St-Takla.org  >   pub_Bible-Interpretations  >   Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament  >   Father-Antonious-Fekry  >   08-Resalet-Corenthis-2
 

شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد - القمص أنطونيوس فكري

كورنثوس الثانية 10 - تفسير رسالة كورنثوس الثانية

 

اضغط هنا لإظهار الفهرس

← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

آية 1:- "ثُمَّ أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ بِوَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا نَفْسِي بُولُسُ الَّذِي فِي الْحَضْرَةِ ذَلِيلٌ بَيْنَكُمْ، وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ فَمُتَجَاسِرٌ عَلَيْكُمْ."

بوداعة المسيح = الوداعة التي تعلمناها من المسيح أو اكتسبناها من المسيح الذي يحيا فينا. الذي في الحضرة ذليل... في الغيبة متجاسر = هذه التهمة الموجهة لبولس.. أنه يضعف أمام خصمه بينما يتجاسر في غيبته عن طريق رسائله وهو يردد التهمة ليرد عليها. وهم فهموا محبته ووداعته أنها ضعف، أمّا هو في محبته ووداعته فكان متشبهًا بالمسيح. كان الرسول إذا كان معهم، كان لحبه لهم وخوفه على مشاعرهم، يتصرف معهم بوداعة بل كذليل. وفي غيابه، ولخوفه عليهم من الذئاب الخاطفة يكون قويًا في رسائله

 

آية 2:- "وَلكِنْ أَطْلُبُ أَنْ لاَ أَتَجَاسَرَ وَأَنَا حَاضِرٌ بِالثِّقَةِ الَّتِي بِهَا أَرَى أَنِّي سَأَجْتَرِئُ عَلَى قَوْمٍ يَحْسِبُونَنَا كَأَنَّنَا نَسْلُكُ حَسَبَ الْجَسَدِ."

إذا لم يصلح معهم أسلوب الوداعة، فسيكون مضطرًا أن يعاملهم بشدة مستعملًا سلطانه الروحي ويوقع عليهم عقوبات وتأديبات، بينما هو لا يفضل أسلوب الشدة بل يرجوهم أن لا يرغموه على ذلك = أَطْلُبُ أَنْ لاَ أَتَجَاسَرَ وَأَنَا حَاضِرٌ = أي عندما أحضر إليكم في كورنثوس. بِالثِّقَةِ = أنا واثق أنني سأكون مضطرًا أن أستخدم الشدة ضد من هم مصرين على الخطأ الذين هم قَوْمٍ يَحْسِبُونَنَا كَأَنَّنَا نَسْلُكُ حَسَبَ الْجَسَدِ = أي بدوافع مادية وجسدية وبمكر وجبن، فأكون وديعًا أمامهم وعنيفًا متجاسرًا في الغيبة لخوفي منهم.

 

آية 3:- "لأَنَّنَا وَإِنْ كنَّا نَسْلُكُ فِي الْجَسَدِ، لَسْنَا حَسَبَ الْجَسَدِ نُحَارِبُ."

كل التهم الموجهة لبولس غير صحيحة. لأنه وإن كان له جسد أي ما زال يحيا في الجسد إلاّ أنه لا يسلك بحسب الجسد أي ليس جبانًا ولا ماكرًا. وأيضًا ليس حسب الجسد يحارب = فأسلحته روحية قوية وليست جسدية ولا مادية.

 

آية 4:- "إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ."

أسلحة بولس هي الإيمان والصلاة والصوم وكلمة الله وسلطانه الرسولي ضد العالم والشيطان. أمّا الأسلحة الجسدية فهي الثروات والمراكز والقوة بأشكالها والفصاحة والرياء والدهاء والمراوغات. وقَادِرَةٌ بِاللهِ = لم يقل في كبرياء أنا قادر بل الله قادر. عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ = أي العقبات التي يضعها الشيطان وأتباعه من البشر في طريقنا. والأسلحة الروحية ليست ضعيفة بل هي قوية بالله، وقادرة على هدم حصون الشر، كما أن أسوار أريحا سقطت بالإيمان (عب 11: 30).

