكمال" (645).

ويقول "الدكتور القس منيس عبد النور": "الكمال المطلوب هو كمال النية في طاعة اللَّه، إذ يريد الإنسان بكل قلبه وإرادته أن يطيع. والكمال الذي لا يبلغه الإنسان هو كمال النضوج المسيحي، فكلما بلغ درجة من الكمال وجد درجة أعلى لم يبلغها بعد، فعلينا بكل النية أن نسعى وراء الكمال، عالمين أننا لم نبلغ القمة بعد، فنظل طوال عمرنا نتقدم للأمام" (646).

 

وإلى هنا أعاننا الرب في الانتهاء من الجزء الأول من إنجيل القديس متى.. نجثو أمامه في خشوع ملتمسين من أبوته أن يستكمل معنا المسيرة حسبما شاءت إرادته الصالحة، ويقبل طلبات الإنجيلي الطاهر متى الرسول عنا وعن هذا العمل، لإلهنا المجد الدائم إلى الأبد في كنيسته. آمين.

ملاحظة: مراجع هذا الكتاب تجدها في نهاية الجزء الثالث من إنجيل متى########.

 

نورث كارولينا في

طوبة 1734ش - 14 يناير 2018م

عيد الختان المجيد

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(642) دراسات بيبلية - 14 - إنجيل متى جـ 1 ص296، 297.

(643) وثيقة الحرية - الموعظة على الجبل - دراسة تحليلية روحية نقدية ص61، 62.

(644) من القراءة إلى التأمل مع القديس متى ص51.

(645) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير رسالة فيلبي ص113.

(646) شبهات وهمية حول الكتاب المقدَّس ص295.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/272.html