St-Takla.org  >   books  >   fr-angelos-almaqary  >   john-chrysostom-repentance
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب عظات عن التوبة: للقديس يوحنا ذهبي الفم - القمص أنجيلوس المقاري

6- العظة السادسة على التوبة: أُلقيت في الأسبوع السادس من الصوم الكبير

 

محتويات: (إظهار/إخفاء)

الصوم
الذين يصومون بطريقة خاطئة
الصوم المادي والصوم الأخلاقي
استطراد على الزنا
المكافأة بحسب الجهد المبذول
تطهير القلوب
مثل الوزنات
مثال البتولية
من ناموس موسى إلى العظة على الجبل
كلمات الأنبياء عن العهد الجديد
نبوة الأحداث
من النبوة إلى تحقيقها
تعليم العهد الجديد
الجزاء والعقوبة
امتحن قلبك

مثل الأمواج التي تسكب هذا المد الروحي، هكذا نكون نحن مقبولين! وأمواج المد الروحي توّلد لنا فرحة عظيمة أكثر من تلك التي تكون لنا عندما نتأمل أمواج المحيط!

إن أمواج المحيط لا تحركها إلا تقلبات الرياح الهوجاء، لكن أمواج هذا المد الروحي تثير شوقنا لسماع الكلمة المقدسة.

 عندما تهيج أمواج المحيط تكون السفينة فريسة لمصاعب شديدة، وبالمقابل فبمجرد أن تنتعش الأمواج الروحية فهي تجعل القارئ يسبح في أمان هادئ ولذيذ.

إذًا فالأمواج المادية علامة لبحر مضطرب، والأمواج الروحية علامة لسعادة النفس. الأمواج المادية تنكسر على الصخور بضجة تصم الآذان، أما الأمواج الروحية فتتدفق في كلمات التعليم وتدعها تسيل بأصوات مريحة.

عندما تأتي رياح النسيم على حقول القمح تجعل السنابل تنحني ثم تستقيم ونتيجة لهذا يبدو لنا وكأن تموجات البحر قد صارت على الأرض، ولكن فيما يختص بالروحيات فلا مجال للمقارنة بالمرة. إن الذي ينعش نفوسنا ويجعلها تلتهب، ليس نسمة الريح بل نعمة الروح القدس. تلك هي النار التي قال عنها المسيح: جئت لألقي نارًا على الأرض ولا أريد إلا اضطرامها (لو 12: 49)، وأنا أراه يقيم نيرانه ويشعلها في قلوبنا.

إذًا فلننشر من الآن زيت الكلمة لكي نحتفظ أيضًا لمدة طويلة بالنار التي أشعلتها فينا مخافة الرب يسوع.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الصوم

إن فترة الصوم قد قاربت على نهايتها، فطالما نحن قد تخطينا النصف الأول من الصوم، لذلك يُعتبر قد قارب جدًا على النهاية. وعمليًا عندما نبدأ عملًا ما نجتهد مضغوطين حتى ننجز نصفه، بعد ذلك يدركنا إحساس مريح بأن العمل قد قارب على نهايته.

إذًا فقد قارب وقت الصوم على الانتهاء وسفينتنا على مرمى البصر من الميناء، ولكن اهتمامنا الأساسي ليس فقط إدراك الميناء بل هو ألا نقتاد سفينتنا إليه فارغة. إنني أسألكم وأشدد عليكم أن تفحصوا بطريقة ما ضمائركم لتعرفوا حقيقة ما أنتجه الصوم فيكم.

إن اعتبرتم أنفسكم وقد حققتم فائدة كبيرة من الصوم فلا تترددوا في متابعة سعيكم، أما إذا لم تجنوا أي فائدة تُذكر، فاستفيدوا من الوقت المتبقي لتغتنوا فيه.

اعملوا بهذه النصيحة في الفترة الباقية: ضاعفوا جهودكم لتزداد مكاسبكم لكي لا تخرجوا من الصوم صفر اليدين، لأنه ستصير خسارتنا كبيرة أن لم نربح شيئًا من الصوم بعد أن اجتزنا مصاعبه.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: Arabic Bible verse: "So when they had all done this together, and had craved mercy of the Lord with weeping and fasting, lying prostrate on the ground for three days continually" (2 Maccabees 13: 12) - Designed by Michael Ghaly for St-Takla.org. صورة في موقع الأنبا تكلا: آية من الكتاب المقدس: "ففعلوا كلهم وتضرعوا إلى الرب الرحيم بالبكاء والصوم والسجود مدة ثلاثة أيام بلا انقطاع" (المكابيين الثاني 13: 12). - تصميم مايكل غالي لـ: موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org Image: Arabic Bible verse: "So when they had all done this together, and had craved mercy of the Lord with weeping and fasting, lying prostrate on the ground for three days continually" (2 Maccabees 13: 12) - Designed by Michael Ghaly for St-Takla.org.

صورة في موقع الأنبا تكلا: آية من الكتاب المقدس: "ففعلوا كلهم وتضرعوا إلى الرب الرحيم بالبكاء والصوم والسجود مدة ثلاثة أيام بلا انقطاع" (المكابيين الثاني 13: 12). - تصميم مايكل غالي لـ: موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

الذين يصومون بطريقة خاطئة

هذا الافتراض المحزن ليس خياليًا، ففي أي ظرف ممكن أن يتحقق؟

عندما -على سبيل المثال- نمتنع عن الطعام دون أن نبتعد عن الخطايا، عندما نمتنع عن أكل اللحوم ونلتهم معاش الفقراء، عندما نمتنع عن شرب الخمر ونسكر بالشهوات الفاسدة، عندما نجتهد كل يوم من أيام الصوم أن نرى مناظر خليعة.