 

مملكة الشر هي مملكة الشيطان ومن يتبعه. والمسيح بصليبه ضربها وزعزع أسوارها:

*" ٱهْتِفُوا عَلَيْهَا حَوَالَيْهَا . قَدْ أَعْطَتْ يَدَهَا. سَقَطَتْ أُسُسُهَا. نُقِضَتْ أَسْوَارُها. لِأَنَّهَا نَقْمَةُ ٱلرَّبِّ هِيَ، فَٱنْقِمُوا مِنْهَا. كَمَا فَعَلَتِ ٱفْعَلُوا بِهَا" (إر15:50).

*"وَأُعَاقِبُ بِيلَ فِي بَابِلَ، وَأُخْرِجُ مِنْ فَمِهِ مَا ٱبْتَلَعَهُ، فَلَا تَجْرِي إِلَيْهِ ٱلشُّعُوبُ بَعْدُ، وَيَسْقُطُ سُورُ بَابِلَ أَيْضًا" + فَلَوْ صَعِدَتْ بَابِلُ إِلَى ٱلسَّمَاوَاتِ، وَلَوْ حَصَّنَتْ عَلْيَاءَ عِزِّهَا، فَمِنْ عِنْدِي يَأْتِي عَلَيْهَا ٱلنَّاهِبُونَ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ" (إر 51: 44، 53). ولاحظ أن بابل رمز واضح لمملكة الشيطان.

*أَلَمْ تَسْمَعْ؟ مُنْذُ ٱلْبَعِيدِ صَنَعْتُهُ، مُنْذُ ٱلْأَيَّامِ ٱلْقَدِيمَةِ صَوَّرْتُهُ. ٱلْآنَ أَتَيْتُ بِهِ. فَتَكُونُ لِتَخْرِيبِ مُدُنٍ مُحَصَّنَةٍ حَتَّى تَصِيرَ رَوَابِيَ خَرِبَةً" (2مل25:19).

* المسيح كسَّرَ ذراع فرعون فلا يستطيع حمل سلاح ضد شعب الله "يَا ٱبْنَ آدَمَ، إِنِّي كَسَرْتُ ذِرَاعَ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، وَهَا هِيَ لَنْ تُجْبَرُ بِوَضْعِ رَفَائِدَ وَلَا بِوَضْعِ عِصَابَةٍ لِتُجْبَرَ فَتُمْسِكَ ٱلسَّيْفَ" (حز21:30). وفرعون الوثنى يرمز للشيطان هنا.

*تكرار تهديد الله بأن يُرسل نارا على أسوار الأمم التي تحارب شعب الله "فَأُرْسِلُ نَارًا عَلَى سُورِ صُورَ فَتَأْكُلُ قُصُورَهَا" (عا10:1). وتهديد الله "وَأُكَسِّرُ مِغْلَاقَ (ترابيس غلق الأبواب) دِمَشْقَ" (عا5:1). ودمشق وبقية الأمم ترمز للشياطين التي كانوا يعبدونها. والمعنى أن الله سيحرم مملكة الشياطين من أي حماية. فمدينة بلا أبواب ولا مغاليق هي بلا حماية، ينهبها أي عدو.

*والرب ضرب الشيطان وكسَّر أسواره ومغاليقه. والرب بصليبه ربط الشيطان "لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ قَوِيٍّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ ٱلْقَوِيَّ أَوَّلًا، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ" (مر27:3). والرب يطلب من الكنيسة الآن أن تُكمل ما بدأه في ضرب الشيطان ومملكته "لأَنَّهَا نَقْمَةُ ٱلرَّبِّ هِيَ، فَٱنْقِمُوا مِنْهَا. كَمَا فَعَلَتِ ٱفْعَلُوا بِهَا" (إر15:50).

*وأعطى الرب للكنيسة السلطان على مملكة هذا العدو "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا ٱلْحَيَّاتِ وَٱلْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ ٱلْعَدُوِّ، وَلَا يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لو19:10). وأعطى الكنيسة وعداً بأنها المنتصرة دائماً "وَعَلَى هَذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ ٱلْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت18:16). أي أن مملكة الشيطان لن تقوى على تسابيح وصلوات الكنيسة. وراجع قصة الشهداء كبريانوس ويوستينا لتجد أن نطق إسم يوستينا قد أحرق الشيطان.

