St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

743- هل نحن مُتساوون مع الابن في الطبيعة، بدليل قول السيد المسيح: " أَنِّي أَنَا فِي أَبِي وَأَنْتُمْ فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" (يو 14: 20)، وفي صلاته لأبيه: " لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا" (يو 17: 21). " لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ" (يو 17: 22)؟ وهل تنبأ السيد المسيح عن مجيء نبي بعده: " وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو 14: 26) لأن لفظة "باراكليت" في السريانية واليونانية تعني محمود؟ وهل الآب أعظم من الابن بدليل قول السيد المسيح " أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" (يو 14: 28)؟

 

سؤال 743: هل نحن مُتساوون مع الابن في الطبيعة، بدليل قول السيد المسيح: " أَنِّي أَنَا فِي أَبِي وَأَنْتُمْ فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" (يو 14: 20)، وفي صلاته لأبيه: " لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا" (يو 17: 21). " لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ" (يو 17: 22)؟ وهل تنبأ السيد المسيح عن مجيء نبي بعده: " وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو 14: 26) لأن لفظة "باراكليت" في السريانية واليونانية تعني محمود؟ وهل الآب أعظم من الابن بدليل قول السيد المسيح " أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" (يو 14: 28)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: هل نحن مُتساوون مع الابن في الطبيعة، بدليل قول السيد المسيح: " أَنِّي أَنَا فِي أَبِي وَأَنْتُمْ فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" (يو 14: 20)، وفي صلاته لأبيه: " لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا" (يو 17: 21)... " لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ" (يو 17: 22)...؟ طبيعة السيد المسيح هيَ الطبيعة اللاهوتية المتحدة بالطبيعة البشرية (الناسوتية). من جهة الطبيعة البشرية نحن مُتساوون مع السيد المسيح في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، فقد اتخذ أقنوم الابن طبيعة بشرية من نفس عجينة البشرية النقية قبل السقوط، جسد بشري وروح بشرية: " فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا" (عب 2: 14) أمَّا من جهة الطبيعة اللاهوتية فهيَ تخص الابن مع أبيه الصالح والروح القدس، ولا تخص أي كائن آخر، فكل كائن هو مخلوق أمَّا اللَّه فهو الخالق. فنحن لا نتساوى مع السيد المسح في طبيعته الإلهيَّة لأننا لسنا آلهة. يقول "القديس كيرلس الكبير" عن الابن: " فهو متحد باللَّه الآب طبيعيًا، أنه هو إله وهو من الآب، كما أنه مُتحد أيضًا بالبشر كإنسان، وأيضًا فإن له الآب في ذاته وهو نفسه في الآب... هو نفسه كائن في الجوهر (الإلهي) كما أنه له الجوهر في ذاته. وأيضًا هو يوحّدنا بنفسه عن طريق لبسه طبيعتنا، لذلك صار جسدنا يُلقَّب بجسد الكلمة، لأن "الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" حسب المكتوب في إنجيل يوحنا (يو 1: 14). وهو يلبس طبيعتنا ويُعيد تشكيلها بادماجها في حياته الخاصة. كما أنه هو نفسه أيضًا فينا، لأننا قد صرنا شركاءه، بسبب وجوده فينا بالروح القدس. ولهذا السبب إذ قد "صرنا شركاء الطبيعة الإلهيَّة" (انظر 2 بط 1: 4) ودُعينا أبناء. وبهذه الطريقة يكون الآب نفسه فينا بالابن" (376).

بنوة الابن للآب بنوة ذاتية بالطبع أي من نفس طبيعة الآب، أمَّا نحن فلسنا من نفس طبيعة الآب، بل أبناء للآب بالتبني. هو ابن وحيد الجنس ولا يوجد مثيل له، كما أن الآب آب واحد للابن. يقول "الأب متى المسكين": " إن الكيان الذاتي للآب قائم في الابن، كما أن الكيان الذاتي للابن قائم في الآب. هذا يمكن فهمه بصورة أوضح حينما نُدرك أن "الأبوة" في اللَّه هيَ خاصة بـ"البنوة" وكذلك "البنوة" في اللَّه خاصة بالأبوة، معنى أن الآب آب للابن وحده، وأن الابن ابن للآب وحده. كذلك أيضًا نفهم أن الابن ليس ابنًا لنفسه، بل هو كلمة للآب، والآب ليس أبًا لنفسه، بل هو كله للابن. هذا الوجود الكياني المُتبادل كليًا، يجعل للآب والابن "كيانًا واحدًا ذاتيًا"..." (377).