نحن في هذه الأحوال نتحمل بالحق صرامة الصوم دون أن نجني أي فائدة إذ نتسابق الخطى إلى هذه المسارح الكريهة. ولكن ليس إليكم أوجه هذا الكلام إذ أعرف يقينًا أنكم غير معنيين بهذه الاتهامات، ولكن يحدث كثيرًا للمتألمين أن يصبوا سخط غضبهم على الماثلين أمامهم، وذلك عندما لا يكون في مقدورهم أن يدركوا المسئولين مباشرة عن أتعابهم.

ما فائدة الصوم لهؤلاء الناس الذين يترددون على هذه المسارح البذيئة، والذين يذهبون لمدارس العالم الخليعة، والذين يذهبون للأماكن التي يتم فيها ممارسة الزنا، والذين لا يكفون عن الجلوس هناك حيث تتملك الرذائل؟

إنه لا يوجد تهويل في وصف تلك الأماكن بعرش الرذيلة، مملكة الفجور، مدرسة الفسق، مسرح الخلاعة... هذه الأماكن فاسدة تمامًا، هذه الأماكن موبوءة بكل أنواع الشرور، هذه أتون بابل.

عندما يدفع الشيطان كل المدينة إلى المسرح، فهو كمن يدفعها إلى أتون وبالاحتيال يحرقها دون أن يستخدم أخشاب وحطب كما فعل ملك بربري، ليس بالنفط ولا بمشاقة الكتان ولا بالزفت، ولكنه يلجأ إلى طرق أكثر فظاعة من تلك: عن طريق نظرات داعرة أو كلمات بذيئة أو أوضاع فاحشة أو أغنيات مليئة بالكلام المبتذل والفاسد.

إن الأيدي البربرية أشعلت أتون بابل، ولكن تلك التي أحدثكم عنها أشعلت الأحاسيس وأتلفتها بدناءتها وفسادها، بل أن تلفياتها مرعبة جدًا، فلهيبها لا يهاجم الجسد بل يتلف النفس. إنه لا يوجد شيء أكثر رعبة من كون ضحايا الشيطان يحترقون دون أن يدركوا ذلك، ويقينًا لو كانوا مدركين لحقيقة حالهم لما تضاحكوا لتوافه الأمور، لذلك فإن أسوأ ما في الأمر هو أن المريض يجهل الضرر الذي حل به ويحترق بتعاسته دون أن يدرك ويشعر بالحريق الذي يلتهمه.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الصوم المادي والصوم الأخلاقي

ما الفائدة من الصوم إذًا إن كنتم قد أجبرتم أجسادكم عن الامتناع عن الأطعمة المعتادة وقدمتم لنفوسكم أطعمة أثيمة؟ إن كنتم في نفس موسم الصوم تمضّون يومكم في مشاهدة مناظر الانحطاط الخلقي والنظر إلى النساء الفاجرات، والرجال الذين قد التصقت بهم كل الرذائل التي يمكن تخيلها وهم يمثّلون مشاهد جنسية.

إنهم يقدمون مشاهد الدعارة والزنا ويضيفون عليها التجديفات بحيث أن الشر يتسلل إلى داخلنا بالرؤية كما بالسمع. أي أهلية للصوم عندما تكون النفس مُجربة بمثل هذه المناظر الخليعة؟ بأي نظر تنظر لزوجتك وابنك وصديقك وخادمك لدى خروجك من هذه الأماكن؟ ليس أمامك إلا أمرين: إما أن تتحدث عن هذه الأمور فتفضح نفسك أو أن تنغلق على نفسك لخزيك وتلزم الصمت.

لكني أطمئنكم بأن حالكم لن يكون هكذا عندما تغادروا هذا الاجتماع وتعودوا لبيوتكم، إذ أنكم ستقصون بكل بساطة كل ما قيل هنا من أقوال الأنبياء وتعاليم الرسل ووصايا الرب، وتستطيعوا أن تزينوا المائدة بكل أنواع الفضائل والقصص، وستجعل بذلك -أيها الرجل- زوجتك أكثر حكمة وابنك أكثر تعقلًا وخادمك أكثر رشدًا وصديقك أكثر أمانة، وفوق هذا ستقنع عدوك لينبذ عداوته معك.

 

2- هل ترون كل المنفعة التي تقدمها هذه التعاليم من أجل خلاصكم؟ أ أدركتم أيضًا إلى أي مدى يمكن أن يكون ضرركم إذا ما استمعتم إلى ما يُلقى في المسارح وما شابهها؟

أي فائدة ستجنيها من الصوم إن كان قاصرًا على جسدك فقط، بينما تلذذ عينيك بالمناظر الخليعة. نعم لا تنسى أن الزنا لا يقتصر على العلاقات الأثيمة فقط ولكنه يشتمل أيضًا على النظرات الفاسقة. إن التعاليم التي أزرعها فيك على النقيض من تلك التي تدمرك، فأنا أعطيك أدوية لدائك والمسارح تجعلك تتأصل في الشر تمامًا. أنا أحاول أن أُسكنَّ لهيب شهواتك الجسدية، ولكن تلك لا تتوقف عن إضرامها، فأيهما الأفضل إذًا لك؟ إنني أسألك؟

"واحد يبني والآخر يهدم، ماذا اكتسبوا غير التعب"[ابن سيراخ]. لذلك ليس لنا أن نعبر من الواحد للآخر، ولكن لنكرس أنفسنا تمامًا للصوم لكي تثمر جهودنا بثمارها الوفيرة بدلًا من أن نعمل باطلًا على إدانة أنفسنا.

