1- كان إبراهيم شيخًا، ولكبر سنه صار جسده مماتًا عن الإنجاب، وكان كالأموات لا يمكن أن يكون أبًا، لكنه استمر في الحياة - (وقد) تخطى البار الزمان الذي فيه يمكن للطبيعة (الجسدية) أن تهب نسلًا وكانت سارة التي كان عقمها كعقم الحجارة شريكة له حينما أعلن له الرب أنه سيجعله أبًا لجمهور كثير ككثرة نجوم السماء.
2- هذه هي العقبات التي صادفت إبراهيم، أنه وصل إلى سن الشيخوخة. أما بالنسبة لامرأته فهي وصلت إلى سن الشيخوخة والطبيعة (ذاتها) جعلتها عاجزة عن الحمل، لأنه لم تكن الشيخوخة هي فقط التي تمنعها، بل عجز طبيعتها أيضًا. وعندما كانت لم تزل حديثة السن، فإن القدرة التي تعطيها الطبيعة ظلت بغير تأثير، لأن هذه المرأة كانت عاقرًا.
![]() |
3- وقد وصف بولس هذا الحال فقال "ولا مماتية مستودع سارة" (رو 4: 19). إنه لم يقل "ولا مماتية سارة" وحسب، لئلا يظن أحد أن العقبة هي السن وحده، بل قال "ولا مماتية مستودع سارة" التي كانت هكذا عاقرًا، ليس بسبب العمر المتقدم فقط، بل أيضًا بسبب طبيعتها (العاقرة). ولكن كما سبق أن قلت أنه بالرغم من وجود هذه العقبات، فإنه (أي إبراهيم) عرف معنى وعد الله وطرقه الكثيرة وإمكانياته العظيمة التي لا تعوقها قوانين الطبيعة ولا صعوبة الأمر ولا أي شيء مهما كان، إنما (قدرته الإلهية) تسير بنا وسط العوائق لتحقق ما قد سبق أن أعلنته.
4- إن إبراهيم صدق ما قيل له وآمن بالوعد دون أن يتأثر بسبب تضارب المنطق، وقد حسب بالحق أن قدرة مَنْ قد وعد تعطي ضمانًا لما قد أعلنه دون أن يبحث عن الطريقة التي سيتم بها هذا الوعد، ولا تساءل: لماذا لم يأتي الوعد في صباه، بل في شيخوخته بعد وقت طويل متأخر جدًا.
5- كذلك فإن بولس يعلن اسمه بصوت عالٍ قائلًا: "فهو على خلاف الرجاء آمن على رجاء لكي يصير أبًا لأمم كثيرة" (رو 4: 18). وما معنى "على خلاف الرجاء آمن على الرجاء"؟ أي على خلاف الرجاء البشري آمن بالرجاء بالله الذي يغلب في كل شيء ويستطيع كل شيء ويسمو فوق كل شيء!
لم يؤمن فقط أنه سيكون أبًا، بل وأبًا لأمم كثيرة، وهو الذي كان شيخًا غير قادر على الإنجاب وزوجته عاقر وفي سن الشيخوخة كما قيل له:
6- "هكذا يكون نسلك. وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان لم يعتبر جسده وهو صار مماتًا إذ كان ابن نحو مئة سنة ولا مماتية مستودع سارة ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله بل تقوى بالإيمان معطيًا مجدًا لله. وتيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا" (رو 4: 19-21). إن معنى هذه الكلمات هو الآتي: بعد أن تحرر إبراهيم وتخلص في الحال من الضعف البشري، بعد أن ارتفع إلى سمو من قد وعد وتفكر في قدرته التي لا توصف، جعل نفسه يقتنع متيقنًا أن كلمته ستتحقق تمامًا.