ويقول "الأخ وحيد": " لاحظ هنا عزيزي القارئ، فقد قال السيد المسيح لأبيه السماوي [ "أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ" ]، ولم يقل (أنت فيهم وفيَّ)... فالأمر رائع وجلل... فلقد قال المسيح لأبيه (أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ) لأن المسيح يجمع في طبيعته العجيبة الألوهية الكاملة، والناسوتية الكاملة، وبذلك فعندما يقول المسيح (أَنَا فِيهِمْ) فهو ببشريته فيهم... وحينما يقول (وَأَنْتَ فِيَّ) فهو بلاهوته في الآب والآب فيه... فالمسيح هو حلقة الوصل الفريد، بين الآب والمؤمنين، فهو الذي قال عن نفسه: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (يو 14: 6). وذلك لأنه يشاركنا طبيعتنا البشرية... أما عندما يقول لأبيه السماوي "وأَنْتَ فِيَّ" فهنا يؤكد تفرده اللاهوتي، فهو واحد مع أبيه السماوي في الجوهر، ولهذا فمن الطبيعي أن يكون هو في أبيه، وأبيه فيه، لأنه واحد معه في جوهر الطبيعة الإلهيَّة" (378).

 

ثانيًا: هل تنبأ السيد المسيح عن مجيء نبي بعده: " وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو 14: 26) لأن لفظة "باراكليت" في السريانية ܦܪܩܠܝܛܐ واليونانية παράκλητος تعني محمود...؟ قول السيد المسيح هنا يخص روح اللَّه القدوس، ولا يخص أي إنسان سواء كان نبي أو لم يكن نبيًا، بدليل:

1- أوصى السيد المسيح تلاميذه: " أَنْ لاَ يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ بَلْ يَنْتَظِرُوا مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالْمَاءِ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع 1: 4-5) وفعلًا في يوم الخمسين من قيامة السيد المسيح حلَّ الروح القدس على التلاميذ في هبوب ريح عاصفة مع ألسنة مُنقسمة كأنها من نار وامتلأ الجميع من الروح القدس (أع 2: 1-4)، وتحقق وعد السيد المسيح: " لَيْسَ بَعْدَ هذِهِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ" (أع 1: 5) وليس بعد نحو ستمائة عام، بعد أن رحل جميع التلاميذ من هذا العالم الفاني إلى عالم النور.

2- من صفات الباراكليت أنه "روح" فهو " رُوحُ الْحَقِّ" (يو 15: 26)، بينما أي نبي هو إنسان ذو جسد بشري.

3- من صفات الباراكليت أنه ينبثق من الآب: " رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ" (يو 15: 26) ولا يوجد نبي مهما علا شأنه ينبثق من الآب، الروح القدس وحده وليس أي كائن غيره، هو الذي ينبثق من الآب، فهو روح اللَّه القدوس.

4- من صفات الباراكليت أنه يمكث إلى الأبد: " وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ" (يو 14: 16) وبالطبع لا يوجد إنسان لا يموت بل يمكث إلى الأبد في الكنيسة، وبلا شك أن الإنسان الذي يمكث في الكنيسة طوال زمان حياته هو إنسان مسيحي، لا ينشئ ديانة جديدة.

5- من صفات الباراكليت أن العالم لا يراه ولا يعرفه لذلك يرفضه ولا يقبله: " رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ وَأَمَّا أنْتُمْ فَتعرِفُونَهُ" (يو 14: 17) بينما أي نبي يراه الناس ويعرفون توجهاته من تعاليمه وسلوكياته.