الواحد يبني والآخر يهدم، ماذا اكتسبوا غير التعب. من المؤكد أن البنائين ولو أنهم كثيرين، إلا أنه إذا ابتدأ واحد فقط في التخريب فعمله التخريبي سيجرف معه بسهولة كد وتعب كل باقي العاملين الآخرين.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

استطراد على الزنا

إنه شيء مخزي تمامًا أن الشباب وحتى الكهول يتباروا مسرعين في اقتراف هذه الانحرافات الأخلاقية، وليت آثار هذا الشر تتوقف عند الإحساس بالخزي الذي هو شيء غير محتمل لمن يدرك كرامته الإنسانية، إذ أن التوبيخ والعار الذي لحق به يكون بمثابة أسوأ الإهانات له.

أيضًا فإن هذه الأفعال تتطلب عقوبة تفوق الخزي، فهي تستلزم عقوبة شديدة وانتقام مريع. إذ أن كل الأشخاص الذين يترددون على هذه الأماكن حتمًا يقترفون الزنا ليس فقط بتسليم أنفسهم لهذا الفعل الأثيم، بل أيضًا بإلقائهم نظرات شهوانية على النساء المتواجدات هناك.

إن حتمية معاقبة هؤلاء الرجال، أمرًا لا أقوله من نفسي، لئلا تظنوا ذلك فلا تعطوا هذا الأمر قدره من اهتمامكم، ولكني سأقتبس من الأقوال الإلهية ما يعضد كلامي حتى تذعنوا ولا تعارضوا: "قد سمعتم إنه قيل للقدماء لا تزن، وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" (مت 5: 27-28). هل ترون وضع الزنا الخاص؟ هل ترون الأبعاد الحقيقية لهذه الخطية؟ إن أكثر ما يخيف هو أن الزاني لن يُقدم لمحكمة بشرية ليجيب عن جريمته ولكنه سيقف أمام المحكمة الإلهية حيث العقاب سيكون أبدي.

"كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه". إن الرب لا يهاجم فقط الفعل الشرير ذاته، بل أيضًا أصل الشر الذي هو فعليًا ليس شيء آخر سوى الشهوة الدنسة، لذلك فإن الذي يُلام ليس فقط الزنا الفعلي، بل أيضًا الشهوة التي هي الأصل.

إن الأطباء أيضًا يتصرفون بنفس الطريقة إذ أنهم لا يحاربون فقط المرض، بل أيضًا يبحثون استئصال أصل وسبب المرض، وهكذا إن كان أحد مرضاهم يعاني من آلام في عينيه، فهم يبدأون في تقصي أسباب انسكاب الدموع المؤلمة من بدء زمن انسكابها. وهكذا مبدأ المسيح، فالزنا يُشّبه بمرض حقيقي للعين، ولكن الألم لا يؤثر هنا على العيون الجسدية، بل على تلك التي للنفس، لهذا فقد تعقب الشهوانية بالرجوع خطوات إلى الخلف ليستأصلها من جذورها، فأعطى النظرة الشهوانية نفس تقييم الزنا ذاته.

"... فقد زنا بها في قلبه" فإن كان القلب قد فسد فأي منفعة تُرجى في بقية الجسم؟ عندما يهلك القلب فما أهمية الجسم حتى لو كان في صحة جيدة! لقد مات قائد المركبة، لقد قُتل ودُفع للأرض من أعلى مركبته، فباطلًا تستطيع الخيول متابعة سيرها.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

المكافأة بحسب الجهد المبذول

بالتأكيد الوصية صارمة والتقيد بها يتطلب جهدًا عظيمًا جدًا، ولكن الجزاء الذي نحصل عليه رائع. ثم أليس ميزة التجارب الأكثر صعوبة أنها تمنح مكافآت عظيمة؟

فلا تنشغلوا فقط بالتعب بل فكروا بالأحرى بالمكافأة.

إن كنتم في حياتكم الحالية لا تُقدمون مطلقًا على الأعمال الحسنة إذا راعيتم فقط التعب الذي تتطلبه إذ ترونها دائمًا كفرض ثقيل وصعب، أما إذا وضعتم في اعتباركم الجزاء الذي تمنحه فستظهر لكم إنها في غاية السهولة.

إن البحّار لا يخرج مطلقًا بسفينته من الميناء إذا وضع في اعتباره فقط أخطار البحر، ولكن بمجرد أن يفكر بالمكاسب التي يمكن أن يحققها ويقارنها بالخطر المستوجب فلا يتردد في أن يجرب حظه ويجابه المحيط، وبالمثل فإن الجندي إن وضع الجروح والقتل فقط في اعتباره فلن يلبس درعه إطلاقًا. أما إن كان في مقابل هذه المخاطر يضع نصب عينيه الأكاليل والانتصارات فحتمًا سيندفع إلى ميدان المعركة كما لو كان مسرعًا إلى احتفال بهيج.

وهكذا يظهر لكم أن الأمور المتعبة بطبيعتها تبدو لنا سهلة بمجرد أن نضع في الاعتبار لا التعب الذي تتطلبه بل المكافآت التي تقدمها.

