St-Takla.org  >   articles  >   fr-seraphim-al-baramosy  >   a
 

مكتبة المقالات المسيحية | مقالات قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

مقالات أبونا الراهب سارافيم البرموسي - تاريخ المقال: 2006

66- حوار الوجود الصامت

 

بينما كان “هيومس” جالسًا على أحد التلال المُطِلَّة على بحر ‘زوئي’، والسماء لا يُعكِّر صفوها سوى بعض السحُب المندفعة أمام نسيم الصباح، وأشعة الشمس تُرسِل أشعتها المذهَّبة الحانية، مترفقة بوجهه الرقيق، والأفق خالٍ سوى من بعض الطيور الُمعلَّقة في الفضاء، ويسود المكان صمت مَهيب لا يقطعه سوى صدى همهمات الموج على شاطئ البحر..

كان فكره سابحًا في الحياة والوجود والموت والخلود.. اقترب إليه من الخلف، شيخ هَرِم، يشرق وجهه بنضارة الحياة، وإنْ كانت الحياة قد تركت بصماتها على مُحيَّاه..

له هيبة في محضره، وإن كان من بعيد يبدو كأحد نُسَّاك الجبل البسطاء، شعره الأبيض الناصع كالثلج مسترسل على كتفيه، لا تستطيع أنْ تميزه من جلبابه الأبيض، عيناه الزرقاوان صافيتان كمياه البحر، تُبْحر فيهما فتنسى المكان والزمان، يوحي مظهره وكأنَّه قادم من عالمٍ آخر، مخترقًا عالمنا، حاملاً لنا رسالة من الفضاء الأعلى..

كان هذا الشيخ يُدعى ‘كيروس’، وإذ به يجلس بجانب ‘هيومس’ على صخرة ناعمة في مواجهة البحر، ويقول له، بينما يقاسمه نظرة الأفق؛

“لن تستطيع أن تحيا على أنقاض العدم!!

وإذ بهيومس ينتفض فجأة، وكأنَّه بحيرة هادئة قد سقط عليها حجر من المجهول، وقال:

“عفوًا، كيف عرفت ما أفكر فيه؟ مَنْ أنت؟”

أجاب كيروس:

“إن وجوه البشر مرآة تعكس دواخلهم لِمنْ يستطيع قراءتها، أمَّا عن اسمي فهو ليس ضرورة لحوارنا، فالأسماء سِمَة الوجود على الأرض، بينما البشر لهم وجود أسمى، وتعارفهم يكون بامتزاج كيانتهم المتمردة في خِضَّمْ الحياة..”

وإذ بتلك الكلمات تدفع هيومس إلى التفكير العميق، وأجابه قائلاً:

“ولكنَّ الأسماء ضرورة طالما نحن نَقطُن نفس البقعة من هذا الكون ونتشارك نفس الحقبة الزمنية من مسيرة الأزل نحو الأبد..”

وإذ بيد كيروس تقبض على بعض ذرات التراب، التي تنساب قليلاً قليلاً، وكأنَّها تتحرر من قبضته، ويقول:

“إنَّها ضرورة التراب، فهي تلتصق بالنفس فتقيِّدها، كما أنَّها تُفتِّت الكيان البشري الواحد إلى أجزاء متناثرة.”

قال هيومس:

“ولكننا بالفعل منفصلون بحكم التنوع الإنساني!!”

ابتسم كيروس ابتسامة هادئة وهو يقول:

“لا، إنَّنا متمايزون في جسد واحد، ألسنا من أب واحد كلنا؟ ومن مادة واحدة تمت صياغتنا؟!”

اعتدل هيومس في جلسته ونظر إليه، وكأنَّه قد وجد ضالته المنشودة؛ فأفكاره المتعاركة على حلبة عقله، قد بدأ يستشعر أنَّ لها مخرجًا وجوابًا.. وإذ به يقول:

“إنْ كان حقًا ما تقول، فكيف تفسر الصراع الإنساني؟ كيف للجسد الواحد أنْ تتقاتل أعضاؤه؟؟”

أجابه كيروس، بنغمة هادئة تنم عن عمق الثقة:

“إنَّ الصراع الإنساني ناتج عن غياب وعينا بوحدة الأصل..”

لم تُشْبِع تلك الإجابة المقتضبة نهم هيومس للفهم، فقال له:

“ولكن، هل غياب الوعي يقدر أنْ يُفتِّت الجسد الواحد بهذا المقدار؟!”

أجاب كيروس:

“كلاَّ، ولكنَّه يُشوِّه معالمه، فلا تستطيع الأعضاء أنْ تُدرِك صلتها بعضها البعض، فتحيا وكأنَّها متصارعة متعادية، دون أنْ تُبصِر جذور الوحدة الضاربة بفتائلها في تربة التاريخ والزمن.”