7- لقد مجّد الله لأنه لم يكن فضوليًا، ولا سأل في طياشة، وإنما خضع لحكمته غير المدركة ولقدرته، بغير نقاش فيما قيل له. أما كيفية تمجيدنا لله فهذا في خضوعنا دائمًا أمام عنايته غير المدركة وأمام قدرته وحكمته التي لا توصف. ولا نكون فضوليين ولا نسأل بتهور: لماذا هذا؟ وما سبب ذاك، وكيف يتحقق هذا الأمر؟!
8- لم يستحق إبراهيم الإعجاب في هذا الموقف وحده، بل حينما لم يعثر في أمر الرب له أن يقدم ابنه الوحيد، ابن الموعد، محرقة، مع أن هناك أسباب كثيرة كان يمكن أن تعثر من كان غير منتبه ولا متيقظ. أولًا: إن كان الله يقبل مثل هذه المحرقات فهذا شيء مُعثر. ثانيًا: كونه يوصي الآباء بقتل أبنائهم وأن يضعوا نهاية لحياتهم بميتة وحشية وتكبيدهم موت مبكر وبكونهم قتلة لفلذة أكبادهم هذا أيضًا معثر. ثالثًا: إنه أمر متعب كون الله يريد أن يتنجس مذبحه بدمائهم إن كان يريد أن اليد الأبوية (الحانية) توجه ضد ابن وحيد، وإن إنسانًا بارًا يكون أكثر وحشية من القتلة.
9- علاوة على ذلك هناك طغيان الطبيعة الظاهر بشدة ويزعجه، ليس لأنه كان أبًا وحسب، ولكن لأنه كان أبًا لابن وحيد شرعي مبهج للرؤية ويسرّ من يبصره، فهو في الواقع كان في ريعان الشباب وأدرك قمة الفضيلة ويشع بجمال مضاعف للنفس والجسد.
10- كان إسحق محبوبًا جدًا، إذ وهب له على خلاف الرجاء. لأنك تعلم مدى حب الآباء للصغار الذين يأتون على خلاف كل رجاء، ويمنحون بطريقة مخالفة للطبيعة في الشيخوخة، كما هو الحال مع إسحق. وفوق كل هذا فإن الشيء الأكثر جلبًا للعثرة كان الإعلان والوعد، لأن الأمر (بالذبح) كان مخالفًا له.
فإن الله من ناحية أعلن له "يكون نسلك مثل نجوم السماء في الكثرة" (انظر تك 15: 5)، ومن ناحية أخرى قد أُعطي أمرًا من الله أن يسلّم ابنه -وهو الذي به سيتحقق الوعد في الكثرة- إلى الموت ويذبحه بطريقة وحشية.
11- لكن البار لم يُعثر ولا اضطرب ولا انتابته المشاعر الطبيعية لمن بدون تفكير يدعون أنفسهم ينجذبون نحو الأرض لأنه لم يقل في نفسه: ما هذا، هل أنا مخدوع؟ هل ضللت؟ هل هذا الأمر (حقًا) من قبل الله؟ لا، إلى الخلف! فلن أطيع هذا الأمر. إنه أمر يناقض العدل أن أكون قاتلًا لأبني وأخضب يدي بدمه. كيف يتحقق الوعد؟ إن أهلكت الأصل من أين تأتي الأغصان؟ وكيف تأتي الثمار؟ إن نزحت المصدر من أين تخرج الأنهار؟ لو ذبحت أبني من أين يأتي النسل الوفير الذي يعادل عدد النجوم.
12- فكيف يعدني بشيء ويأمرني بشيء مضاد؟
إن إبراهيم لم يقل هذا ولم يفكر أبدًا في كل هذا، بل التجأ إلى قدرة من قد أعلن له مثل هذه الأمور، إذ له قدرة لا توصف وهو خصب في طرقه ووسائله التي تلمع وسط الأحداث المخالفة، وهو يسود على قوانين الطبيعة، وهو أكثر قدرة من الكل ولا يمكن لشيء أن يعارضه، ولا يعرف المستحيل.
