ج : هذا الحل البديل لا يصلح للأسباب الآتية:
أ - ما أُخذ بالقوة يسترد بالقوة. أما الشيطان فانه لم يأخذ الإنسان بالقوة.. لم يأخذ من ثمار الشجرة المحرمة، ولم يفتح فم آدم رغمًا عنه، ولم يدفع إلى فمه الثمرة المحرمة. بل أن الشيطان في الأصل لا يقدر أن يسبي الإنسان بالقوة، لأن الإنسان في حماية القدير طالما كان ملتزمًا بطاعته. إنما أسقط الشيطان الإنسان بالحيلة والمكر والدهاء والخداع والغواية "الحية غوَّتني فأكلت" (تك 3: 13) وكما أن الله كامل في قوته فهو كامل في عدله أيضًا، فلو ردَّ الله الإنسان بالقوة فإن هذا يعتبر ضد عدل الله الكامل.
ب- خلق الله الإنسان حرًا مُريدًا، فعودة الإنسان لله لا بُد أن تتم بكامل حريته وإرادته، فربما يرده الله بالقوة فيقول آدم له: ومن قال لك أنني أريد أن أسير معك.. أنا لا أحب الطريق الكربة ولا الباب الضيق، وربما تقول حواء: أنني معجبة بشغل الشياطين ولا أريد أن أتركهم.. من أجل هذا يا صديقي يطيل الله أناته علينا لكيما نعود إلى أحضانه الأبوية بكامل حريتنا وإرادتنا، ويقول د. راغب عبد النور "أن يتدخل الرب الإله تدخلًا مباشرًا، وينتشل الإنسان مما فيه، ورغم ما به وما عليه، وهو إجراء لا يتمشى مع عدالة وطهارة الله، وحتى إن تصوَّرنا إلهنا قابلًا أن يقوم بهذا الدور. إلاَّ أن الإنسان الذي سقط وتدنس، لا يستطيع أن يعايش الله في نوره وفي قداسته، لأن كل ما فيه ينجذب نحو الظلام انجذابًا تلقائيًا، وقد يقبل الرب أن يقبل إلينا رغم ما فينا، فإننا في هذه الحالة سنهرب من وجهه هروبًا، ولو إلى الموت" (1).
![]() |
ج - يناقش القديس أثناسيوس اقتراح البعض بأن الله كان يمكنه أن يخلص الإنسان بكلمة منه فيقول:
1ـــ وربما بسبب الخجل يوافقون على هذا ولكنهم يريدون أن يقولوا أن الله واحد لو أراد أن يرد البشرية ويخلصها كان يمكنه أن يفعل هذا بنطق عال وبدون أن يتخذ كلمته جسداً، أي بنفس الطريقة التي أوجد بها البشرية من العدم من البدء.
2ـــ ونجيب على اعتراضهم هذا بجواب معقول قائلين أنه في البدء لم يكن شيء موجود بالمرة. فكل ما كان مطلوباً هو مجرد "نطق" مع إرادة (إلهية) لإتمام الخلق. ولكن بعد أن خُلق الإنسان (وصار موجوداً) واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود عندئذ كان من الطبيعي أن يظهر الطبيب والمخلص فيما هو موجود لكي يشفي الخلائق الموجودة. لهذا السبب قد صار إنساناً واستخدم جسده أداة بشرية (تجسد الكلمة 44: 1-2)(ه).
وقال القديس كيرلس الكبير " كان يلزم من أجل خلاصنا أن كلمة الله يصير إنسانًا لكي يجعل جسد الإنسان الذي تعرض للفساد خاصًا له، ولكونه هو الحياة والمحيي يبطل الفساد الذي فيه" (2).
د - عندما فسدت الطبيعة البشرية بالسقوط احتاجت للحياة لكيما تتحد بها وتطرد الفساد والموت من داخلها، وهذا الأمر لا يحتاج لكلمة من الله، إنما يحتاج للتجسد الإلهي، فيقول القديس أثناسيوس " ثم يجب أن نعلم أيضًا، أن الفساد الذي حصل لم يكن خارج الجسد بل لصق به، وكان مطلوبًا أن تلتصق به الحياة عوض الفساد، حتى كما تمكن الموت من الجسد، تتمكن منه الحياة أيضًا.
والآن لو كان الموت خارج الجسد لكان من اللائق أن تتصل به الحياة من الخارج. (انظر المزيد عن مثل هذه الموضوعات هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). أما وقد صار الموت ممتزجًا بالجسد وسائدًا عليه، كما لو كان متحدًا به، فكان مطلوبًا أن تمتزج الحياة أيضًا، حتى إذا ما لبس الجسد الحياة بدل الموت، نزع عنه الفساد، وفضلًا عن هذا فلو افترضنا أن "الكلمة" جاء خارج الجسد وليس فيه، لكان الموت قد غُلب منه (من المسيح) وفقًا للطبيعة، إذ ليس للموت سلطان على الحياة، أما الفساد اللاصق بالجسد فكان قد بقى فيه رغم ذلك.
لهذا السبب كان معقولًا جدًا أن يلبس المخلص جسدًا، حتى إذا ما اتحد الجسد بالحياة لا يبقى في الموت كمائت، بل يقوم إلى عدم الموت إذ يلبس عدم الموت.. لهذا لبس "المسيح جسدًا لكي يلتقي بالموت في الجسد ويبيده" (تجسد الكلمة 44: 4-6).
ه - بالتجسد ردَّ الله الضربة للشيطان بالفعل، فيقول القديس يعقوب السروجي "كما أن الشيطان دخل الحية وصرع الجنس البشري وأماته، هكذا أراد الله أن يأخذ جسد الإنسان ويختفي فيه ليقبض على الشيطان الحية القديمة ويهلكه" (و).
_____
(1) تجسد وتأنس ص 19، 20.
(ه) أورده د. جوزيف موريس فلتس، ص. 128-129.
(2) أورده مفيد كامل في كتابه " أضواء على سر التجسد " ص 25.
(و) أورده نشأت زقلمه في كتابه " معنا دائمًا " ص 18.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/3fkzcxp