قال هيومس:

“ولكننا أشبه بذرات منفصلة تحملها الرياح إلى شواطئ مختلفة، فتغربنا بعضنا عن البعض!!”

أجابه كيروس قائلاً:

“إنْ كنَّا نبدو وكأننا ذرات منفصلة، إلاَّ أننا من طينة واحدة عُجِنَت وشُكِّلَت بيد الخالق..”

 

بدأت الشمس رحلتها نحو المغيب، فبدت وكأنَّها تغرق في مياه البحر، وقد تلوَّن بلونها الذهبي الداكن، وكأنَّه قد ابتلعها، فصبغته بضيائها..

 

بدا هيومس سابحًا بفكره في تلك الكلمات، وقال لكيروس:

“هل لي أنْ أسألكَ شيئًا؟”

أجاب كيروس، بابتسامته المعتادة:

“التساؤل يفترض علمًا وجهلاً!!”

فقال له هيومس:

“نعم، فخبرتك التي طبعتها يد الحياة على جبينك هي عِلمَك الذي فجَّر فيك بئرًا من الحكمة والمعرفة..”

أجابه كيروس، وكأنَّه يجتر خبرة السنين، قائلاً:

“الحكمة والمعرفة هما جناحا القلب النقي المفكر، الذي لا يرضى بظواهر الأشياء، ولكنَّه يخترق الجدار الذي يفصل بين الحق الباطن والهشاشة المعلنة!!”

هنا سأله هيومس:

“وماهو الحق في نظرك؟”

أجابه كيروس وكأنَّ السؤال قد حرَّك في وجدانه بعضًا من ذكريات أليمة، وقال:

“إنْ كان قلبك مغمورًا في وادي الألم والصَّلاة، ستجد الحق.”

وتسائل هيومس بنبرة نابتة من بحار الشجن، قد روتها عينا كيروس المرتحلتان في الذكريات، وقال:

“ولكنَّ الصَّلاة قد تزيف إرضاءً للضمير، والحق يمكن أن يتقنع خوفًا من الألم..”

أجابه كيروس:

“إنَّ ما يُزيَّف هو الكلمات وليس الصَّلاة، فالصَّلاة هي علاقة، والعلاقة لا تُزيَّف..”

قال هيومس:

“ولكنَّ الصَّلاة هي علاقة منطوقة في كلمات ومصوغة في حركات..”

أجاب كيروس وقد عَلَتْ نبرته:

“لا، لم تكنْ الصَّلاة أبدًا كلمات -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى- ولم تكن أبدًا نغمات تُرتَّل في معبد استرضاءً لإله.. ولكنَّها نبضات حُب ودفقات إيمان تسري في شريان الوجود الذي يمر بقلب البشرية الواعية..”

سأله هيومس بحسٍ هادئٍ، وقال:

“ولكن، أليست كلماتنا هي صدىً لما في قلوبنا؟!”

أجاب كيروس، وقد استعاد زمام انفعاله:

“نعم، ولكنَّ الصَّلاة أسبق من الكلمة؛ فالله خلق الإنسان، وقبل أنْ يصوغ الإنسان من مفرداته، صَّلاةً، كان هناك جسر من الحُب بين قلب الله وقلب الإنسان، وكان هذا الحُب هو أول صَّلاة عرفها الإنسان، وأصدق صَّلاة يسعى إليها الإنسان..”

قال هيومس:

“إِنْ كانت الصَّلاة هي الكأس الحاملة خمر الحُب، التي يرتشف منها البشر نشوة البقاء، فما هو الحُب في جوهره إذًا؟!”

أجاب كيروس، وقد تنهَّد بأشواقٍ، تردد صداها مع أنفاسه التي ابتلعها نسيم الليل الشارد:

“إنه سر بقاء البشرية، وديمومة شبابها النضر الذي يتجدد كل يوم مع اشراقة شمس الوجود”

اعتدل هيومس في جلسته وهو يقول:

“لقد تعلمنا من خبرات التاريخ أنَّ الذي أبقى على البشرية هو القوة، فالطبيعة منذ البدء، أعلنت أنَّ شريعة الوجود هي شريعة البقاء للأقوى”

أجاب كيروس، وقد ثبَّت عيناه على ضوء النجمة التي خرجت من مخدعها بعد رحيل الشمس، وقال:

“إنَّ قوة البشر هي الحُب، فالحُب هو الذي يميز الإنسان عمّا عداه من المخلوقات، وهو الذي يدافع عن الإنسانية في وجه اللاإنسانية. إنه الذي يُبقى على رداء البشر نظيفًا وسط أوحال الطبيعة.. ولا يمكننا القول بأنَّ الإنسان هو أقوى المخلوقات لذا استطاع أنْ يتفوق عليها.. ولكنَّ عقل الإنسان المغمور بحُب الحياة وحُب الآخرين هو دافعه للبقاء رغم ضعفه البدني والجسماني..”

