St-Takla.org  >   books  >   fr-tadros-malaty  >   chrysostom
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

القديس يوحنا ذهبي الفم (سيرته، منهجه وأفكاره، كتاباته) - القمص تادرس يعقوب ملطي

20- منهجه الكرازي: العمل الكهنوتي الرعوي الكرازي

 

مدرسة الخدمة

الخدمة في حياة القديس يوحنا ليست أعمالًا رسمية يلتزم بها ولا واجبات تقتضيها وظيفته الكهنوتية، لكنها هي كل حياته. فقد جاءت سيرته تكشف لنا عن شخصية أسقف يعشق الرعاية ولا يكف عن الكرازة، حبه لشعبه بل أقول حبه للبشرية قد امتص كل طاقاته وأحاسيسه وعواطفه، حتى أعلن في أكثر من موضع أنه لا يعيش إلا لأجلهم!

أقول بكل صدق إن كتابًا كهذا يعجز عن أن يسجل لك منهجه في الخدمة أو يكشف لك أعماله الكهنوتية الرعوية الكرازية، إذ حمل وراء أعماله "روحًا" لا تترجمها حروف ولا تعبر عنها كلمات! لكن ما أرجوه في الرب، أن ندخل سويًا بروح الخدمة إلى تلك الحياة التي عاشها لا لنسجل منهجه بل لنمارس معه "حياة الخدمة" وأن اختلفت ظروفنا عنه أو لم نتسلم درجة كهنوتية مثله!

ولكي نتذوق هذا المنهج ونعيشه يلزمنا أن نتعرف على "مدرسة الخدمة" التي نشأ فيها لينطلق بهذه الطاقات الداخلية الفريدة.

St-Takla.org Image: St John Chrysostom, St Patrick's cathedral, New York City, United States of America صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس يوحنا الذهبي الفم، في كاتدرائية القديس باتريك، مدينة نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية

St-Takla.org Image: St John Chrysostom, St Patrick's cathedral, New York City, United States of America

صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس يوحنا الذهبي الفم، في كاتدرائية القديس باتريك، مدينة نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية

في غير تحفظ يمكنا أن نقول أنه بدأ يتدرب على روح الخدمة في مدرسة الإنجيل، لا في مجرد دراسته، وإنما خلال ممارسته "الحياة الإنجيلية التقوية" فقد سحب الإنجيل قلب الشاب يوحنا نحو "الحياة النسكية الإنجيلية" كأفضل مناخ يلتقي فيه عمليًا مع الإنجيل، فترك مهنته ومجتمعه وأصدقاءه، وكان يود أن يترك والدته، معتكفًا في داره يطلب الوحدة من أجل الجهاد في تنفيذ الوصايا الإنجيلية. لقد اتهمه أصدقاؤه بالانعزالية والانطوائية ولم يدروا أن "الحياة الإنجيلية النسكية" هي خير مدرسة لتدريب النفس على روح الحب الباذل. لست أعني بهذا أن الحياة النسكية الرهبانية طريق للخدمة لكنها وهي طريق التعبد والوحدة مع الله تخلق قلبًا ملتهبًا بحب البشرية في المسيح يسوع. أنها تهب روح الخدمة، لا خدمة الوعظ أو التدابير والتنظيمات والإداريات، لكن خدمة الحب الباذل: اتساع القلب بالروح القدس لكي أن أمكنه يحمل العالم كله بالحب فيه!

من خلال الإنجيل، ولأجل الإنجيل، انطلق قديسنا نحو "الحياة النسكية الإنجيلية" المنفتحة لله وللناس... لا بكونها انعزالًا عن الناس بل اتحادًا مع الله خلال الوصية، وانفتاح القلب بالحب نحو البشرية كلها(1).

مارس "النسك الإنجيلي" بكونه التصاقًا بالله محب جميع بني البشر... فبدأ يمارس خدمته ليس بالتدرب على خبرات كلامية أو تصرفات رعوية خارجية، لكن خلال لقائه العميق مع "الراعي الأعظم" وهو منجذب بالإنجيل نحو البرية.

في غير مبالغة يمكننا أن نقول أن الذهبي الفم بدأ خدمته الحقة منذ فتح إنجيله في داره ورفع قلبه بالحب في مخدعه مشتهيًا خلاص نفسه وخلاص العالم كله كانت عيناه الخارجيتان تتطلعان إلى البرية مشتاقًا أن يهرب من الناس ليكون على الدوام بين يدي الله يتعبد، وكانت بصيرته الداخلية ترتفع نحو الصليب ليرى البشرية تتقدس بالدم الكريم لتعبر نوح المجد الأبدي!

لم يعاني القديس صراعًا بين حب الوحدة وبين حب البشرية، بل رأى فيهما انسجامًا واتفاقًا، فهو يدخل إلى البرية حاملًا حبه للبشرية معه، يدخل إلى الله وهو هرب من محبة اهتمامات العالم، حاملًا العالم (البشر) في قلبه!

لست أقول هذا من عندياتي، إنما جاءت الأحداث كلها تؤكد ذلك. فعلى سبيل المثال، أحس المؤمنون بنيران حبه لخلاص أخوته تشتعل في قلبه بالرغم من عزلته، فتهافتوا على سيامته أسقفًا مع صديقه باسيليوس، أما هو ففي شعوره بضعفه وعدم استحقاقه اضطر أن يهرب من الأسقفية، لكن حبه المتقد بخدمة النفوس جعله يزج بصديقه نحو السيامة معرضًا نفسه للوم الزائد ولمتاعب كثيرة.

أكثر من هذا، هروبه من الأسقفية فضح بالأكثر أعماق قلبه، إذ لم يحتمل أن يترك نفس الأسقف باسيليوس متألمة فكتب إليه يعتذر، مسجلًا لنا مقاله العظيم "عن الكهنوت(2) De Sacerdotio"  الذي أعلن في نهايته بكل وضوح تفضيله لحياة الخدمة لولا عجزه وضعف إمكانياته، لا بل سجل لنا في هذا المقال خبرات رعوية دقيقة، مع أنه لم يكن بعد قد مارس الخدمة بمفهومها الظاهري، وستجد المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام المقالات والكتب الأخرى. لقد خط بيده دستورًا قيمًا للعمل الكهنوتي الرعوي الكرازي.

بعد ذلك جاءت "حياته الديرية" أيضًا تؤكد هذه الحقيقة: اتساع قلبه بالحب لخلاص إخوته، كما سنرى في "منهجه الرهباني" أن أراد الرب.

أخيرًا فأن خدمته الكهنوتية تعتبر كتابًا عمليًا ترجم لنا كل ما حمله قلبه من حب منذ بداية حياته الروحية...

أما منهجه فنستطيع أن نعرضه في الخطوط العريضة التالية:

1. وحدة العمل الكهنوتي الرعوي الكرازي.

2.  إيمانه بخدمة الكلمة كعمل كنسي.

3.  الكرازة: دخول في التوبة.

4.  الرعاية: أبوة وتدبير.

5. الكهنوت: مسئولية وبذل.

6.  حياة مسيحية.

7. الكرازة والحفاظ على الإيمان.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) راجع مفهوم "الوحدة" و "النسك" في هذه السلسلة (1) ص 54-55. للمؤلف أيضًا: سر الألم (سر الوحدة) ص 8-10.

(2) قامت كنيسة العذراء بالفجالة بترجمته ونشره تحت اسم "الكهنوت المسيحي".


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا







External ads إعلانات خارجية



https://st-takla.org/books/fr-tadros-malaty/chrysostom/proclamation.html