*وهكذا بالإيمان وبأسلحتنا الروحية نقدر أن نهدم حصون الخطايا التى إعتدنا عليها وما عدنا قادرين على التخلص منها وكأنها محصنة داخل أسوار منيعة.

*كان ما مضى خاص بكل المؤمنين. أضف لهذا القوة الخاصة والسلطان الرسولى للرسل "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى ٱلْأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي ٱلسَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى ٱلْأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي ٱلسَّمَاءِ" (مت18:18). وكان هذا الكلام موجها للتلاميذ الإثنى عشر. "وأيضاً، وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: ٱقْبَلُوا ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو 20: 22-23). وراجع قوة هذا السلطان فيما حدث مع القديس بطرس الرسول مع حنانيا وسفيرة (أع5: 1-11). وما حدث مع إليشع النبى ومقتل صبيان بيت إيل (2مل 2: 23-24). وما حدث مع إيليا النبى مرتين مع الجنود الخمسين الذين أرسلهم الملك ليعتقلوا إيليا وهلاكهم (2مل1: 1-14).

*وبهذه القوة وهذا السلطان الذى أعطاه المسيح للكنيسة نجد الرسول واثق من هدم حصون هي حصون الأشرار أعداء الله الذين يحركهم الشيطان، هؤلاء المقاومين للكنيسة. وقد إختبر الرسول هذا السلطان مع باريشوع الساحر "وَقَالَ: «أَيُّهَا ٱلْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ٱبْنَ إِبْلِيسَ! يَاعَدُوَّ كُلِّ بِرٍّ! أَلَا تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ ٱللهِ ٱلْمُسْتَقِيمَةَ؟ فَٱلْآنَ هُوَذَا يَدُ ٱلرَّبِّ عَلَيْكَ، فَتَكُونُ أَعْمَى لَا تُبْصِرُ ٱلشَّمْسَ إِلَى حِينٍ». فَفِي ٱلْحَالِ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ وَظُلْمَةٌ، فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ" (أع 13: 10-11).

 

آية 5:- "هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ،"

الحصون ليست حصون مادية بل روحية، فهو يهدم هذه الظُنُونً = الأفكار الخاطئة والأوهام والظنون غير الحقيقية. وَكُلَّ عُلْوٍ = تشامخ وكبرياء يرتفع فيصير كالحصون والقلاع التي تعطل الناس عن أن يعرفوا الله، وبهذه الأسلحة الروحية نستطيع أيضًا أن نأسر ونقرب كل فكر وكل حكمة إنسانية كي نجذبها ونكتسبها إلى طاعة المسيح. فالأسلحة الروحية لا تحارب فقط الجانب السلبي أي هي ضد الظنون والعلو، بل لها جانب إيجابي فهي تجعل كل إنسان يشتهي طاعة المسيح. ولاحظ أنه علينا حين تحاربنا الأفكار كالشهوة والحقد والتذمر على مشيئة الله... أن نرفضها ولا نفكر إلا في كل ما يجعلنا نطيع المسيح، ولنردد آية أو اسم المسيح (صلاة يسوع). كُلَّ عُلْوٍ = لا يمكن أن نختبر الإله الذي يسد كل حاجاتنا ويهبنا القوة في متاعبنا ويفيض فينا بتعزياته، ما لم ينخفض كل علو فينا إلى التراب ونتذلل أمام الله شاعرين بالحاجة إليه.

 

آية 6:- "وَمُسْتَعِدِّينَ لأَنْ نَنْتَقِمَ عَلَى كُلِّ عِصْيَانٍ، مَتَى كَمِلَتْ طَاعَتُكُمْ."

لأن ننتقم = أصل الكلمة يسوق لمحاكمة عسكرية. ولا يقول هذا الكلام رسول كاذب، فهو قادر أن يعاقب وله سلطان، وقد استعمله مع الزاني. وهنا كان الانتقام بحرمان الزاني من شركة الكنيسة ومن ثم تسليمه للشيطان. متى كملت طاعتكم = بولس يتوقع طاعة الأغلبية وخضوعها ثم يعاقب البقية المتمردة التي تستحق العقاب، حتى لا يكون العقاب جماعي شاملًا من هم أبرياء أو من هم مستعدين للطاعة، خشية أن يقتلع الحنطة مع الزوان.