فأطاع إبراهيم الأمر وذبح وخضب يده بالدماء وحمّر به السيف واخترقت السكين الرقبة. وإن كان هذا لم يتم فعلًا، لكنه تحقق بالنية إذ أتم كل هذا بالفكر.
13- لهذا فإن موسى وهو ممتلئ إعجابًا به تكلم هكذا: "وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال له خذ أبنك وحيد الذي تحبه إسحق وأصعده محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك" (تك 22: 1-2). هل كانت هذه (الكلمات تتفق مع) الوعد، كلمات الإعلان، تلك التي كانت تقول أنه سيكون أبًا لنسل وفير وأن نسله سيكون في كثرة نجوم السماء؟
14- انظر كيف أنه بعد هذه الكلمات (التي وعده الله فيها بنسل وفير) تلقى أمرًا بذبح أبنه، فقبل أن يميت ويذبح مَنْ ينبغي أن يخرج منه نسلًا وفيرًا ويقطعه من وسط الأحياء ويقدمه محرقة لله.
أما بولس الذي أُعجب به لهذا السبب فقد توّجه بأكاليل وأشهر اسمه قائلًا: "بالإيمان قدم إبراهيم إسحق وهو مجرَّب" (عب 11: 17) ثم أظهر عظمة الفعل الذي أتمه وأي إيمان قد برهن عليه فأضاف قوله: "قدم الذي قبل المواعيد وحيده" [تابع (عب 11: 17)].
15- إن معنى هذه الكلمات هو كالآتي: لا يمكن القول أن له أبنين شرعيين، وأن الواحد اختفي ويمكنه أن ينتظر أن يكون أبًا لهذه الكثرة (من النسل) عن طريق الآخر.
لكن لم يكن له إلا ابن وحيد وهو وحده الذي به تختص كلمات الموعد، لكنه فضّل (حرفيًا اختار) قتله (طاعة لأمر الله له). وهكذا كما لم يعق إيمانه في الوعد بميلاده، لا جسده الممات ولا عقم زوجته، هكذا الآن لا يزعزعه الموت!
16- قارن هذه الأحداث بما معك الآن ترى جبنك، وترى صغر نفوس الذين عثروا، وتدرك بوضوح سبب العثرة ليس هو في أن يسلم الإنسان نفسه بين يدي العناية الإلهية غير المدركة، بل في السعي بدون توقف لمعرفة الطريقة التي بها تتم مقاصده والتشدد في طلب (معرفة) سبب الأحداث والاجتهاد في فحص كل حدث.
17- لو كان إبراهيم قد تصرف هكذا لكان قد صار عاجزًا بالنسبة إلى الإيمان، لكنه لم يتصرف بخفة. لهذا السبب قد تألق وكل الأشياء التي أُعلنت له قد تحققت. إنه لم يعثر لا بشيخوخة ولا بالأمر الذي أُعطي له بعد ذلك.
إنه لم يفكر في أن الأمر كان معوقًا للوعد، ولا في أن المحرقة ستلاشى الضمان المعُطى، ولم يسقط في اليأس فيما يختص بالوعد مع أن إسحق قد جاء لتحقيق هذه الأعمال (المختصة بوعد الله). لا تقل لي أن الله لم يسمح بأن يتم أمره ولا بأن تتخضب بالدماء يد البار، بل انظر إلى أن إبراهيم لم يعرف شيئًا من كل هذا، ولا أنه استعاد ابنه حيًا ولا أنه عاد هكذا إلى المنزل (به)، لكن كل انتباهه كان موجهًا لذبحه.
18- لهذا السبب قد دُعي اسمه مرتين من السماء. لأن الله لم يقل له "يا إبراهيم" مرة واحدة فقط، بل قال: "يا إبراهيم، يا إبراهيم" (تك 22: 11) فتراجع بتكرار هذه الكلمة وأوقف إرادته الممتدة نحو المحرقة بمقدار انهماكه التام في (تنفيذ) الأمر المُعطى له. وها أنت ترى كيف أنه أتمه بالنية. هل عُثر؟ إطلاقًا وما السبب؟
السبب أنه لم يفحص مقاصد الله.
