St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 1566- كيف يُشبّه صوفر النعماتي حياة الإنسان ببرازه قائلًا: "كَجُلَّتِهِ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُ" (أي 20: 7)؟ وكيف يوافق الوحي الإلهي الذي يساعد الكاتب على انتقاء الألفاظ، على مثل هذه الألفاظ؟ ولماذا تعفَّفت الترجمة السبعينية عن ذكر هذا اللفظ؟

 

ج: 1- أراد صوفر النعماتي أن يُعبِّر عن سرعة زوال حياة الإنسان، فأعطى تشبيهًا اقتبسه من البيئة الصحراوية التي عاشوا فيها، حيث كانوا يقضون حاجتهم في العراء، وتحت أشعة الشمس الحارقة سريعًا ما تجف هذه الفضلات وتُبدَّد، وهكذا جسد الإنسان بعد مفارقة الروح له يفقد السوائل التي فيه ويتحلَّل وتبقى عظام تيبس إلى حينٍ ثم تتحلَّل أيضًا، فقال: "فَرَحَ الْفَاجِرِ إِلَى لَحْظَةٍ..! كَجُلَّتِهِ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُ.. الَّذِينَ رَأَوْهُ يَقُولُونَ: أَيْنَ هُوَ؟ كَالْحُلْمِ يَطِيرُ فَلاَ يُوجَد،ُ وَيُطْرَدُ كَطَيْفِ اللَّيْلِ" (أي 20: 6-8)، فقد أعطى صوفر تشبيهين أحدهما الفضلات الآدمية التي تجف وتتبدَّد سريعًا، والآخر الحُلم الذي يعبُر سريعًا، ودعى هذه الفضلات بالجلَّة، والجلَّة معروفة في صعيد مصر، حيث يخلطون روث المواشي بالتبن ويشكلونها أقراصًا تُجفَّف ثم تُستخدم كمواد للاشتعال في الأفران وغيرها، وقد أمر الله حزقيال النبي بأن يستخدم هذه الجِلَّة (خِثىَ البقر) ليُطهي طعامه الذي كان يأكله وهو متكئ على جنبه رمزًا لتذلُّل بني إسرائيل في السبي (حز 4: 4-17).

     وكما أن فضلات الإنسان ذات رائحة كريهة، هكذا الإنسان الشرير هو مكروهًا لدى الآخرين، وقال المُرنِّم " كَزَغَل عَزَلْتَ كُلَّ أَشْرَارِ الأَرْضِ" (مز 119: 119) والزَغَل هو الشوائب المختلطة بالمعادن، فقال الله لحزقيال: "يَا ابْنَ آدَمَ، قَدْ صَارَ لِي بَيْتُ إِسْرَائِيلَ زَغَلًا. كُلُّهُمْ نُحَاسٌ وَقَصْدِيرٌ وَحَدِيدٌ وَرَصَاصٌ فِي وَسْطِ كُورٍ. صَارُوا زَغَلَ فِضَّةٍ" (حز 22: 18).

     أمَّا التشبيه الآخَر الذي ساقه صوفر فهو الحلم الذي يطير ويُطرد كطيف الليل، والطيف هو الخيال، وكما يعبُر الحلم والطيف سريعًا هكذا تعبُر حياة الإنسان، ولذلك قال داود النبي: "عَرِّفْنِي يا رب نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هي، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ. هُوَذَا جَعَلْتَ أَيَّامِي أَشْبَارًا، وَعُمْرِي كَلاَ شَيْءَ قُدَّامَكَ... إِنَّمَا كَخَيَال يَتَمَشَّى الإِنْسَانُ" (مز 39: 4-6). نعم حياة الإنسان هي " بُخَارٌ يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ "
(يع 4: 14).

 

2- يقول " القمص تادرس يعقوب " أن صوفر النعماتي يريد أن يقول عن الإنسان الشرير " هذا الذي يبلغ كل هذه العظمة يبيد مثل جِلَّته (برازه أو روثه). الذين كانوا في دهشة من عظمته التي لا يمكن وصفها يتطلعون إليه، وإذ به غير موجود. لقد هلك تمامًا! كل ما تبقى رائحته التي لا تُطاق ولا تحتمل.