 

آية 7:- "أَتَنْظُرُونَ إِلَى مَا هُوَ حَسَبَ الْحَضْرَةِ؟ إِنْ وَثِقَ أَحَدٌ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ لِلْمَسِيحِ، فَلْيَحْسِبْ هذَا أَيْضًا مِنْ نَفْسِهِ: أَنَّهُ كَمَا هُوَ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمَسِيحِ!"

أَتَنْظُرُونَ إِلَى مَا هُوَ حَسَبَ الْحَضْرَةِ = أي المظهر الخارجي، فهم إحتقروا بولس لوضاعة مظهره وبساطته، ولم يدركوا قوته الروحية وسلطانه. وبولس يقول لهم إن كان أحد يظن أنه للمسيح بسبب مواهبه التي حصل عليها، ومثل هذا إن لم تكتمل طاعته فهو معرض لأن ينخدع بسهولة في مظهري، ولكن على مثل هذا أن يعلم أننا خدام للمسيح، أنا بولس، وعليه أن لا يتجاهل وضعنا كرسل للمسيح لهم سلطانهم.

← وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

 

آية 8:- "فَإِنِّي وَإِنِ افْتَخَرْتُ شَيْئًا أَكْثَرَ بِسُلْطَانِنَا الَّذِي أَعْطَانَا إِيَّاهُ الرَّبُّ لِبُنْيَانِكُمْ لاَ لِهَدْمِكُمْ، لاَ أُخْجَلُ."

الله أعطاني كرسول سلطان وأنا أفتخر بكل ما أعطاه لي الله. وهو أعطاني هذا السلطان لِبُنْيَانِكُمْ لاَ لِهَدْمِكُمْ. ولن يكون هناك ما يخجلني ويشير لي كإنسان كاذب أو مفتخر متظاهر مُدَّعي، فهذا السلطان للتأديب، إذًا هو للبنيان، لا لاستعماله في أغراض شخصية. وهو سلطان حقيقي وقد إستعملته مع الزاني ومع بار يشوع الساحر وغيرهم، وأنا مستعد أن أستعمله معكم ولن أُخجل = فما أقوله أو أؤدب به سيحدث فعلًا فالله هو الذي أعطانا كرسل هذا السلطان. فلا تلزموني بهذا.

 

آية 9:- "لِئَلاَّ أَظْهَرَ كَأَنِّي أُخِيفُكُمْ بِالرَّسَائِلِ."

على أني لن أتفاخر بسلطاني هذا لئلا أبدو كمن يخيفكم بالرسائل، أو يكون المعنى أنا مستعد أن أظهر سلطاني الرسولي وأعاقب وترون أنتم نتيجة عملية ولا تكون تهديداتي بالرسائل فقط، وسترون وتتأكدون أن لى سلطان للعقاب في حضورى وليس في رسائلى فقط.

 

آية 10:- "لأَنَّهُ يَقُولُ: «الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ»."

الرسل الكذبة يقولون عني أن رسائلي قوية وأما حضور الجسد فضعيف والكلام حقير = أي كلامه غير فصيح وضعيف في كلماته كما فى جسمه. وأن لا سلطان له ليعاقب.

 

آية 11:- "مِثْلُ هذَا فَلْيَحْسِبْ هَذَا: أَنَّنَا كَمَا نَحْنُ فِي الْكَلاَمِ بِالرَّسَائِلِ وَنَحْنُ غَائِبُونَ، هكَذَا نَكُونُ أَيْضًا بِالْفِعْلِ وَنَحْنُ حَاضِرُونَ."