هنا وتسأل هيومس بصوت خافت وكأنَّه منبثق من جراح قديمة، وقال:

“ولكنَّ الحُب ضعف.. لأنَّه مشاعر تسيطر على عقل الإنسان وتوقف عمله، فتجعله أسير الآخر، فيفقد تفرده ويفقد حريته..”

أجاب كيروس:

“إنَّ تلك هي صورة شبه الحُب الزائفة، وظله العقيم الذي اغتصب العرش من الحُب الصادق في وعى إنسان اليوم!! فالحُب هو قوة الوجود المُتجدِّدة والمُجدِّدة قلب الإنسان والتي تدفعه لمواصلة الحياة؛ فهو ليس مشاعر رقيقة ولكنَّه موقف وجودي ووجداني عاقل..”

تساءل هيومس في حيرة:

“أليست المشاعر هي العلامة على تحرك مياه الحُب في جداول القلب؟”

أجاب كيروس:

“إنَّ المشاعر هي العلامة الظاهرة المرئية على ما يحدث بعيدًا، في كيان الإنسان الداخلي، حينما تتساقط أنوار من العالم العلوي فوق قلبٍ أسير وحدته، فتنيره في مسيرة المعرفة، فيصبح أكثر وعيًا وإدراكا لما حوله ولمنْ حوله، فيتحرك بعيدًا عن قشرة ذاته الصلبة نحو كل ما هو آخر. فما يحدث في أعماق الكيان من تحوُّل، هو الحُب، وتبقى المشاعر علامات مبهمة لأعماق سحيقة.

إنَّ الحُب هو حالة إنسانية تتعدى المشاعر وتتخطى حدودها المتقلبة كموج البحر الذي أمامنا.”

St-Takla.org Image: Cornelia, mother of the Gracchin, painting by Joseph-Benoît Suvée, 1795, oil on canvas, 320 x 414 cm, Department of Paintings of the Louvre, Room 934 (photo 2) - The Louvre Museum (Musée du Louvre), Paris, France - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 11-12, 2014 صورة في موقع الأنبا تكلا: لوحة كورنيليا أم الجراتشين، رسم الفنان جوزيف بينوا سوفيه، 1795، زيت على قماش بمقاس 320×414 سم، قسم اللوحات، حجرة 934 (صورة 2) - صور متحف اللوفر (اللوڤر)، باريس، فرنسا - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 11-12 أكتوبر 2014

St-Takla.org Image: Cornelia, mother of the Gracchin, painting by Joseph-Benoît Suvée, 1795, oil on canvas, 320 x 414 cm, Department of Paintings of the Louvre, Room 934 (photo 2) - The Louvre Museum (Musée du Louvre), Paris, France - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 11-12, 2014

صورة في موقع الأنبا تكلا: لوحة كورنيليا أم الجراتشين، رسم الفنان جوزيف بينوا سوفيه، 1795، زيت على قماش بمقاس 320×414 سم، قسم اللوحات، حجرة 934 (صورة 2) - صور متحف اللوفر (اللوڤر)، باريس، فرنسا - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 11-12 أكتوبر 2014

قال هيومس، وقد حدَّق في حركة الأمواج المستمرة، بحثًا عن إجابة:

“كيف تقصر الحُب على الإنسان الواعي وتحصره في إطار عاقل بعيدًا عن المشاعر ونحن نجد أنَّ الكائنات الأخرى تحمل مشاعر الحُب أيضًا، وأبرز مظاهر الحُب في الكائنات غير العاقلة هو دفاع الأمومة عن أبنائها؛ فكيف يكون الحُب هو تميُّز البشر عن الخليقة غير العاقلة؟”

أجاب كيروس:

“عزيزي هيومس، أنا لم أفصل الحُب عن المشاعر ولكنَّني أرفض تعريف الحُب على أنَّه مشاعر؛ فالمشاعر هي العلامة المؤقتة التي تُشير إلى بدء ذلك التحول الكياني في أعماق الإنسان. وحينما نتحدث عن الحُب عند الكائنات غير العاقلة، نراه مجرد غريزة ميكانيكية تتوارثها الكائنات دون تَدَخُّل للعقل الواعي الحر فيها، وذلك لأنَّه غائب؛ فمشاعر أمومة الحيوان ليست إلاَّ مرحلة مؤقتة، تتوقف حينما ينمو الصغير، بل وأحيانًا تتحول إلى صراع بين الأم وأولادها في معركة حُب البقاء!!”

