وبعد مجيء المسيح ألغى الحرف وأكد ما يخرج روح الناموس بالحياة الإنجيلية السامية، فضبط ما يخرج من الفم وما يخرج من القلب ويدنس الإنسان أيضًا، وحقق نظرة الشهوة بعقاب الزنا، وحقق حركة الغضب بعقاب القتل. فمنذ ذلك الحين ما يدخل الفم لا يدنس الإنسان بعد، لأن الذي يحيا في المسيح بطريقة إنجيلية سامية ليس تحت فرائض ناموسية بخصوص الأطعمة.
أما مع الفريسيين الذين لم يفهموا في ذلك الوقت هذه الكلمة، وكانوا يظنون أن حفظ الناموس ينحصر في الأطعمة، فكانوا من العشارين، وكذلك مع الرسل الذين اختبروا نفس الشعور أيضًا، فكان يتصرف بحلم وبهدوء.
وفي حديثه عن هذا الموضوع أخيرًا فصل الخطاب: "وَأَمَّا الأَكْلُ بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ فَلاَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ" (مت15: 20) حتى ليتبين قوله عن موضوع ما ينجس الإنسان وليس عن حفظ الوصية الخاصة بالأطعمة.
![]() |
وقد بين بطرس الرسول في سفر الأعمال أنه منذ البدء كان يبدو ذلك صعبًا حتى على الرسل، وذلك حينما رأى في رؤياه الملاءة المملوءة من كل الطيور والزواحف والدواب وسمع الكلمات القائلة: "قُمْ يَا بُطْرُسُ، اذْبَحْ وَكُلْ" (أع10: 13) فرد: "كَلاَّ يَا رَبُّ! لأَنِّي لَمْ آكُلْ قَطُّ شَيْئًا دَنِسًا أَوْ نَجِسًا" (أع10: 14).
وقد أوضح الرسل بطريقة مميزة أنهم عثروا. قالوا: "أَتَعْلَمُ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا الْقَوْلَ نَفَرُوا" (مت15: 12).
لذلك فقد هاجم يسوع الفريسيين بشدة قائلًا: كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ. اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ" (مت15: 13- 14). أطلق على الفرع من فروع التقاليد الفريسية التي تتمسك بحرفية الناموس " غرس لم يغرسه الله ". تلك تثير الجدل، جوفاء، لأيس لها مغزى، وهي لا تتفق مع الناموس الذي وضعه الله تعالى.
وفعلا نجد أن الكفرة لم تنقصهم طلاقة اللسان النجس الذي يحارب الله. ولهذا السبب قد وصف السيد المسيح الفريسيين بالعميان لأنهم ثبتوا عينهم على الحرف ولم يريدوا أن ينظروا إلى الروح والمعنى الداخلي. وقد ترتب على ذلك أيضًا أنه تعالى أمر بالأعراض عنهم حينما عثروا بدون سبب، إذ قال: "اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ" (مت15: 14). ولكي يبعد الجموع أيضًا عن تعليم الفريسيين المهلك، فقد بين أنه ثمة خطورة كبيرة في اتخاذنا قادة عميان للاسترشاد بهم في طريق الأعمال الواجبة.
الاّ أنه حينما قال جباة ضريبة الدرهمين للرسل: "أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرْهَمَيْنِ" (مت17: 24). بعد أن بين أنه معفى وغير خاضع للضريبة لأنه ابن حقيقي للملك وإله من إله، قال لبطرس: "وَلكِنْ لِئَلاَّ نُعْثِرَهُمُ، اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً، وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلًا خُذْهَا، وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارًا، فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ" (مت17: 27). معلمًا إيانا في الأعمال الدنيوية وفي كل ما يتعلق بالخيرات والأموال، الا نحتقر الذين يعثرون، والا نعبأ بالذين هم أشبه بالفريسيين يحفظون التعليم الإلهي ويتذكرونه بغيرة حينما يعثرون.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
لأنه حينما كان اليهود والوثنيون يعثرون ويستهزئون بالبشارة وبالصليب، لم يكن بولس الرسول في ذلك ليسكت بل بالعكس كان يقول: "وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً" (1كو1: 23). هكذا يجب علينا إذًا أن نؤدى أعمالنا الروحية اللاهوتية حتى لو كان الوثنيون واليهود أو أي عدو آخر لله، يتمزق من جراء عثرته.