هل بذل الجهد بانتظار المكافأة شيء غريب يحيركم؟

اسمعوا ما يقوله لنا بولس الرسول بخصوص هذا الموضوع: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدي" (2كو 4: 17). لو كان هذا الأمر بسيط فلماذا نعته ب "الضيقة"؟ فهذه تعبيرات متضادة تمامًا، لذلك فإن بولس الرسول قد أزاح الستار عن هذا اللغز وشرح هذه الخفة في سياق حديثه "... ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى بل التي لا تُرى" (2كو 4: 18)، وهو إذ يكشف لنا عن المكافأة [ثقل مجد أبدي] لذلك لم يعد الجهاد يبدو صعبًا وشديدًا، وهو إذ يعادل المكافأة مقابل جهادنا فبهذا تنتفي كل صعوبة وشدة جهاد.

والآن عندما تشاهدوا امرأة جميلة ذات ثياب براقة، وتشعروا أن شهواتكم قد ثارت فيكم، وأنتم قد سٌبيتم بها فارفعوا أعينكم للإكليل الفوقاني فتسودوا على الشعور الخاطئ من جراء هذا المشهد المثير.

أتنظرون رفيقة العبودية (الجميلة)؟ انظروا للسيد وأنتم تضعون (بهذا) نهاية لعذابكم الناجم من عنف الشهوة.

إن الفتيان قادرين على طاعة معلميهم في تلمذة كاملة وينكبوا على دروسهم، أما أنتم فغير قادرين على التحرر من هذه الانحرافات. ألا ترتفعوا عن الاستسلام لأفكاركم إلى التلمذة للمسيح؟

"كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه". إنه يلذ لي أن اقرأ هذه الآية كثيرًا. إنني أستطيع أن أكلمكم عنها طول النهار!

أنتم لستم أكثر من سائر المؤمنين الآخرين الذين عليهم أن يجيبوا عن هذه الخطايا ولكي كلامي موجّه إليكم أيضًا لأنكم بهذا تزدادون ثباتًا، والذين هم فريسة لهذا المرض يستردون صحتهم بسرعة "كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه".

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

تطهير القلوب

3- هذه الكلمات البسيطة جدًا التي وجهتها لكم كافية لتطهيركم (بنعمة الله) من سم الخطية. نحن نحاول أن نغسل ونطهر الجروح، ولكن أرجو أن تسامحوني لأن من يضمد الجروح يستعمل بعض الأدوية المرّة. ومع ذلك أرجو أن تتعلموا كيف تتخلصون من الشر بسرعة عن أن تحتملوا كلماتي بامتنان. ونفس الشيء يحدث أيضًا في الطبيعة إذ أن النار تفصل الذهب بسهولة أكثر من الخبث المختلط به، وهكذا الخوف الناشئ من جراء كلامي يعمل فيكم بنفس الطريقة، فكلما زادت كلماتي الموجهة لنفوسكم كلما حررتكم بالأكثر من شهوة الفسق، فنحن إذًا ننجح في حرقها بنار هذا التعليم بدلًا من أن نخضع للحرق بلهيب جهنم.

لكن ليس لكم على الإطلاق أن تخافوا من نار التعليم إذ به تتركون هذا العالم الأرضي وقد تطهرتم. ولكن النفس التي سترحل ملطخة بكل هذه الأدناس حتمًا ستذهب للنار الأبدية، وبولس الرسول يقول لنا" "لأنه بنار يُستعلن وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو" (1كو 3: 13). إذًا فمن الأفضل أن نخضع أنفسنا لامتحانٍ ألمه قليل، أفضل من أن نُجبر على احتمال العذاب مؤخرًا في نار الألم.

رُبَّ من يعترض: إن الناموس بذلك قد صار أكثر سهولة في حفظه (عن وصايا العهد الجديد).

كيف؟ هل الله يفرض علينا المستحيل؟

إطلاقًا. إنه من الأفضل كثيرًا أن تصمت عن أن تتهم الرب!

فمثل هذا الاعتراض لا يخدم إطلاقًا قضيتك، بل على العكس فإن احتجاجك هذا يجعل خطيتك أكثر ثقلًا عما قبل. ومن سوء الحظ أن الخطاة كثيرًا ما يكيلون الاتهام للرب، ولكن اسمعوا هذا المثل...

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

مثل الوزنات

إن الرجل الذي أخذ خمس وزنات ربح بها خمس وزنات أُخر، وأحد رفقائه الذي أخذ وزنتين هو أيضًا ربح وزنتين أخريين، وأتى أخيرًا الذي لم يأخذ إلا وزنة، وإذ لم يكن له وزنة إضافية يقدمها (كربح)، فقد قدم بدلًا منها اتهامًا صاغه هكذا: "يا سيد علمت أنك إنسان قاس تحصد حيث لم تزرع وتجمع حيث لم تبذر" (مت 25: 24).

يا له من عبد أحمق! وكأن سلوكه السيئ لم يكفه حتى يضيف عليه اتهام لسيده. وبالمثل فكل الذين تخلو حياتهم من كل عمل صالح، فإنهم يكملون حمل خطاياهم باتهامهم للرب. لا تكيلوا الاتهام للرب فهو لا يوصي بالمستحيل، هل تريدون الدليل؟

إن كثيرًا من البشر فاقوا حدود الوصايا الإلهية، وأيضًا لو كانت هذه الوصايا تتطلب المستحيل، فهم لن يستطيعوا الذهاب إلى أبعد مما يستطيعون بقدرتهم الذاتية، ومثال ذلك فالله لم يتشدد في أمر البتولية، ومع ذلك فإن كثيرًا من البشر صاروا متبتلين. والله أيضًا لم يأمر بالفقر، ومع ذلك فإن كثيرًا من المؤمنين جعلوه منهاج حياتهم، وهكذا برهنوا على السهولة العظيمة التي بها فاقوا الشرائع التي هي في صيغة وصايا. وهل حقًا كان هؤلاء البشر يستطيعون الذهاب أبعد من هذه الشرائع لو أنهم لم يحترموها بسهولة؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

مثال البتولية

لم يعط الرب الأمر إطلاقًا بحفظ البتولية، ولو كان فعل هذا لأخضعها لسلطان الوصية ولأعتنقها عدد كبير من البشر رغمًا عنهم. ولكنه على العكس أعطاها فقط في صيغة نصيحة وترك للمؤمن كل الحرية للاختيار، لهذا فإن بولس الرسول يقول لنا: "بالنسبة للعذارى ليس لدي أمر من الرب ولكن أعطي رأيًا" (1كو 7: 25).