هنا وقال هيومس:

“إذًا، فإنَّ الحُب الإنساني يتميز بالتعقل.”

أجابه كيروس قائلاً:

“نعم، وهذا التعقل هو الذي يجعل الإنسان يختار رفقة الحُب في قطار الحياة، وهوالذي يميز بين الغريزة الرابضة في الأعضاء، والحُب المستقر في القلب الخفاق.

إنه دائم الوجود ولكنَّه يتوجه في كل مرحلة في اتجاه ما، وهو أشبه بدائرة مركزها الذات، ينطلق منها تجاه الوالدين، ثم يمتد ليشمل الأصدقاء والمعارف والجيران، ثم يمتد ليشمل الجنس الآخر ليختار شريك الحياة، ثم يتجه نحو الأولاد ثم الأحفاد.. ولكنَّه لا يتوقف عند هذه الأُطر، فهو يلامس البشرية كلها طالما كان القلب منفتحًا نحو العلاء.”

تساءل هيومس قائلاً:

“وهل يشارك الإنسان، الكائنات الأخرى، في الغريزة؟؟”

أجابه كيروس:

“نعم، ولكنَّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي له القدرة الذاتية على توجيه غريزته والتحكُّم فيها.”

بدا الكلام وكأنُّه يَنسِج إجابات في ذهن هيومس، الذي سأله قائلاً:

“وكيف ذلك؟”

أجاب كيروس:

“الغريزة هي محصلة موروث وخبرة؛ فإنْ تعرَّض الإنسان للخوف، تتزايد قواه الغريزية ليصارع من أجل حياته أمام الخطر المُرتَقبْ؛ فغريزة حُب البقاء هنا هي محصلة موقف قد مرَّ به الإنسان تحول إلى خبرة، من جهة، وهو في نفس الوقت آلية بشرية للدفاع عن النفس ضد الأخطار المحتملة، من جهة أخرى.

لذا فإنَّ الإنسان قادر بالعقل أنْ يحلِّل الخبرة التي يحياها؛ هل تحتاج لتدخل الغريزة؟ أم أنها مجرد مخاوف عابرة؟ فيتحكم في عمل الغريزة بالعقل الواعي.

كذلك في الغريزة الجنسية، نجد أنَّ الإنسان يتوقف أمام الغريزة ليتساءل؛ هل تَحرُّك الغريزة هو في إطار وصية الله وحركة الطبيعة؟ أم أنها جموح ينطلق من فوق خرائب النفس البعيدة عن الله؟؟”

قال هيومس:

“يبقى السؤال الذي يَلِحّ علىَّ كثيرًا، ألاَّ وهو؛ كيف نحُب؟؟”

ابتسم كيروس ابتسامة هادئة، تحرَّكت معها تجاعيد وجهه وكأنَّها تُشارِكه نشوة ذكرياتٍ قديمةٍ، وقال:

“الإنسان يُحِب،

إنْ أنصت إلى أناشيد الملائكة في سكون الكون،

وإنْ اقتفى آثار الأبرار في طريق الأبد،

وإنْ اتَّصل قلبه بقلب الله بجسر من نور،

هو الثقة بالأبدية في عالم نسبى وزائل..

إن الحُب ليس مهنة نحترفها بالتعلُّم،

ولكنَّه نعمة نتقبلها بخضوع في سكينة..”

قال هيومس وقد شاركه ابتسامته الصافية:

“أراك تؤمن بأنَّ الإنسان لا يستطيع أن يحُِب من ذاته، ولكنَّه رهن لإشارة السماء بسقوط أمطار الحُبِ على أرض الإنسانية!!”

أجابه كيروس قائلاً:

“ولِمَ تتعجب من هذا؟ ألسنا مخلوقين على صورة الإله المحُِب؛ فأفعالنا إذًا، هي خليط مما نستقبله من السماء، وما نربحه من تجارة الفضيلة بين بني آدم..”

هنا وتساؤل هيومس في حيرة، قائلاً:

“فلماذا إذًا، يعجز الإنسان عن الحُب إنْ كانت السماء تشاركه برأس المال في تجارته الروحية تلك؟”

أجابه كيروس:

“إنَّ سر ضعف البشر هو تمركزهم حول ذواتهم، حتى أنَّهم لا يرون في الأشياء إلاَّ ظلال لأنفسهم، ولا يتخيلون الوجود بعيدًا عن وجودهم، ولا يتصورون البشر إلاَّ خُدَّامًا لرغباتهم في الحياة.. هذه الذاتية المميتة تُقيِّد القلب وتسلبه حريته في التطلع إلى السماء..”

قال هيومس:

“ولكنَّ الإنسان من حقه أنْ يبحث عن وجوده الخاص!!”