19- قل لي وماذا عن يوسف؟ ألم يتعرض يوسف أيضًا لأمر مماثل؟ فقد أخذ وعدًا عظيمًا، لكن الأحداث جاءت مناقضة لما قيل له. فقد رأى في حلم أن إخوته يسجدون له وعبّرت له النجوم والسنابل عن ذلك في حلمين، لكن جاءت الأحداث مناقضة لما قد رآه (في الأحلام).
20- فقد قامت ضده حرب قاسية في بيت أبيه وحل إخوته رُبط الأخوّة وكسروا قوانين الطبيعة ونظامها، وصاروا بعد أحلامه معاندين وأعداء له بأكثر وحشية من الذئاب. وكما تفتك الحيوانات الموحشة (بفريستها)، هكذا نصبوا له فخاخًا كل يوم (ليفترسوه).
21- وكان مصدر هذه الحرب الحسد المملوء جنونًا والحقد الظالم والغضب المشتعل، وهكذا كانت تفوح منهم رائحة قتل كل يوم، وكانت الغيرة تؤجج هذا الأتون وتلهب النار. وإذ فشلوا في إيقاع الأذى به طالما أنه يعيش في البيت ويقيم مع والديه، فهاجموا المكانة التي كان يتمتع بها، فدبروا له سمعة رديئة ووضعوا عليه اتهام كريه مريدين هكذا تدمير الحب الذي كان يكنّه له أبوه فيقع بأكثر سهولة في فخاخهم.
22- ثم جذبوه بعيدًا عن عيني والده، وإذ هو آت إليهم بالطعام يطمئن عليهم قابلوه (بغدر) ولم يبهجهم سبب زيارته لهم ولم يحمّروا خجلًا أمام الطعام الذي أحضره أخوهم، بل سنّوا سيوفهم واستعدوا لقتله وصاروا كلهم قتلة أخيهم (بالنية)، ولم يمكنهم أبدًا أن يتهموا من هم مزمعين أن يقتلوه باتهام خفيف أو ثقيل (يستوجب حكمهم عليه). لكنه بفضلهم صار مكللًا وانتشر اسمه من قبِل الذين حسدوه وقاتلوه وافتروا عليه.
23- أما بالنسبة له فهو لم يحيد عن رفقتهم بل في موقف حرج كهذا أظهر مشاعر أخوية حسنة. وهم استعدوا لإخفائه -على الأقل بالنسبة لهم- وخضبوا أيديهم بالدماء وأتموا قتلهم له (بالنية).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
24- لكن غنية هي طرق حكمة الله وإمكانياتها وسط المواقف المعقدة، إذ خلصته من الجب وأنقذته من رحلة الموت وانتزعته من الأيدي القاتلة. في الواقع أن أحد إخوته نصح بعدم قتله، لكن الله هو الذي ألهمه بهذه الفكرة وهو الذي منع ذبحه. ولكن هذا لم يكن نهاية الأهوال بل قد استؤنفت من جديد. وحيث أنهم قد مُنعوا عن قتله، فإن قلبهم كان لا يزال يغلي وغضبهم كان في قمته وتموج سخطهم كان شديدًا فأعطوا لهذا الغضب شكل آخر.
25- فعروه من ملابسه وربطوه ورموه في الجب ثم جلس هؤلاء الرجال القساة القلب -كالحيوانات المفترسة- يأكلون من الطعام الذي أحضره لهم. هو كان في الجب في رعدة عظيمة، أما هم فكانوا يأكلون ويمرحون! ولم يكتفوا بهذا الجنون، إنما إذ رأوا البرابرة الذين تركوا بلادهم ذاهبين إلى مصر، أخرجوا أخاهم وباعوه. وبهذا دبروا له موتًا بطيئًا قاسيًا مملوءًا آلامًا.
