St-Takla.org  >   books  >   various  >   severus-ordination-as-bishop
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب بمناسبة الذكرى السنوية لرسامته أسقفًا (للقديس الأنبا ساويرس الأنطاكي)

5- صانع السلام الحقيقي: بين القول والفعل في القيادة الروحية

 

لقد رأيتم كيف أننا بعيدون جدًا من صِفة صانع السلام، هذه الصفة الشاملة المليئة بالمعاني الإلهية وأصبحنا بحاجة إلى أن نعرق كثيرًا ونجاهد جهادًا كبيرًا لنقوّم أنفسنا. والأقرب للفهم: أن صانع السلام لا يكون فقط بالكلام بل بأعماله وإعطائه من نفسه مثالًا ورمزًا، ويميّز الأمور التي تؤدي إلى السلام الحقيقي من التي تؤدي إلى السلام الزائف. عليه أن يهتم ليكون واهبًا للسلام للجميع لا أن يكون فقط مسالمًا مع الجميع. فإن حصل لأحدهم أن زنى، وأغمض عينيه ولم يوبّخه ويرحمه أيضًا الرحمة المبيدة الخطيئة، لا يكون صانعًا للسلام، لكنه بذلك يُنمّي ويُكثّف عليه حرب الخطيئة ويُسلّم ذلك الشقي إلى الفساد التام والضياع. أما إن وبّخ مَن سقط وداواه بالدواء المؤدّب وأعاده إلى وعيه، يكون قد رحمه وأخمد اضطرام الشهوة فيه وينجّيه ويخلّصه من الجنون ويضع الطمأنينة في نفسه ويكون فعلًا قد صنع ما يليق بصانع السلام.

St-Takla.org Image: Modern Coptic icon of depicting the Fathers (from left): Pope Dioscorus the Great - Pope Cyril the Pillar of the Faith - Saint Severus, Patriarch of Antioch. صورة في موقع الأنبا تكلا: أيقونة قبطية حديثة تصور الآباء (من اليسار): البابا ديسقورس الكبير - البابا كيرلس عمود الدين - القديس ساويرس البطريرك الأنطاكي.

St-Takla.org Image: Modern Coptic icon of depicting the Fathers (from left): Pope Dioscorus the Great - Pope Cyril the Pillar of the Faith - Saint Severus, Patriarch of Antioch.

صورة في موقع الأنبا تكلا: أيقونة قبطية حديثة تصور الآباء (من اليسار): البابا ديسقورس الكبير - البابا كيرلس عمود الدين - القديس ساويرس البطريرك الأنطاكي.

لقد تأمل داؤد بفكر كهذا إذ رنّم قائلًا: “ليضربني الصديق فرحمة وليوبّخني فزيتٌ للرأس” (مز 141: 5) وما هذه إلا رحمة وسلامًا (يضربني - يوبخني) فهي تقف ضد الأهواء وتقطعها، وتصفع المتشامخ والمتكبّر بأساليب الإتضاع، وبطرق وإبداعات مُرشِدة وحكيمة وبرويّة لا اعتباطية تُخفِض جبينه المتشامخ. أما الظالم فلا تؤدّبه وتُعَلِّمه التجرّد دفعة واحدة، بل حدّثه عن الوسائل والفوائد العادلة ثم تنتزع منه وتفرّغه من مادة أهوائه، وتُرشِده إلى مشاركة المحتاجين، وكجراح تعصبه وتبيّن له الفائدة الروحية (أي) ملكوت السماء. أما إن منحتَ الأهواء سلطانًا وسكتَّ عنها جميعًا كي يخفيها أحد بداخله، تكون هذه سلامًا سلبيًا لا يعرف الله، (سلامًا) يكون كأمٍ (مُسبّبٍ) للحرب والخصام الذي لا إمكان لعدم انقسامه ليُعثِر (دون شكٍّ) صاحبه، ولا يمكن أن يرسخ (هذا السلام) لطالما ليس الله هو القاعدة فيه.

لقد تسلّح داؤد ضد هذا النوع من السلام إذ قال: “لأني غِرتُ من المتكبّرين إذ رأيتُ سلامة الأشرار[13]” (مز 73: 3). وهذا ما تُشير إليه كلمات إلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح إذ قال: “سلامًا أترك لكم. سلامي أعطيكم. ليس كما يُعطي العالم أعطيكم أنا” (يو 14: 27).

فعلى صانع السلام أن يكون ظاهره[14] مطابقًا لأعماله. فكفاك مُراءاةً وخداعًا يا هذا، لا تنفكُّ تزرع في نفوس الناظرين منظرًا مزيَّفًا للحرب (ضد إبليس) فتضرب نفوسهم بالشكّ وتدفعهم إلى الهاوية. فيا هذا، حينما تُظهر نفسك بالثياب السوداء وتقدّم شكلًا زائفًا لحُسنِ العبادة، وتكثف شعر ذقنك، وتخفض جبينك وتنظر نحو الأرض وتّتسم بالحزن (الزائف) الذي لا وجود له فيك، وتشتهي الأمور الغريبة وأنت أحَدُّ في اختطافها من ذئاب العربية كقول النبوة[15] (حب 1: 8)، ويملؤك الجشع نحو جمع المال، (فحينما تفعل هذه كلها) أي سلام تعطي لمن أنت رئيس لهم؟ وأيّة حربٍ لا توقع فيما بينهم؟