أجابه كيروس:

“إنَّ وجود الإنسان الحقيقي هو في قلب الله، وهو الذي يُقِيم ذلك الجسر المُضيء بين قلب المخلوق وقلب الخالق، فيتحقق وجود الإنسان الصادق، ويصير منارة مضيئة، وترنيمة عذبة يترنم بها الوجود كله في وجه الوافدين الجُدد إلى الحياة البشرية.”

قال هيومس:

“وماذا إنْ تخلَّى الإنسان عن الحُب كأساس لوجوده على الأرض؟”

أجاب كيروس وقد انطفأت شعلة ابتسامته، وحلَّ مكانها غيمة شجن وألم، وقال:

“يتحوَّل إلى منارة خربة مظلمة، وأغنية باهتة حزينة يغلب عليها طابع الموت والفناء..”

قال هيومس:

“إنَّ هذا هو ما يحياه إنسان اليوم!!”

أجابه كيروس بنغمة تتطاير من فوقها طيور الحزن والأسى، وقال:

“نعم، وهذا هو الجرح الغائر في قلب الإنسان، الذي يؤلمه دومًا، بينما هو مشغول عن مصدر الألم، ويعالج الأعراض، بينما النزف مستمر لا يتوقف..”

 

مرَّت غيمة رمادية من أمام القمر المُرصِّع صدر السماء،

فبدا وكأنَّه أشلاء ضياء منثور في الفضاء الأعلى..

قال هيومس متسائلاً:

“ألعلَّك تقصد أنْ كل آلام البشرية هي نتيجة لغياب الحُب؟”

أجاب كيروس:

“إن آلام البشر نوعان؛ آلام معنوية داخلية مختبئة في كيان الإنسان، وآلام ظاهرة مرئية تُعلِن عن ذاتها في الجسد. آلام الجسد يمكن التغلُّب عليها إنْ كانت النفس حرَّة من الآلام الداخلية؛ فالقلب الحُّر يُنشِئ قدرة مذهلة على احتمال آلام الجسد.”

 

وفي تلك اللحظة غطَّت الغيمة علي القمر بأكمله، فساد صمت من ظلمة،

ولفَّ الكون كله في وعائه المُعتِم..

  

تساءل هيومس وهو يحاول البحث عن بقعة ضياء وسط السماء الغرقى في الظلمة، قائلاً:

“وكيف ترى الموت كألم يسربل الوجود بعباءته السوداء؟”

أجابه كيروس:

“إنَّ الموت سيظل مقلقًا للبشر طالما كان مجهولاً؛ فالبشر لا يأمنون إلاَّ حينما يختبروا الأشياء ويجتازونها ويدوِّنون خبراتهم على رقوق التاريخ، ولكنَّ الموت سيظل للأبد هو خبرة الآخر التي أراها من بعيد، دون أن أستطيع أنْ أجتازها معه وأعود مُحمَّلاً بخبراتي الذاتية، لذا سيظل قلقًا.. ولكنَّ المنفذ الوحيد الذي يُهدِئ قلق الإنسان هذا، هو الارتباط بمَنْ هو غير مائت، بمَنْ له الحياة في ذاته إلى أبد الآباد.. الارتباط بقوة تحمل سر الخلود في نسيج وجودها الذاتي، لتعبر بالإنسان فوق مخاوف التلاشي والعدم.. الارتباط بالله ذاته..”

قال هيومس:

“ولكنَّي أرى أنَّ الموت سيظل ألمًا يُدمي أرجل البشرية السائرة في طريق المغيب..”

أجاب كيروس وهو يهز رأسه إلى أسفل وإلى أعلى، مُصدِّقًا على كلام هيومس، وقال:

“هذا حق، فارتباطنا بالله ينحل في الضعف والخطية والذاتية والجهل، ليسري في عروقنا هذا القلق من جديد حتى نُجدِّد عهدنا مع الله، وبالتالي نُجدِّد عهودنا مع الخلود ومع استمرارية الحياة وديمومتها.. يتبقى على الإنسان أنْ يُدرِك أنَّ الموت هو حقيقة عظمى في الوجود الإنساني تنفتح عيوننا عليه مع انفتاح وعينا على الأشياء، ويصير قبول تلك الحقيقة الغامضة المؤلمة، هو قبول بند رئيسي من بنود تواجدنا على الأرض، كبشر مائتين.”