26- تخيل معي مشاعر يوسف الذي كان صغير السن، وقد تربى في بيت أبيه في حرية كاملة بلا خبرة في حياة العبودية ولا في المعاناة التي تترتب عليها، يصير فجأة عبدًا بدلًا من أن يكون حرًا، وغريبًا بدلًا من أن يكون صاحب المكان محتملًا أسوأ معاملة يمكن أن تحدث لأسير حرب. ولا يقف الأمر عند احتماله آلام العبودية، لكن يصاحبها آلام فراق أبيه وأخيه الأصغر بنيامين (حرفيًا فراق أمه) وكل أقاربه مع العري والتغرب بلا منزل ولا مدينة، مُسلمًا للعبودية في أيد بربرية!
27- ألم يكن يكفيه هذا ليمتلئ اضطرابًا: تراكم المحن، المفاجأة في الموقف، خيبة الأمل، قسوة التجربة التي هي من صنع أيدي إخوته المحبوبين لديه والذين لم يسئ إليهم في شيء، بل على العكس أحسن إليهم. لكن لا شيء من هذا جعله يضطرب مع أنه تكبد مثل هذه المعاملة (الشرسة)، ومضى مع التجار متنقلًا من عبودية إلى أخرى.
28- إن يوسف صار عبدًا، وأقام في بلد بربرية مع أنه عبراني حر المولد وحريته كانت مضاعفة، إذ كان له حرية الجسد وحرية النفس. إنه لم ينزعج أبدًا، ولم يُعثر على الإطلاق لما حدث له، لأنه كان يتذكر دائمًا الأحلام التي أعلنت له عكس الواقع الذي يجابهه الآن، ولم يتساءل بطريقة فضولية: ما الذي يحدث؟
29- أما الذئاب والحيوانات المتوحشة، قتلة أخيهم، فبعد أن أتموا هذه الجرائم (في حق أخيهم) عاشوا في حياة هنيئة في بيت أبيهم(83). أما يوسف المختار لكي يملك عليهم صار عبدًا وسجينًا يباع ويُشترى في أيدي الغرباء، وعانى آلامًا مريعة، ليس فقط بعدم تسلطه عليهم، بل كونه صار عبدًا لهم وذاق تجارب مناقضة للوعد تمامًا، لأنه ليس فقط لم يحصل على المملكة، بل حُرم أيضًا من وطنه وفقد حريته ورؤية أهله.
30- لم تتوقف حروبه عند هذا الحد، بل انفتحت له هوّة أعمق تفوح منها رائحة موت وقتل، موت بغيض وقتل ممتلئ خزي. فقد نظرت إليه زوجة فوطيفار نظرات أثيمة. لقد أسرها جمال الشاب واستعبدها منظره المنير، فكانت هي بالتالي تدبر له خديعة وفخاخًا.
31- بعد أن نصبت له كل شباك خلاعتها من كل جانب، كانت كل يوم تتربص بالشاب لتقتنصه في شباكها وتسقطه في الزنا وتسلّمه إلى موت أبدي. وكانت كل يوم تخرج لتبحث عن فريستها وقد وخزتها الشهوة وحبها الأثيم. رأته ذات مرة بمفرده وسعت إلى اجتذابه بالقوة إلى فراش الخطية وإرغامه على الالتصاق بامرأة غريبة وحاولت تدنيس فضيلته.
32- لكن مع هذا لم يعاني البار أي ضرر ولا أسر الشهوة ولا حمية الشباب، ولا من شر سيدته التي نصبت له الفخاخ وهاجمته بغير حياء، والهيجان المغروس في الشباب وكل ما يرغّب في الاقتراب إلى هذه المرأة من منظرها وغواياتها، لكنه خرج من هذه الظروف جميعها يفيض هدوءًا كالنسر الباسط جناحيه يرتفع بهما عاليًا تاركًا ملابسه في الأيدي المتجاسرة. ترك ملابسه وهو عريان ولم يكن يكتسي إلا بفضيلته البهية والتي كانت أكثر لمعانًا حتى من الرداء الأرجواني.