وقال البابا غريغوريوس الكبير:

{قيل عن كبرياء المرائي أنه يصعده إلى السماء، حيث فكره المتشامخ يبدو كمن يقوده إلى الحياة السماوية. وكأن رأسه قد بلغ إلى السحاب... لكنه " يبيد أخيرًا مثل المزبلة"، لأنه عند موته، حيث يُقاد إلى العذابات، إذ يكون مملوءً من روث العادات الشريرة يسقط تحت أقدام الأرواح الشريرة. فإن مباهج الحياة الحاضرة التي يظنها الأشرار صلاحًا عظيمًا يتطلَّع إليها الأبرار كروث. لذلك مكتوب: "الإنسان الكسلان يُرجم بروث الثيران" (ابن سيراخ 22: 2)}.

كالحلم يطير فلا يوجد ويُطرَد كطيف الليل... (يقول القديس غريغوريوس النزينزي):

{هكذا يا إخوتي هي حياتنا، نحن الذين نعيش حياة زمنية. هكذا هي اللعبة التي نمارسها على الأرض. جئنا إلى الوجود من العدم، وبعد وجودنا ننحل. إننا أحلام لا جوهر لها، روئ غير مُدرَكة، كطائرٍ عابرٍ يطير، وكسفينةٍ لا تترك أثرًا على البحر (الحكمة 5: 10-11)، نحن ذرة تراب، بخار، ندى الصباح، زهرة تنمو في لحظةٍ وفي لحظةٍ تذبل. أيام الإنسان مثل عشبٍ وزهرة حقل هكذا ينتعش (مز 103: 15). حسنًا داود المُلهَم بالروح ناقش ضعفنا، وقال " لأعرف قصر أيامي"، وعرف أيام الإنسان أنها في طول الشبر (39: 4-5)}"(1).

 

3- سبق القول أن كلام أصدقاء أيوب تُنسب إليهم وليس للوحي الإلهي، ودور الوحي هنا هو دفع الكاتب لتسجيل هذه الأقوال كما هي بما فيها من أمور صحيحة أو خاطئة، وذلك لتكون عِبرة للأجيال، وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى س 1504. لقد كان أليفاز مقتنعًا بالخبرات الحياتية، وبلدد مقتنعًا بالتقاليد، أمَّا صوفر فقد كان مُغرمًا بنفسه واثقًا في ذاته، فكان متسرعًا وقاسيًا، اتَّهم أيوب اتَّهامات قاسية باطلة، ولم يُدرِك أن تجربة أيوب كانت تجربة فريدة من نوعها، ولهذا استحقت أن يفرد لها الروح القدس سفرًا كاملًا، وفي حديث صوفر الأول والثاني هذا أفرغ كل ما لديه من طاقات الغضب، حتى أنه لم يتبقى ما يقوله في جولة الحوار الثالثة فصمت.

وعلى كلٍ فإن التشبيه الذي ساقه صوفر النعماتي قد اقتبسه من البيئة التي عاش فيها، وهذا التشبيه لا يخدش الحياء في شيء، ولذلك استخدمه الوحي الإلهي تارة في سفر حزقيال كما رأينا، وتارة أخرى للتعبير عن فناء بيت يَرُبعام بن ناباط أول ملوك المملكة الشمالية والذي قاد شعبه لعبادة الأوثان، فقال الله له على لسان أخيا النبي: "هأَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى بَيْتِ يَرُبْعَامَ، وَأَقْطَعُ لِيَرُبْعَامَ كُلَّ بَائِلٍ بِحَائِطٍ مَحْجُوزًا وَمُطْلَقًا فِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْزِعُ آخِرَ بَيْتِ يَرُبْعَامَ كَمَا يُنْزَعُ الْبَعْرُ حَتَّى يَفْنَى" (1مل 14: 10) والبائل بحائط هو الكلب، والبعر هو فضلات الماعز والإبل.

 

4- سبق القول أن الترجمة السبعينية هي ترجمة تفسيرية، وفي سفر أيوب بالذات كثيرًا ما اختلفت الألفاظ بين الأصل العبري وهذه الترجمة، ولكن في النهاية نجد المعنى واضحًا، فعوضًا عن القول " كجِلَّته إلى الأبد يبيد " في الأصل العبري جاءت هذه العبارة في الترجمة السبعينية: "عندما يظن أنه توطد حينئذ يهلك تمامًا"، ومنها أخذت الترجمة القبطية: "وظنَّ أنه ثابت فحينئذ يهلك إلى الأبد". فواضح أن المعنى النهائي واحد، وهو أن الشرير سريعًا ما تنتهي حياته ويهلك.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) تفسير سفر أيوب جـ2 ص 783، 784.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/1566.html