تساءل هيومس في حيرة واضحة:

“لكنَّ، ولماذا الموت في نسيج الحياة؟”

أجابه كيروس متسائلاً:

“ولماذا الخطيئة في قلب الإنسان؟”

قال هيومس وقد استوعب مغزى تساؤل كيروس:

“أفترى إذًا، الموت والخطيئة متلازمان؟”

أجابه كيروس قائلاً:

“إنَّ الخطيئة التي دخلت إلى العالم بأيدي آدم وحواء، كانت تحمل في داخلها لعنة الموت، لأنَّ خلود الخطيئة في العالم أمر مستحيل، لأنَّ أصل الحياة في البر والنقاوة، لذا فكان يجب أنْ يموت من تلوثت يداه بالخطيئة، لكي يعبر البشر إلى عالمٍ آخر، حيث لا توجد خطيئة ولا خاطئ، وتعود الحياة إلى أصلها النقي البريء.”

قال هيومس:

“اسمح لي أنْ أسألك سؤالاً يبدو ساذجًا؛ ما هي الخطيئة؟”

أجابه كيروس:

“إنَّ هذا التساؤل بقدر بساطته بقدر صعوبة الإجابة عليه، وذلك لأنَّ تعريف الخطيئة يختلف باختلاف قلوب البشر ونواياهم، ولكنَّها في جوهرها هي الخروج من دائرة الله، والانحسار في الذات بل وتأليهها!!”

قال هيومس:

“ولكنَّي أعلم أنَّ ما أسقط الإنسان هو الشهوة، التي حبلت بالخطيئة وأثمرث سقوطًا”

أجابه كيروس قائلاً:

“هذا حق، فالشهوة هي أول تحرك واعٍ للإنسان بعيدًا عن الله، ولكنَّ الشهوة المُقنَّعة التي تدفع كل شهوة وتحرِّكها هي تأليه الذات؛ فالإنسان حينما أراد أنْ يكون مثل الله، كما نصحته الحية، أراد أنْ يكون ذاتي الوجود، وذاتي الحياة، وذاتي المعرفة، وذاتي العمل، لأنَّ ما يميز الخالق عن المخلوق هو الذاتية، وهذه كانت تجربة الإنسان العظمى، والتي يُجَّرب بها حتى الآن، فكل خطيئة لها وجه غير منظور في أودية النفس السحيقة، تتمثل في رغبة دفينة داخل قلب الإنسان أنْ يصير كالله!!”

قال هيومس:

“إذًا، فالهدف من كل خطيئة هو تأليه الذات بمعزل عن الله”، واستطرد متسائلاً:

“ولكنَّ، هل ينطبق هذا على كل الخطايا؟”

أجاب كيروس:

“لنأخذ مثلاً، خطيئة مثل السرقة، إنَّها ليست حاجة إلى الطعام أو الشراب أو الغنى، ولكنَّها حاجة إلى تأمين الحياة بمعزل عن قانون العمل الذي وضعه الله من أجل تسيير مركبة الحياة الإنسانية.

والحاجة إلى الأمان غريزة إنسانية، ولكنَّها غريزة موجَّهة نحو الله، كمصدر الأمان الأوحد في وسط عالمٍ مضطرب، ولكن إنْ حاول الإنسان أنْ يُؤمِّن حياته بذاته، سيحاول بهذا أنْ يكسر ناموس الله في الكون، ويخلق لنفسه عالمًا وهميًا من الأمان المستند على المال، ويتحول المال عنده إلى أداة أساسية في جوهر وجوده، لأنَّه أصبح مصدر الأمان بدلاً من الله، ويعتقد أنَّه نتيجة الغنى قد أصبح إلهًا على ذاته، لأنَّه لا يتقبل الحياة من يد الله، حسب خطته البديعة لخلاص الإنسان، ويصبح أسير الأرض التي ينسج من مادتها رداء وجوده، دون أنْ يُدرِك أنَّ رداء الأرض متجه حتمًا نحو البلاء والتشقق.”

قال هيومس:

“وماذا عن الزنا؟”

أجاب كيروس قائلاً:

“الزنا هو محاولة إنسانية لتأليه الذات أيضًا، فهو تحويل الآخر إلى أداة لذة تُستهلَك، دون النظر إليه كإنسان متكامل، وهذه هي الخطورة العظمى، فالإنسان حينما يفشل في الشركة مع الله، يحاول أنْ يصير إلهًا مستقلاً، فيُحوِّل الناس إلى أدوات أو دُمى يتلهى بها، ليمارس سيادته على الآخر في إطار من إشباع اللذة في ممارسة السلطة، وهذه السيادة الخادعة، هي انعكاس لصورة مغلوطة عن الله، كسيد يتلهَّى بخلائقه. وتُصبِح الوسيلة الوحيدة للانفلات من سطوة مثل هذا الإله الوهمي، هي التسيُّد على الآخرين واستعبادهم لتحقيق ذاتيته البغيضة، من هنا كان الزنى احتياجًا مريضًا في الإنسان؛ أن يصير إلهًا على حساب حرية وإنسانية الآخر.”