33- ثم عادت فأشهرت سيفها ثانية وتهيأ الموت (لابتلاعه). ارتفعت الأمواج عالية، واشتعلت شهوة المرأة المجنونة بنار تفوق أتون بابل، والتهبت رغبتها وثار غضبها وقسوتها المخيفة في وحشية بالغة، وأرادت قتله. فأسرعت للسيف واشتهت له موت الخزي وتاقت إلى إهلاك بطل الفضيلة وبطل الصبر والجهاد.
34- اندفعت نحو زوجها واشتكت دون أن تروي له حقيقة الأمر، وإنما مثّلت أمامه مسرحية وشاياتها، وأقنعته بما أرادت. اتهمت غريمها بحجة أنها "أُهينت" وطالبت بالانتقام. وكدليل على ما قالته، قدمت بين يديها النجسة ثياب الشاب البرئ.
35- لم يسمع القاضي الفاسد للمتهم، ولا ترك له مجالًا للدفاع، بل أدان ذاك الذي لم يرَ حتى المحكمة كما لو كان قد ضُبط متلبسًا بفعلته، واقتنع بإثمه كأن هذا الشاب قد اعتاد الزنا، فرماه في السجن وسلّمه إلى القيود(84). وذاك الذي كان مكللًا بأكاليل الفضيلة هذه، صار منذ الآن في السجن مع المجرمين ولصوص المقابر والقتلة، مع الذين يمكنهم أن يقتلوه.
36- لكن لا شيء من كل هذا جعل يوسف يضطرب.
أحد الذين أساءوا إلى الملك أُطلق سراحه (ساقي فرعون)، لكن ظل هو محبوسًا لوقت طويل محتملًا أسوأ العقوبات لأجل أشياء ستجعله جديرًا بالأكاليل والشهرة. وفي هذا كله لم يضطرب يوسف ولا تعثر. لم يقل في نفسه: ما هذا؟ لماذا ذاك؟ أنا الذي كان ينبغي لي أن أملك على إخوتي، لكنني لم أُحرم من هذه الكرامة فحسب، بل وحرمت أيضًا من وطني وأهلي وحريتي وهدوئي، والذين كان ينبغي أن يسجدوا أمامي قد أبعدوني (من طريقهم).
37- ثم بعد محاولة قتلي باعوني وصرت عبدًا للبرابرة يتبادلني سيد بعد آخر، ولم تتوقف بلاياي عند هذا، بل من كل جانب أجد هوّة سحيقة وحجارة أتعثر بها. فبعد الفخ الذي نصبه لي إخوتي، كانت محاولة القتل والعبودية الأولى والثانية والتصق بي الموت من جديد، ثم صادفني افتراء أكثر بشاعة من الأول، ثم مؤامرة، هجوم، محكمة فاسدة، اتهام مملوء بالخزي يجتذب لي الموت.
38- ودون أن يتاح لي الدفاع عن نفسي أُلقيت بمنتهى البساطة في السجن، وهأنذا أحيا وراء القضبان مع الزناة والقتلة ومن اجترأوا على اقتراف أسوأ من هذه الجرائم. إن ساقي الملك قد اُنتزع من وراء القضبان، أما أنا فلا أستطيع حتى أن أنعم مثله ببعض الهدوء. بالنسبة له قد تحقق حلمه بحسب تفسيري له، أما أنا فإنني أحيا في آلام لا تُطاق.