إنه يقطع هنا بأن الموضوع لا يختص بأمر ولكن بنصيحة، ليس وصية بل مجرد توصية، ويوجد بون شاسع بين الاثنين، فالأولى تبدو إلزامية، أما الثانية فاختيارية. لقد أضاف: لست آمر حتى لا أفرض شيئًا، إنني أنصحكم وأعطي رأيًا لكي أدلكم على الطريق الفاضل.

إن المسيح أيضًا لم يقل على الإطلاق: تبتلوا كلكم. ولو كان الرب صاغ البتولية على هيئة أمر لكان من عاش حياته كلها في البتولية ما كان سيخرج منها الآن بأقل استحقاق (وأجر)، بينما الذي سقط عنها لصار مستوجب لقصاص القضاء الإلهي.

أتحققتم إلى أي اتجاه يديرنا المشّرع؟ وإلى أي درجة يعتني بخلاصنا؟

إنه كان يستطيع أن يصيغ الوصية هكذا: "فليُكرم الذين يحفظون بتوليتهم وليُعاقب الآخرون" ولكنه حينئذ كان كمن يقاوم الطبيعة وهذا لم يكن قصده.

إنه سمح بعدم حتمية (إدراج) البتولية في سباق الفضائل، ولكنه جعلها بحيث تكون هدفًا لتنافس اختياري أكثر نبلًا لكي يكون من يحفظونها مميزين بفضيلتهم والآخرين يستطيعون أن يطمعوا في تسامح الرب (لعدم اقتنائها حيث أنها اختيارية)، ولنفس السبب فإن الرب لم يجعل الفقر فضيلة ملزمة، فهو لم يقل: "اذهب بع أملاكك" ولكنه قال بالتحديد "إن أردت أن تكون كاملًا فاذهب وبع كل ما تملك... " (مت 16: 21).

إن كل شيء يعتمد على إرادتكم الذاتية، وأنتم القّيمون على ضمائركم، إنني لا أفرض عليكم شيئًا ولا أجبركم على عمل أي شيء قسرًا، ولكني سأكافئ من يسلك حسنًا (فيما أنصح به)، دون أن ألوم من لا يعمل برأيي ونصيحتي.

إن تصرفنا إطاعة لأمر فإننا لا نفعل أكثر من تنفيذ الأمر الصادر إلينا، لذلك لا نستحق أيضًا أي جزاء، ولكن ما أن يكون تصرفنا صادرًا ليس عن أمر، بل نابع من تصميمنا الشخصي وبمحض إرادتنا فهو حينئذ يستحق أكاليل بهية.

اسمعوا ما يقوله بولس الرسول بهذا الشأن: "لأنه إن كنت أبشر فليس لي فخر إذ الضرورة موضوعة عليّ، فويل لي إن كنت لا أبشر" (1كو 9: 16).

لقد لاحظتم بأنفسكم أن احترام الوصايا لا يستلزم أي مكافأة، لأن هذا أمر يختص بضرورة حتمية، فضلًا عن ذلك فإن من يتعداها يعرض نفسه لعقوبة: "الويل لي إن كنت لا أبشر". إن الأمر يختلف تمامًا بالنسبة للأعمال التي نتممها بمحض إرادتنا

"فما هو أجري؟ إذ وأنا أبشر أجعل إنجيل المسيح بلا نفقة حتى لم استعمل سلطاني في الإنجيل" (1كو 9: 18). ‍‍‍‍

في الحالة الأولى هو لا يفعل شيئًا أكثر من إطاعة أمر صادر إليه وبالتالي لا ينتظر أي جزاء، وفي الحالة الثانية هو يتصرف من تلقاء ذاته، لذلك يأمل في جزاء عظيم.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

من ناموس موسى إلى العظة على الجبل

4- إن كنت أكلمكم عن كل هذا، فهو بغرض أن أُظهر لكم أن الشريعة الإلهية لا يوجد فيها شيء متعب أو تعسفي أو غير محتمل أو مستحيل. لندع المسيح يثبت فينا ولنتذكر كلامه: "كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه"

وكما أنه علم أن كثير من البشر لن يتوانوا عن أن يتهموا الشريعة (الجديدة) بالصرامة، فهو لم يعلنها مجردة بل استبدلها بنص الشريعة القديمة لكي توّلد هذه المقابلة سلاسة واستحسان. وهكذا فهو لم يكتف بأن أعلن بطريقة مجردة: "كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقط زنى بها في قلبه" ولكنه كمقدمة بديلة ذكر الشريعة القديمة والنص هكذا: "لقد سمعتم أنه قيل: لا تزن، وأما أنا فأقول لكم: كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه"

هل رأيتم اقتران الشريعتين القديمة والجديدة، تلك التي قدمها كل من موسى والسيد المسيح؟

إنه من الإنصاف بالأكثر القول بأن السيد المسيح هو المصدر للاثنين، لأنه هو الذي أعلن الأولى على فم موسى. ولكن أين الدليل على أن ناموس موسى قد أوحاه إليه السيد المسيح؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

كلمات الأنبياء عن العهد الجديد

لن اقتبس كإثبات شهادة يوحنا ولا باقي الرسل حيث أنا مزمع أن أواجه مستمعي من اليهود وسأعضد شهادتي من الأنبياء الذين يثق فيهم اليهود، وسأبين لهم أن كلا من الشريعة القديمة والجديدة مشرعهما واحد. فماذا قال إرميا النبي؟

"وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا" (إر 31: 31).