يجب أن نبتعد عن تقاليد الفريسيين وما يشبهها أيضًا، فإن منها تنحدر تلك الأشياء التي تدعى أحجبة، وتلك السيور الجلدية المربوطة بخيوط الكتان، يعلقها بعض الناس في رقابهم أو في أي عضو آخر، لأن المسيح ربنا يقول في الإنجيل عن الفريسيين: "وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ يَعْمَلُونَهَا لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ النَّاسُ: فَيُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ وَيُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ" (مت23: 5).
ويروَى في سفر الأعمال أن المناديل والعصائب التي كانوا يأخذونها من على جسد بولس الرسول كانت تُذهب الأمراض إذا وضعوها على المرضى، "حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ" (أع19: 12). لكنهم كانوا يفعلون ذلك بحسب عادة من عادات الشعب بدون علم بولس ولم يكن بولس يعلم ذلك. والكتاب المقدس يوصى: "أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ، وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ، وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ" (يعقوب5: 14- 15).
ترى أن زيت القديسين الذي ندهن به حسب الوصية يخلص ليس فقط من المرض بل أيضًا من كثرة الخطايا. إذًا فما يكون مسموحًا بعمله بطريقة صحيحة وما يمكن أن تكون له منفعة مثل هذه، لماذا تخطئ في فعله وتخسره، حينما ينصب اهتمامك على الأربطة والشرائط التي تضعها حول يدك أو حول عنقك؟ ربما تعلقها أنت على جسدك بعد أن تكون قد أخذتها من القديسين فعلًا، أما آخرون فقد يعلقونها بعد أن يكونوا قد أخذوها من اختراع شيطانى أو سحر.
بم إذًا نميز الفرق لنتفادَى الخسارة؟ في الواقع حتى لو كنت أنت نفسك لا تخسر شيئًا كما قلت، الا أنك تسبب للآخرين ما يجرحهم بقدوتك. لذلك كان بعض المسيحيين في كورنثوس، ليس عن طريق عبادة الأصنام، بل بحسب عادة غير معقولة، يذهبون إلى الولائم ويجلسون على الموائد ويقولون مثلكم أنهم لا يخسرون شيئًا البتة بذلك. فنجد بولس الرسول يكتب لهم: "لأَنَّهُ إِنْ رَآكَ أَحَدٌ يَا مَنْ لَهُ عِلْمٌ، مُتَّكِئًا فِي هَيْكَلِ وَثَنٍ، أَفَلاَ يَتَقَوَّى ضَمِيرُهُ، إِذْ هُوَ ضَعِيفٌ، حَتَّى يَأْكُلَ مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ؟ فَيَهْلِكَ بِسَبَبِ عِلْمِكَ الأَخُ الضَّعِيفُ الَّذِي مَاتَ الْمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ وَهكَذَا إِذْ تُخْطِئُونَ إِلَى الإِخْوَةِ وَتَجْرَحُونَ ضَمِيرَهُمُ الضَّعِيفَ، تُخْطِئُونَ إِلَى الْمَسِيحِ لِذلِكَ إِنْ كَانَ طَعَامٌ يُعْثِرُ أَخِي فَلَنْ آكُلَ لَحْمًا إِلَى الأَبَدِ، لِئَلاَّ أُعْثِرَ أَخِي" (1كو8: 10- 13).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
يجب إذًا أن نقطع هذه العادات الغير معقولة إذا عرفنا أن بها نتسبب للغير أن يصيبهم الضرر. قلت لكم هذا، ليس لكي أنصب لكم فخا بل لكي اجعلكم وقت تعليمكم قادرين على فحص الأمور ومتمكنين مما يليق بكم أن تفعلوه، ولكي اقنعكم الا تحكموا على شيء قبل الوقت.
ولا تقولوا أن هذا البطريرك قد أعطاكم وصية شديدة جدًا وصعبة جدًا لأن عظمة هذا اللقب تزيد أيضًا من مسئوليتي؛ وانى أرتاح بالرغم من ذلك، منتظرًا وقت الكلام بمثابرة، كقول سليمان في سفر الجامعة: "لِلسُّكُوتِ وَقْتٌ وَلِلتَّكَلُّمِ وَقْتٌ" (جامعة3: 7).
فكل ما نفعله إذًا فإننا نفعله رأفة بأرواحكم حتى إذا فعلتم الخير ليس عن اضطرار بل برضاكم تصيرون كاملين؛ " فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48) له يليق المجد مع المسيح والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/sprx9jv