فخاصية صانع السلام هي ألا يجتهد فقط أن يعلّم بالتمام وكما يجب ما ينفع من الإرشاد التدبيري، بل أن يحلّ بحكمة وتوافق ما يُكرزُ به دائمًا من الكتبي المقدسة ما يبدو بأنه متناقض، فيقرن العهد القديم بالجديد كأوتار مختلفة في قيثارة واحدة تعزف نغمة واحدة رائعة الألحان وتُبيّنُ بأن إله العهدين هو واحد، وتلجم فم الذين بلا إله: مرقيون وماني أبو المانويين الشقي. لا بل وبالنسبة إلى الهرطقات المتناقضة والمتخاصمة مع بعضها بعقليات أصحابها المتحجّرة كبدعة سابيليوس وبدعة آريوس وبدعة أوطاخي وبدعة نسطور. هذه كلها علينا أن نقتلعها بكلمات الحق التي نجعل منها أيادي تجتذبها من كل الأطراف نحو الطريق المعتدلة طريق الإيمان المستقيم الرأي، الطريق التي حاد عنها جميع هؤلاء. إنها لخاصيّة صانع السلام أن يعرف كيف يقرن (يلحم) بحكمة كل الانشقاقات.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

فليخجل سابيليوس من الجوهر الواحد للثالوث الأقدس وباطلًا يتذرّع ببرهنة تقسيم اللاهوت، وهو ما لا يُعقل. وليخجل أيضًا آريوس من التميُّز الرائع الذي للأقانيم الثلاثة، (وليخجل) من أن يحاول أن ينسب البلبلة إلى الجوهر الواحد الذي للثالوث. وليتخلَّ أوطاخي عن خياله، ولير بأن الإيمان هو: طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد، مساوٍ لنا بالجسد ذي النفس العاقلة والمدرِكة ولا يُقسَم إلى طبيعتين من بعد الاتحاد. فليقترب أيضًا وليتّحد مع الكنيسة مَن قد ضلَّ وانتقل إلى مذهب نسطور، وليرَ بأن الله قد تألم بما كان يمكنه أن يتألم به، طبعًا بالجسد، وظلَّ هو كما هو غير متألم. (إنها من علامات صانع السلام أن نكلّم هؤلاء جميعًا بهذه الكلمات).

أما أن نحرم فقط وبدون تعقّل وبجهلٍ وبتفكيرٍ قروي، ونصرخ بالتعظيم وتفخيم الكلمات بأننا أرثوذكسيون، وفي الوقت نفسه نتكلّم بطغيان كمن يتكلّم من فوق حصن مدينة، ونحتقر خلاص هؤلاء الآخرين ولا نمدّ يدنا لمن ضلّوا لا نكون صانعي سلام.

وإذ أقف مجرّدًا من كل هذه الصالحات التي عددتها، والتي يجب أن تكون موجودة في كل من هم واقفون أمام باب الأسقفية، أتوسّلُ إليكم وأطلب أن تُقرِضوني الدموع والصلوات لئلا يُطلب مني أن أقدّم كلمة حساب عن خسارة كل أحد. ولكي أتطلع إلى التوبة والتغيير الفاضل في أي وقت كان حتى ولئن تأخرتُ. فمن أجل ذلك تصرّفتُ بكل ما سبق فقلته تجاه جميعكم، لأنه عليَّ وُضِعَ (كأمانة) ثقل الاهتمام بأموركم. فإن فعلتم كل هذه تنالون أجرًا من فوق، ونستحق جميعنا أن يكون ملكوت السماء نصيبنا، بنعمة الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح ومحبته للبشر، الذي معه يليق المجد والوقاروالسلطان للآب مع الروح القدس الصالح والمحيي الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين، آمين.

 


الهوامش:

[1] النص المختار هو العظة التاسعة والتسعون التي ألقاها بمناسبة الذكرى السنوية لرسامته أسقفًا، وقد نقلها من السريانية إلى العربية المثلث الرحمة المطران مار سويريوس صليبا توم، المجلة البطريركية، الأعداد 207، 208، 209 أيلول وت1 وت2 - 2001 السنة 39.

[2] Φιλανθροπιαܪܚܡܬ ܐܢܫܘܬܗ

[3] ܐܟܣܢܘܡܐ Αξιωμα

[4] ܐܦܝܣܩܘܦܘܬܐ ܣܥܘܪܝܬܐ ܘܡܥܒܕܢܝܬܐ

[5] ܐܣܛܠܐ στολη

[6] ܐܦܘ̈ܕܝܩܢܘ υποδιακονοσ

[7] ܡܬܐܡܢܢܐ σχολαστησ

[8] ܒ̈ܬܐ ܕܠܘ̈ܬܐ ܕܣܗܕ̈ܐ

[9] قاموس توما أودو، ص 288، طبعة دير مار أفرام السرياني - هولندا 1985.

[10] συλλαβασ

[11] ܫܠܡܐ ܠܟܠܟܘܢ ܡܙܥܩܝܢ ܚܢܢ

[12] ܫܦܝܪܘܬ ܨܒܝܢܐ

[13] ܛܢܬ ܟܠܐ ܢܡܘܣܝ̈ܐ: ܟܕ ܫܝܢܐ ܕܚܛܝ̈ܐ ܚܙܐ ܗܘܝܬܐ

[14] ܙܕܩ ܠܗ ܕܝܢ ܠܥܒܕ ܫܝܢܐ: ܐܦ ܕܐܣܟܡܐ ܢܗܘܐ ܐܝܬ ܠܗ ܕܠܚܡ ܠܥܒܕ̈ܐ

[15] ܟܕ ܐܬܝܟ ܚܪܝܦܐ ܠܘܬ ܚܛܘܦܝܐ ܕܗܠܝܢ ܝܬܝܪ ܡܢ ܕܐܒ̈ܐ ܕܐܪܐܒܝܐ ܗܝ ܕܐܡܪܐ ܡܠܬܐ ܢܒܚܬܐ


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/various/severus-ordination-as-bishop/true-peacemaker.html

تقصير الرابط:
tak.la/9845dgy