39- هل هذا هو ما أظهرته أحلامي؟ هل هذا هو عدد النجوم الكثيرة؟ هل هذه هي حزم السنابل؟ ما الذي فيها من أمور معلنة؟ ما الذي فيها من وعود؟ هل خُدعت وضُلل بي؟ كيف يمكن لإخوتي أن يسجدوا لي وأنا عبد سجين وإنسان مقيد ويُظن إنني زاني وتعرضت لأسوأ المخاطر ومطرود بعيدًا عنهم. كل هذا عبر وتلاشى!
40- لم يقل يوسف هذا ولا فكر فيه، إنما انتظر النهاية وعرف غنى طرق الله وإمكانيات حكمته الفياضة، وليس فقط لم يعثر بل أيضًا تهلل وقبل برضى كل ما حلّ به.
41- قل لي ألم يتعرض داود لأكثر البلايا إيلامًا بعد أن مُسح ملكًا ونال السلطان على شعب العبرانيين بإرادة الله وبعد أن انتصر على البرابرة (جليات وجيشه الفلسطيني) وكسرهم؟ ألم يشن عليه شاول حربًا وصار هدفًا لمكائده، بل وصارت حياته في خطر، وأُرسل إلى الأعداء الألداء، وطُرد إلى البرية تائهًا ومنبوذًا بغير مأوى ولا مسكن ومنفيًا؟
42- ولماذا نقول المزيد من هذا؟ ألم يُطرد في النهاية من وطنه تمامًا وعاش عند الأعداء البرابرة واحتمل حياة العبودية المؤلمة وكان ينقصه القوت الضروري. وكل هذا عاناه داود بعد مجيء صموئيل النبي وبعد مسحه بالزيت وبعد الوعد بالملك ونواله القضيب والتاج، وبعد اختيار الله له وبعد قراره المأخوذ في هذا الموضوع.
43- لكن مع هذا لم يعثر داود بل ولم يقل: لماذا هذا؟ وأنا الملك الذي سأنعم بمثل هذا السلطان، أفلا أقدر حتى أن أعيش كإنسان عادي؟ هأنذا تائه منفي بلا مدينة ولا مأوى، مطرودًا في بلد بربرية، ليس لي حتى القوت الضروري ووسط أسوأ المحن، وأرى الخطر يحدق بي كل يوم! أين الوعد بالملك؟ أين الإعلان بنوالي السلطة؟!
لم يقل داود هذا ولم يفكر أبدًا في شيء من هذا ولا تعثر بسبب الأحداث وإنما انتظر هو أيضًا تحقيق الوعد.
44- نستطيع أن نذكر كثيرين آخرين حلّت بهم صعاب مماثلة ولم يتأثروا بل تمسكوا بكلمة الله، حتى وإن كانت الأحداث تأتي بما يناقض الوعود. وبصبرهم العجيب صنعوا لأنفسهم أكاليل مضيئة.
وأنت يا عزيزي انتظر النهاية، فبالتأكيد ستتحقق لك المواعيد في هذا الدهر والدهر الآتي. تقبل عناية الله غير المدركة تحت كل الظروف ولا تقل: كيف تصادفني كل هذه الخسائر؟ ولا تسعى لفحص طرق أعمال الله العجيبة.
_____
(83) لا أظن أن رؤيتهم منظر أبيهم وما أصابه من حزن شديد على موت يوسف جعلهم يعيشون حياة هانئة.
(84) لا يبدو لي أن الأمر هو هكذا لأن فوطيفار بحكم كونه رجل شرطة يستطيع أن يبت في القضية ويفحصها جيدًا، ولو لم يكن مقتنعًا ببراءة يوسف لكان قتله لاسيما وأنه مجرد عبد وغريب في البلد، ولكنه اضطر لسجنه مراعاة لسمعة زوجته، ولكنه عوض هذا بجعل أوضاع يوسف في السجن مريحة قدر المستطاع وهذا ما عزى يوسف بعض الشيء!
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-providence-of-god/bible-saints.html
تقصير الرابط:
tak.la/3q3nfms