وبالرغم من مظهري الوديع الهادئ وبالرغم من محبتي، فسلطاني الرسولي في التأديب موجود، وأنا لست كما يتهمونني أنني جبان خائف، بل نفس الجرأة التي نستعملها في الرسائل هي نفسها نستخدمها ونحن حاضرون. ويقول ذهبي الفم أن بولس كان ضعيف الجسد قصير القامة بالإضافة لشوكة جسده، عكس برنابا الذي كان له مظهر مهيب (أع 14: 12 + 2كو 12: 7 + 1كو 2: 3 + غل 4: 13-15 + غل 6: 11 + أع 19: 11-12). ولاحظ أن أعداء بولس لم يتركوا شيئًا إلاّ واتهموه به، في مظهره وفي ضعفه الجسدي وأنه يقول ولا يفعل، وأنكروا سلطانه الرسولي واتهموه بالجبن فهو على البعد جرئ وفي الحضرة ذليل وربما أشاعوا أنه يستفيد بالأموال.

 

آية 12، 13:- "لأَنَّنَا لاَ نَجْتَرِئُ أَنْ نَعُدَّ أَنْفُسَنَا بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الَّذِينَ يَمْدَحُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَلاَ أَنْ نُقَابِلَ أَنْفُسَنَا بِهِمْ. بَلْ هُمْ إِذْ يَقِيسُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيُقَابِلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، لاَ يَفْهَمُونَ. وَلكِنْ نَحْنُ لاَ نَفْتَخِرُ إِلَى مَا لاَ يُقَاسُ، بَلْ حَسَبَ قِيَاسِ الْقَانُونِ الَّذِي قَسَمَهُ لَنَا اللهُ، قِيَاسًا لِلْبُلُوغِ إِلَيْكُمْ أَيْضًا."

يَقِيسُونَ أَنْفُسَهُمْ = يقيسون أي هم يُقَيِّمون أعمالهم بحسب خيالاتهم. والمعنى أنهم يعطون لأعمالهم تقييماً وتقديراً يفوق الواقع بحسب خيالاتهم أو غشهم، فهم يُضَخِّمون أعمالهم، ويمدحون أنفسهم أمام أهل كورنثوس. كأن يدَّعوا أنهم كرزوا للمسكونة وأنهم عملوا أشياءً عظيمة. والرسول بولس هنا يقول إنه لن يدخل معهم في منافسة، فما يقولونه هو من وحى خيالاتهم وأوهامهم. أما أنا بولس فلا أدعى أننى كرزت للمسكونة كلها وعملت ما لم يعمله أحد. بل أن ما عملته كان في حدود منطقة حددها لى الله لأبشر فيها، وكانت كورنثوس في حدود المنطقة التي كلفنى الله بالكرازة فيها. وإذا كلف الله أحد بعملٍ ما يعطيه المعونة لينجح العمل. وإذا كان النجاح يأتي بمعونة الله، فلا معنى أن الخادم المكلف من الله بالعمل أن يفتخر بنجاحه ويمدح نفسه كما يقول القديس بولس الرسول نفسه عن هذا "وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ، فَلِمَاذَا تَفْتَخِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ" (1كو7:4).

الرسل الكذبة من خصومي يعظمون أنفسهم ويفاخرون كثيرًا بأزيد مما فيهم، حتى لم نعد نجترئ أن نفاخرهم أو نقايس أنفسنا معهم (وهذه سخرية منهم) لأن مقايستهم (تقييمهم لأعمالهم) ليست بقياس الحق وبحسب أعمالهم الحقيقية، بل بحسب ما يرون ويتخيلون ويفتكرون. وأما نحن فلا نفتخر مثلهم ولا نَدَّعي لأنفسنا أكثر مما فينا، بل نفتخر بأعمالنا وبالبلدان التي بشرنا فيها حتى انتهينا إليكم، لأن الله قسم كرمه على رسله. والقسم الذي خصني وصل لكورنثوس. فأنا لا أدعي لنفسي أنني جلت الدنيا كلها كما يدعي الرسل الكذبة. فافتخارهم هو وَهْمْ بحسب مقاييسهم هم. وهذه الأوهام تقود إمَّا للكبرياء أو الحسد ممن هم أكثر منهم.