هل ترون نبتة العهد الجديد في قلب العهد القديم؟ أتسمعون الاسم المدهش -أي اسم العهد الجديد- يُعلن في الأزمنة الغابرة؟ "سأقطع مع بيت إسرائيل عهدًا جديدًا". ولكن كيف نقطع باليقين أن السيد المسيح قد أعطى أيضًا العهد القديم؟

هذا ما يضيفه إرميا بعد ذلك: "ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم" (إر 31: 32).

هوذا نحن لم نحل بعد هذا الغموض، ومع ذلك سأعمل على دحض كل الاعتراضات وسأعطي جواب لا يُرد لكل اعتراض لكي أحرر حديثنا من كل غموض، ولن أترك فرصة للملاججة: "سأقطع مع بيت إسرائيل عهدًا جديدًا، ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم..."

لقد أعطى الرب عهدًا لنوح بعد الطوفان وهو يريد بهذا أن يسكّن روعنا لأنا صرنا نخاف التدمير الشامل، لهذا يعلن لنوح أيضًا "ها أنا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم" (تك 9: 9)، وقد قطع أيضًا مع إبراهيم عهدًا بالختان، وأخيرًا أعطى موسى العهد الذي يعرفه العالم كله.

أرجو أن تخبروني: عندما قال في إرميا "سأقطع عهدًا مع بيت إسرائيل ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم" يا ترى عن أي آباء يتكلم؟

لأن نوح كان أبًا وكذلك إبراهيم: فبمن كان يفكر إذًا؟ إن عدم التحديد هذا يخلق نوعًا من الارتباك والحيرة فيما يتعلق بآباء العهد.

أعيروني انتباهكم: "ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائكم".

لكي نرفع كل غموض مختص بالعهد محل النقاش، فهو قد حدد العصر الذي فيه قطع هذا العهد فأضاف قائلًا "يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر" (إر 31: 32). بفضل هذا التحديد قد صار كل شيء واضح!

لماذا ذكر الخروج؟ لكي يُظهر منتهى عطفه الأبوي، فهو لم يخرجهم كعبيد ولكنه اقتادهم كما يقتاد الأب ابنه الصغير، وأخرجهم ممسكًا بيدهم كأبناء أحرار من دم نبيل ولم يأمرهم بالسير في الخلف كعبيد.

هل اقتنعتم الآن بالمصدر الواحد لكلا العهدين؟ إذًا فمن الآن نحن في مأمن من كل هجوم على هذه النقطة‍‍‍‍‍‍‍، وسأعرض عليكم في متابعتي للبراهين مقتبسًا هذه المرة من العهد الجديد لكي تدركوا حسنًا التوافق الكامل الذي يربط العهدين.

لقد ذكرنا بهذا النبوة اللفظية ونصل الآن لنوع آخر من النبوة التشبيهية، لكن ربما يبدو أن كلا النوعين من النبوة غامض لذلك سأشرح لكم معنى ذلك بإيجاز.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

نبوة الأحداث

النبوة التشبيهية يُعبّر عنها من خلال أحداث بينما النبوة اللفظية تستمد دعمها من الكلمات. النبوة اللفظية لها حظ أوفر في النفاذ للأرواح الأكثر بصيرة، بينما النبوة المجازية مرتبة ببرهان الأحداث للأرواح الأقل ذكاء (وبصيرة).

إن حدثًا مهمًا كان على وشك أن يتم، فالله كان يعد العدة للتجسد، وأرضنا كانت في طريقها لأن تتحول إلى سماء وطبيعتنا كانت سترتفع لتصل حتى إلى كرامة الملائكة، وأخيرًا فإن هذه الإحسانات المزمعة تفوق كل آمالنا، وهي كلها أعاجيب لم يُسمع بها، فلكي لا تربك كثيرًا الشهود وقت حدوثها، مثّل الله العلويات مستخدمًا الأحداث والكلمات وهو يريد بهذا أن يعد البشر للظواهر التي ستحدث فيّعودوا عيونهم وسمعهم عليها.

ونحن هنا نجد كلا النوعين من النبوة التي سبق أن حدثتكم عنها، الواحد مجازي يستخدم الأحداث والآخر لفظي تعضده الكلمات، فهل تريدون أن أقتبس لكم أمثلة للنبوات المجازية واللفظية المستخدمة لنفس الموضوع؟

"كشاه تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها" (إش 53: 7) هذه نبوة لفظية.