قال هيومس بنبرة لا تخلو من انفعال واضح:

“إنَّي أتعجب، كيف يخطئ الإنسان في التعرُّف على الله الحقيقي، ويتوهَّم آلهة هي من نسج خياله؟!”

أجابه كيروس:

“إنَّ الله غير مرئي، وهذا هو العامل الأساسي الذي دفع بالإنسان أنْ يتوهَّم إلهه حسب تربيته وطباعه وبيئته وثقافته ومشاكله ومعاناته وآماله، بل وخبراته مع إلهه..”

قال هيومس:

“ولكنَّ الكتب المقدَّسة تحدثت عن الله، فكيف يضل الإنسان بعد إعلان الله عن ذاته من خلال الكلمة؟”

أجاب كيروس قائلاً:

“إن الكتب المقدَّسة تحدثت عن بعض جوانب العلاقة بين الله والبشر، ورسمت الخطوط العريضة لتلك العلاقة، ولكنَّها لا تستطيع أنْ تحتوى الله أو تَحدَّه في لغة قاصرة، تعجز عن التعبير عن كمال الله الذي لا يُستقصَى.”

هنا وتساءل هيومس:

“ولكنْ، ألمْ يَستَطِعْ الله أنْ يوحِّد القلوب والعقول حول معرفته الصادقة؟”

أجاب كيروس:

“الأمر لا يتعلق باستطاعة الله، إنما يتعلق بحرية الإنسان، فلقد وَهَب الله للإنسان الحرية الكاملة، حتى أنه وَهَب الإنسان الحرية في رفض الله أو قبوله، هذا هو الحُب الصادق الذي أحب به الله الإنسان، حتى أنه غامر بإمكانية رفضه وإهانته!! من قِبَلْ الإنسان، في مقابل منحه القدرة أنْ يُقرِّر بذاته، هل سيتبع الله من ملء إرادته الحرة أم لا.”

قال هيومس:

“ولكنْ مثل تلك الحرية مُضِِّرة للبشرية، وقد أثمرت شرًا مستشريًا في الحياة الإنسانية!!”

أجاب كيروس:

“إننا تحدثنا أنْ جوهر حياة الإنسان يكمن في إمكانيته أن يحُِب، وهذا الحُب لا ينبت إلاَّ من أغصان الحرية النضرة، فحُب بلا حرية، هو تبعية عمياء..”

 

نظر كلاً من هيومس وكيروس إلى السماء، وإذ القمر قد استعاد نضارته وضياءه الكامل، وكأنَّه خارج للتو من نهر الأنوار العلوي، موجِّهًا سهام ضيائه نحو قلب الليل المظلم..

 

 

قال هيومس هامسًا:

“وما هي الحرية في نظرك؟”

أجاب كيروس وهو يملأ رئتيه من نسيم البحر المتراقص مع ثيابه الفضفاضة وشعره المسترسل، وقال:

“إنها ذلك النسيم العلوي

الذي يستنشقه الإنسان فيحيا،

إنها قلوب مُحلِّقة في الفضاء ترفرف حول عرش الله،

إنها ثورة ضد سطوة الأرض والمادة والعالم،

إنَّها انكسار لمملكة الشر التي تتسيد على الأرض،

إنها سُحب من الفكر الجريء معلَّقة في السماء،

تصير مطرًا يروي الأراضي المقفرة،

إنها سمة الإنسان الغارق في لُجَّة الحُب العلوية،

هي المدخل الحقيقي إلى الله الذي خلقنا أحرارًا،

كما أنها المسؤولية العظمى التي وضعتها يد الله على أكتافنا لنُغيِّر وجه الأرض، ونصيِّرها واحة خضراء تنبعث منها أناشيد التهليل لله الآب..”

وتساؤل هيومس وقد داعبت نغمات الحديث عن الحرية، وجدانه الرقيق، فانعكست ابتسامة مشعة على وجهه الغارق في نسمات الليل، وقال:

“وكيف ترى الحرية في عالمنا؟؟”

أجابه كيروس قائلاً:

“أراها في وجوه مشرقة تعلوها ابتسامة من الفرح

رغم وقوعها تحت سطوة مارد الفقر،

أراها في ركب منحنية مغمورة في صَّلاة عميقة

ترفعها عن عالمنا الأرضي إلى ملكوت الله القلبي،

أراها في أيادي تناضل من أجل الحق ضد عنكبوت الظلم والفساد الذي نشر خيوطه على عالمنا فأظلم سماءه،

أراها في انطلاق الطفولة ومرحها

الذي لا يرى في الحياة سوى باقة ورد عطرة

يتأمل جمالها ويستنشق عبيرها،

أراها في دفئ الأمومة الذي يحتضن وليد الحياة

يرضعه ويسهر على راحته

ليصدِّره للحياة، إنسانًا يحيا بالروح والحق،

أراها في لحظات التوبة الغرقى في دموع الندم والرجاء

والمنسكبة تحت يمين الله الحانية

التي تُنهِض التائب من سقطة الموت إلى قيامة الحياة،

أراها في صمت العارفين الذي يُضئ وسط ثرثرة الجهَّال،

أراها في جمال الطبيعة التي نقشتها يد فنان الكون الأعظم

كما أراها في نغم الخليقة المتهللة مع إشراقة كل صباح..”