وهذه التهمة التي توجه لي بأنني ضعيف في الحضرة هل هي صحيحة؟ على كل فإننا لم نجترئ كما يجترئ هؤلاء الرسل الكذبة ويمدحون أنفسهم، لن نجترئ نحن أن نمدح أنفسنا، فإذا كان لهؤلاء أن يتهموننا بالضعف، فليكن هو ضعف من لا يجترئ أن يمدح نفسه. يَقِيسُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ = هم قوم مخدوعون ومغرورون بأنفسهم. ولذلك يتخذون من أنفسهم مقاييس ومعايير. أمّا الرسول الحقيقي فهو في تواضع يقيس نفسه على من هو أعلى منه فيجد نفسه ضعيف وناقص. بل علينا كلنا أن نقيس أنفسنا على الله "كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل" والخطأ أن ننظر إلى من هم أقل منا فنكتشف أننا بالنسبة لهم كاملين فنمتلئ غرورًا وكبرياء، بل إدانة للضعيف. يُقَابِلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ = يختارون دائرتهم حسب خيالهم وليس وفق مشيئة الله.

نَحْنُ لاَ نَفْتَخِرُ إِلَى مَا لاَ يُقَاسُ = BEYOND MEASURE أي ما يتعدى حدود إرساليتي. فأنا لا أذهب لأبشر في المكان الذي أختاره لنفسي، بل أذهب لأماكن حددها لي الله، فأنا لا أفتخر إلا بأنني أنفذ إرادة الله بحسب خطته.

بَلْ حَسَبَ قِيَاسِ الْقَانُونِ الَّذِي قَسَمَهُ لَنَا اللهُ = القانون كان عصا قياس أو مسطرة، والمعنى أن الله قسم لكل رسول منطقته وعمله وخدمته والحدود التي تحدها. وبولس لن يعمل خارج الحدود التي حددها وقسمها الله له. وبولس لن يفتخر بأتعاب الآخرين وينسبها لنفسه، بل يفتخر في داخل الحدود التي حددها الله له وشملها عمله وخدمته، وهذه الحدود تشمل كورنثوس. أي أن المقياس الذي وُضِعَ لنا أن نسير بحسبه هو أن نصل حتى نكرز لكم أيضًا = لِلْبُلُوغِ إِلَيْكُمْ أَيْضًا. والرسول يقصد أن يقول أنه يكرز ويخدم وفقًا لما حدده له الله وهذه الحدود تشمل الكورنثيين. ونفهم أن الرسل الكذبة انتهكوا القانون الذي وضعه الله لبولس، وإلاّ فلماذا ذهبوا إلى كورنثوس وهي من قانون بولس. وواضح أن الفخر المبالغ فيه من سمات الرسل الكذبة. وبولس يشكر الله على ما أعطاه له ويطلب معونته ونعمته ليكمل عمله بلا غيرة من أحد وبلا كبرياء.

 

آية 14:- "لأَنَّنَا لاَ نُمَدِّدُ أَنْفُسَنَا كَأَنَّنَا لَسْنَا نَبْلُغُ إِلَيْكُمْ. إِذْ قَدْ وَصَلْنَا إِلَيْكُمْ أَيْضًا فِي إِنْجِيلِ الْمَسِيحِ."

لأننا لا نمدد أنفسنا = لا نعظم أنفسنا بالكلام، ولا نتجاوز أو نتعدى دائرة نشاطنا القانوني المُعْطَى لنا من الله، كما لو أن صلاحياتنا لا تمتد إلى كورنثوس، إننا لا نحاول أن نعظم أنفسنا فوق الحدود التي قسمها لنا الرب وندعي زورًا بأنكم من دائرتنا وفي حدود تكليفنا، لأنه من الواضح أننا كرزنا لكم وأنكم من الشعوب التي حددها لنا الرب لنعمل فيها وقد حدث وكرزنا لكم.