عندما اقتاد إبراهيم اسحق ابنه للذبح، رأى خروفًا مربوطًا بقرنيه في الغابة فأخذه وأصعده محرقة معلنًا بصورة تشبيهية مسبقة عن محرقة خلاصنا فهذه نبوة مجازية.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

من النبوة إلى تحقيقها

5- لقد قدمت لكم إذن برهان الشريعتين من خلال الأحداث. لقد رأيتم حالًا الحمل المذبوح مذكورًا بكلمات فتعلّموا من الآن ترجمة الأحداث. قولوا لي هل تريدون أن تكونوا تحت الناموس (غلا 4: 21)، لأنه صادق ذلك العنوان (أي التلميح) الذي للرسول. هل تريدون أن تكونوا تحت الناموس لأن الذين سألهم لم يكونوا أبدًا خاضعين للناموس، وحتى عندما كانوا يظنون بوقوعهم تحت سلطته فهم لم يكونوا هكذا حقًا. هذا التفسير يبدو بالتأكيد غامض لكم! سأشرح لكم هذا.

إن الناموس بالحق قد أرسل الذين تكرسوا له للمسيح، إذًا فمن يحتقر السيد يجهل أيضًا تعليم مساعده الناموس، لهذا السبب فإن بولس الرسول يتعجب قائلًا: "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس: ألستم تسمعون الناموس فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان، واحد من الجارية والآخر من الحرة، الذي من الجارية ولد حسب الجسد، والذي من الحرة فبوعدٍ وكلاهما رمزًُا" (غلا 4: 21-24).

هل ترون النبوة من خلال الأحداث؟

كون إبراهيم له زوجتين فهذه حقيقة وليس مجرد كلام. لقد ذُكرت زوجتين الواحدة عبدة والأخرى حرة. لقد سبق أن أوضحت لكم أن العهدين من أصل واحد، والآن سأشرح لكم هذه الحقيقة من خلال رمزيّ المرأتين، فزوجتي إبراهيم تمثّلان عهدين وهو المشّرع الوحيد، ما ذكرته منذ لحظات عن الخروف في النبوة اللفظية والكبش في النبوة المجازية يثبت تشابه الأساس الموجود بين الألفاظ والأحداث، ونفس الشيء هنا أيضًا إذ هذا يختص بعهدين وإرميا النبي سبق أن ذكر هذا لفظيًا وإبراهيم مثّلهما في حياته بكونه له زوجتين، فضلًا عن هذا فإن الرمز كان أوقع إذ لم يوجد إلا زوج واحد للمرأتين، وبالمثل فلا يوجد إلا مشّرع واحد للعهدين.

بعد كل هذا الشرح فلنرجع بسرعة إلى سياق حديثنا، لأنه حتمًا لا يجب أن نفقد رؤية بداية موضوعنا: "كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" ولكن الآن في ضوء كل ما سبق أن قلته فلنحاول أن نفهم لماذا أصر الرب على (ذكر) العهد القديم وهو يوجه كلامه إلى اليهود فقد كان يقول: "لقد سمعتم أنه قيل (لآبائكم) لا تزن".

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

تعليم العهد الجديد

لم يجهل الرب أن هذه الوصية بها نوع من الصعوبة، والصعوبة ليست في طبيعة الوصية بل مردها إلى خفة سامعيه. نعم فإن كثيرًا من الأعمال سهلة بطبيعتها وتراخينا فقط هو الذي يجعلها صعبة، وبالمقابل فإن الأعمال المهلكة من الممكن التغلب عليها بسهولة بمجرد أن نبذل بعض الجهد.

إن صعوبة مباشرتنا لا تكمن كثيرًا في طبيعة الأحداث أكثر من ارتباطها بالجهالة الروحية التي نحن عليها.

ما من شك في أن العسل لذيذ وشهي، ولكن من الممكن أن يبدو هذا العسل مرًّا وغير مقبول لشخص مريض، وهذا شيء لا علاقة له إطلاقًا بالصفات الخاصة بالعسل ولكن يرتبط مباشرة باضطرابات صحة الشخص نفسه. نفس هذا الشيء يمكن تطبيقه على الشريعة، التي من الممكن أن تبدو غير محتملة ليس لمضمونها ولكن لتراخي من عليه أن يعمل بها.

إنني لا أجد أي صعوبة في أن أبيّن لكم أن حفظ الوصية كان شيئًا سهلًا جدًا. إن الرب كان قادرًا أن يجعله غير محتمل، وبالتالي كان سيتكلم بطريقة مختلفة. هوذا ما قاله: اهربوا من نظر النساء واحترسوا من الشهوة!

لو كان الله يريد أن يزيد من صعوبة الوصية لكان من الممكن له أن يقول العكس: اسعوا إلى مصاحبة النساء ولا تمتنعوا عن النظرات التطفلية على جمال الأخريات ولكن حاولوا فقط أن تسودوا على انفعالاتكم الشهوانية!

لو كان الأمر صار هكذا لصار شيئًا في منتهى الصعوبة، إلا أن كل ما أوصانا أن نعمله سهل جدًا، لأن الوصية كانت موافقة للطبيعة: اهربوا من الأتون، ابتعدوا عن النار، لا تقتربوا من اللهب لكي تظلوا سالمين!

ولكن (لنعود إلى نقطة حديثنا) لماذا ذكر الرب العهد القديم في الوقت الذي أوشك أن يعطي فيه الجديد؟

"لقد سمعتم إنه قيل لآبائكم لا تزن". إنه قال هذا لأنه كان يأمل بهذه المقابلة أن لا يُجربوا أكثر (مما ينبغي) بتعارض الشريعتين.