قال هيومس:

“إنْ كانت الحرية بهذا الجمال، وضرورية إلى هذا الحد، فلماذا يبيع الإنسان حريته بأبخس الأثمان؟”

 

أجابه كيروس قائلاً:

“الحرية بالرغم من عِظَمها، إلاَّ أنَّها مقترنة بالألم، لأنَّ ضريبة الحرية هي السير في غابة الأشواك البرَّية، ولكنَّها مسيرة بأحاسيس النصرة والنشوة، والكثيرون أمام ضريبة الألم يفرُّون مذعورين، ويمضون على صَكْ عبوديتهم في الحياة ويقبضون الثمن، سلامًا زائفًا!!”

قال هيومس، بينما لمْ يَستطِع أن يُخفي دهشته:

“ولكنَّ الأحرار يُخلَّدهم العالم، ويسطِّر سِيَرهم بأحرفٍ من نور على رقوق التاريخ!!”

أجابه كيروس:

“نعم، ولكنَّ هذا المجد يأتي بعد رحيلهم عن دنيا الوجود، تاركين جلبابهم الأرضي، عليه آثار المعركة الدامية من أجل الحرية، كشاهدٍ لألمٍ تمخَّض فأخرج مجدًا وخلودًا.”

هنا وتساؤل هيومس متأثرًا:

“ألهذا الحد يتألم الأحرار!!”

أجاب كيروس وقد ترقرقت دمعة بلورية في مقلتيه، وقال:

“إنَّ ألم الأحرار هو وصمة عار الوجود الأرضي على جبين الشعوب، فقوة جذب الأرض والشهوة والسلطة تخلق من الناس أشواكًا في مسيرة البشرية نحو تحررها الكامل في الله، فما من إنسان ثبَّت قلبه نحو الحرية، إلاَّ ورشقه العالم بسهامه، ليصرعه، قبل أنْ يُجسِّد حلم الحرية في واقع البشر وقلوبهم.”

هنا وتساؤل هيومس:

“ولِمَ هذا الصراع، ألا يحلم البشر جميعًا بالحرية؟؟”

أجابه كيروس قائلاً:

“إنَّ الصراع هو نتيجة وجود زوان الشر وسط حِنطة الإنسانية، هذا الزوان الذي يريد أنْ ينمو على حساب خبز الغد المرتقب، فقوى الشر غير المرئية هي التي تنسج خيوط الصراع بين الحرية الطليقة وقيود الأرض الزاحفة على أشلاء البشر، ويتسلَّم الإنسان هذا النسيج الشيطاني ليزيِّنه ويرتديه، ولا يدرك أنه إنما يرتدي كفنه المزركش الذي سيتعرى منه يومًا على أعتاب بوابة الموت.”

قال هيومس:

“وكيف يحيا الإنسان الأمين وسط عواصف هذا الصراع المُحتَدِم؟؟”

أجاب كيروس:

“إنَّ الأعين المحدِّقة نحو العلاء

في رجاء الشمس الآتية بعد المغيب الحزين،

والقلوب الخافقة بالحُب

والتي ارتعشت من جديد بأنامل الحرية،

والأيدي العاملة في صخور الحياة

لتحوِّلها إلى حديقة غنَّاء

تَحُط عليها الطيور المهاجرة من قفار الأرض

إلى جنائن السماء

هي طريق الإنسان الأوحد لكي ما يصير إنسانًا”

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت 

بدأ النور يرسل خيوطه الأولى وكأنه يستكشف بها استعدادات الطبيعة لمقْدِمَه،

ونهض كلاهما وسارا باتجاه البحر المتماوج

في ترقُب موكب الشمس اليومي،

وفي لحظة نهوض الشمس من مخدعها،

تلاشى كلاهما في دائرة النور،

وساد صمت في الطبيعة

وكأنها تبحث في دهشة عن هيومس وكيروس،

تلاشى كلاهما،

ولم يبق سوى آثار على رمال الحياة،

 تشهد على ذلك الحوار الصامت

الذي دار في أروقة الحياة

وفي قلبها النابض..


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/articles/fr-seraphim-al-baramosy/a/dialogue.html

تقصير الرابط:
tak.la/dwr3f76