 

آية 15:- "غَيْرَ مُفْتَخِرِينَ إِلَى مَا لاَ يُقَاسُ فِي أَتْعَابِ آخَرِينَ، بَلْ رَاجِينَ ­إِذَا نَمَا إِيمَانُكُمْ­ أَنْ نَتَعَظَّمَ بَيْنَكُمْ حَسَبَ قَانُونِنَا بِزِيَادَةٍ،"

غير مفتخرين إلى ما لا يقاس = نحن لا نفتخر خارجًا عن مجالنا وعن حدودنا BEYOND MEASURE في أتعاب آخرين = أي لا نفتخر بالأتعاب التي بذلها الآخرون، فنحاول أن نكرز بالإنجيل حيث كرز هؤلاء وحيث تعبوا، فكأننا نأخذ ثمرة تعبهم وننسبه لأنفسنا، وهذا يعمله الرسل الكذبة. بل راجين إذا نما إيمانكم = نرجو أنه إذا استقرت أوضاعكم وزاد إيمانكم أن ينتهي دورنا معكم فيعطينا الرب أن نكرز في أماكن أخرى (وهذا ما قاله في آية 16) أي يتسع مجال كرازتنا وعملنا. فلا يمكن أن الله يعطيه أماكن أخرى للكرازة إلاّ إذا ضمن استقرار السابقين. نتعظم بينكم حسب قانوننا بزيادة = يتعظم الرسول أي يُمْدَح من شعب كورنثوس إذا نما إيمانهم. فكلما ينمو إيمانهم سيدركون فضل الرسول عليهم، وأنه كرسول حقيقي بلغ بهم إلى الهدف الذي كان الله يريده فيهم. ولاحظ أن هذا الكلام ليس ضد التواضع، ففي حالة بولس هنا يكون التواضع بزيادة، تصرفًا خاطئًا لأن الرسل الكذبة سيستغلون هذه الكلمات المتواضعة لإثبات عدم قانونية رسوليته، والأكاذيب التي يرددونها عنه، فيتشكك الناس في العقيدة الصحيحة.

 

آية 16:- "لِنُبَشِّرَ إِلَى مَا وَرَاءَكُمْ. لاَ لِنَفْتَخِرَ بِالأُمُورِ الْمُعَدَّةِ فِي قَانُونِ غَيْرِنَا."

إِلَى مَا وَرَاءَكُمْ = الأماكن التي لم يصل إليها الإنجيل بعد أي غرب اليونان مثل إيطاليا وأسبانيا، هذه الأماكن التي لم يصل إليها كارز بعد. لاَ لِنَفْتَخِرَ بِالأُمُورِ الْمُعَدَّةِ فِي قَانُونِ غَيْرِنَا. = فنحن لا نريد أن نذهب إلى أماكن وصل إليها آخرون وتعبوا فيها فنفتخر بما تعبوا هم فيه. وكان هذا مبدأ للرسول (رو 15: 20). ولكن هدفه دائمًا كان أن تصل رسالة الإنجيل لكل إنسان في العالم ولكن حسب التكليف الإلهي له (رو 15: 21).

 

آية 17:- "وَأَمَّا: «مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ»."

ولكن إذا كنا نتكلم عن أتعابنا الخاصة التي سيباركها الرب. وهذه الأتعاب وكذلك نجاح الخدمة، لا يملأنا هذا بالفخر كأن هذا النجاح ينسب إلى جهدنا وعملنا. بل على العكس نحن نفتخر بتواضعنا وننسب كل شيء إلى الرب، فالخادم عليه أن يتذكر أن نجاح خدمته لا يرد إليه، ولكن يرد إلى الرب الذي استخدمه في هذا العمل وأعطاه مواهبه.

 

آية 18:- "لأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ مَدَحَ نَفْسَهُ هُوَ الْمُزَكَّى، بَلْ مَنْ يَمْدَحُهُ الرَّبُّ."

المزكى = هو من إعتبره الله أمينا على ما أوكل إليه من عمل.

وليس ما يُرضى الله أن يمتلئ الخادم بالغرور ويمدح نفسه وينسب نجاح الخدمة إليه، إنما الذى يمدح ويزكى هو الله، أي يفرح ويرضى ويبارك ذلك الإنسان الذى يعمل بتواضع معلناً أن فضل القوة ليس منه بل من الله. بل يُعلِن الله أمانة هذا الخادم للناس.

يَمْدَحُهُ الرَّبُّ = يفرح به الرب ويبارك عمله وينجح خدمته ورسالته ويكافئه على مجهوده.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات كورنتوس الثانية: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Antonious-Fekry/08-Resalet-Corenthis-2/Tafseer-Resalat-Koronthians-2__01-Chapter-10.html

تقصير الرابط:
tak.la/4j7xcwh