إن هذا الاقتران يسّهل التمعن فيه، فضلًا عن أن اليهود لن يتقاعسوا عن لومه لإقامته شريعتين متعارضتين، وأيضًا (فكأنه) قال لهم: انظروا، لقد وضعت الشريعتين في توازٍ، فاحكموا أنتم أنفسكم بتوافقهما التام. ثم أنه يريد أن يشدد على سهولة وملائمة الشريعة الجديدة - حيث أن هذه الصيغة: لقد سمعتم إنه قيل لا تزن، وقد طبقتم هذه الشريعة منذ وقت طويل جدًا. وهو بهذا مثل المعلّم الذي يستنهض همّة تلميذ متكاسل ليحثه على تحقيق بعض التقدم فيقول له: تذّكر كل حين أنك تكرست لهذه الدروس!

هنا يذّكر السيد المسيح اليهود أنه قد وضع لهم منذ وقت طويل مضى الناموس القديم وهم يحترمونه وعليهم في الوقت الحاضر أن يرتقوا لقانون أكثر سموًا، وأيضًا هو يذّكرهم بشريعة آبائهم قبل أن يقول لهم: أما أنا فأقول لكم...

لو كان الله قد انتهج هذه اللهجة لآبائكم لكان لكم الحق في أن تستهجنوها، لأنهم كانوا بالحق غير ناضجين بالنسبة لنا، ولكن حيث أن الطبيعة البشرية قد تطورت وتحسنت مداركها، فقد آن الأوان لوصايا أكثر سموًا. لذلك بدأ بذكر الشريعة القديمة ولكي يتلافى الإحباطات والتملصات أمام صرامة تعليمه هتف قائلًا: "إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات" (مت 5: 20).

لكنك يا رب تطلب مني الكثير! لماذا هذا إذًا؟

ألست أنا إنسان مثلهم ولي نفس طبيعتهم؟ لماذا تحملني أكثر من طاقتي؟ لماذا تفرض عليّ معوقات بهذه الصعوبة؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الجزاء والعقوبة

لكي يمتنع مثل هذا النوع من النقاش وينتهي كل اعتراض لذلك فإن الرب كلمهم عن ملكوت السموات وقال لهم: إنني أقدم لكم أعظم المكافآت.

إنه لم يفصل بين تزايد التعب والجهد، ولا حتى الصرامة المتزايدة التي للشريعة (الجديدة) وبين المكافآت التي تمنحها لهم، فقال لهم: إنني لست أعدكم بفلسطين أو الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا، ولكن أعدكم بملكوت السموات.

ولكن إن كانت المكافآت عظيمة جدًا، فيجب علينا أن نتوقع أن تعدينا لهذه الشريعة الجديدة يجعلنا مستوجبين عقوبة شديدة جدًا.

إن آبائنا الذين عاشوا قبل هذه الشريعة الجديدة قد رأوا أتعابًا أخف بكثير عما لنا، وبولس الرسول يقول: "لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك" (رو 2: 12)، وبوجه آخر قال: إن كل الذين ليس لهم الناموس كرقيب على أعمالهم سيُحاكمون بدون الناموس، إذ أن الإحساس الخيّر فيهم يعطي مصادقته ويعمل للشهادة إن اتهامًا أو تبرئةً. وبالإجمال فكل الذين سيتعدون شريعة النعمة سيُعاقبون بضربات أشد من أولئك الذين أخطأوا تحت ناموس موسى، وبولس الرسول يشرح السبب: "من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة، فكم عقابًا أشر تظنون أنه يُحسب مستحقًا من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قُدس به دنسًا وازدرى بروح النعمة" (عب 10: 28- 29).

فأنتم ترون إذًا أن العقوبة أكثر شدة تحت الشريعة الجديدة، والمكافآت أيضًا أكثر عظمة.

لقد ذكرت لكم الآن الأسرار الروحية الأكثر هيبة فأتوسل إليكم وأشدد عليكم وأهيبكم بكل قواي: اجتهدوا أن تبتعدوا عن كل خطية لكي تقتربوا من هذه المائدة الرائعة (سر الشكر). لأن الرسول قال: اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يعاين أحد الرب" (عب 12: 14)، أو أن كل من اُعتبر عديم الجدارة لرؤية الرب يُعتبر أيضًا بالأولى غير جدير للاشتراك في جسد المسيح، وبولس الرسول أضاف أيضًا: "ولكن ليمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس" (1كو 11: 28).

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

امتحن قلبك

ليس هناك احتياج مطلقًا لفضح الجرح أو للوم الذات على الملأ، وليس هناك من ضرورة لأشهاد أحد على أخطائنا ولكن سرًا في ضمائرنا، بمعزل عن كل أحد وفي حضرة الرب فقط نمتحن أنفسنا وندير شريط حياتنا (للخلف) ونفتش عن أخطائنا لكي نخضعها لقصاص ضميرنا ولنجعل أرواحنا تحترس من الخطية، وهكذا نستطيع أن نتطهر ونتقدم للمائدة المقدسة لنشارك في الذبيحة الإلهية.

ولنجتهد لنحفظ كل هذا حاضرًا في روحنا ولنتذكر في كل لحظة ما قيل بخصوص النجاسة والتفكر في العقاب المحفوظ لكل من يخضع نفسه لتجربة رؤية وجه امرأة بدون حياء، ولنغذي رجاء قلبنا بالطاعة الأولى لمخافة الله والمحبة له أكثر من خوفنا من أهوال الجحيم ولنطرد عن أرواحنا كل نجاسة لكي نستطيع المشاركة في الأسرار المقدسة دون أن نخاف حكم أو دينونة ولكي نمتلئ برجاء الخلاص ونسعد نفوسنا الآن ودائمًا في المسيح يسوع ربنا الذي يملك بالقوة والمجد إلى دهر الداهرين آمين.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-repentance/great-lent.html

تقصير الرابط:
tak.la/94wst5k