6- من عمل الباراكليت أنه يُبكت من يرفضون الإيمان بالسيد المسيح: " وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي" (يو 16: 8-9) فالباراكليت يستكمل تعاليم المسيح ويُذكر الكنيسة بها " وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو 14: 26)، فالسيد المسيح علمنا على قدر طاقتنا قبل الفداء، أمَّا بعد الفداء وسُكنى الروح القدس فينا فقد اتسعت مداركنا الروحية. يقول "أندره سكريما": " إن ما قلته لكم كان ما كنت أستطيع إعلانه لكم وأنا عندكم على الأرض، ولكن مرحلة أخرى تبدأ الآن بذهابي عنكم، تُعلن لكم فيها أشياء أخرى. أنه وعد جديد بالروح القدس... قال " كُلَّ شَيْءٍ" دلالة على الإعلان الكامل الذي سيتم بالروح القدس نفسه، فاللَّه يستكمل بالروح القدس عطاءه لذاته، ذلك العطاء الذي يتوق إليه منذ قبل الدهور. فكل ما كان قبل الآن كان تحضيرًا لهذا العطاء، مُنذ الخلق ومرورًا بكل ما صنعه اللَّه من أجل البشر، حتى الوصول إلى إعطاء الروح (القدس)، أي إعطاء صميم اللَّه لصميم الإنسان "لجَّة تنادي لجَّة" (مز 42: 7) إنسكاب لجَّة اللَّه في لجَّة الإنسان بالروح القدس "كُلَّ شَيْءٍ"... أي كل ما أخبرتكم به سابقًا... في الماضي كان بمثابة لغز ينبغي حلَّه فيأتي الروح ويحلّه..." (379).

7- السيد المسيح هو الذي سيرسل الباراكليت: " وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ" (يو 15: 26) وعندما يأتي الباراكليت يمجد المسيح: " ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو 16: 14). فهل من يرفض الاعتراف بأن المسيح هو اللَّه يكون هو الباراكليت؟! وهل يقبلون أن يكون رسول الإسلام هو رسول المسيح؟!

8- من معاني "الباراكليت" في اللغة اليونانية παράκλητος "الوكيل" بينما نفى القرآن هذه الصفة عن رسول الإسلام: "وما أرسلناك عليهم وكيلًا" (سورة الإسراء 54)... "وكفى بالله وكيلًا" (الأحزاب 3). كما أن كلمة "باراكليت" تحتمل معنى "المؤيد" أو "المُعين" أو "الحامي" أو "الشفيع" أو "المشجع"، واستخدم كلمة "باراكليتوس" الفيلسوف اليهودي السكندري "فيلو" (20 ق.م - 50م) بمعنى وسيط أو شفيع أو مُعين، واستخدمها الرابانيون بمعنى الحامي أو الشفيع أو المدافع، ووردت كلمة "باراكليتوس" παράκλητος  أربع مرات في إنجيل يوحنا ومرة في رسالة يوحنا الأولى، وهذه المعاني توضح أقنومية الروح القدس، فهو "شخص" يُعلّم (يو 14: 26)، ويشهد (يو 15: 26)، ويبكت (يو 16: 8). جاء في كتاب "الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية": Paracletos " المعزي - المشير (1) هناك صورة الصديق الذي يتم استدعاؤه لمساعدة شخص مضطرب أو متضايق أو متحير. (2) هناك صورة القائد الذي يتم استدعاؤه لمساعدة جيش مُحبط ومُثبط. (3) هناك صورة المحامي المُدافع، الذي يتم استدعاؤه لمساعدة مدعى عليه يحتاج إلى المرافعة في قضيته. لا تستطع كلمة واحدة أن تُتَرْجَم بالصورة المناسبة كلمة Raracletos. الكلمة الأقرب هيَ ببساطة المُعين" (380).

ويقول "وليم باركلي": " أننا لو فحصنا لفظة "باراكليتوس" فأننا نجدها تعني حرفيًا "شخصًا أُستدعي إلى..."... لقد استخدم اليونانيون الكلمة في أكثر من طريق. استخدموها للدلالة على الشهادة أمام القضاء، فالباراكليتوس هو الشاهد الذي يُدعى إلى المحكمة للإدلاء بشهادته... نظير محام آتي ليدافع عن موكله، وبناءً على دفاعه عنه تترتب أخطر النتائج... بل قد يكون الباراكليتوس وسيطًا، له من الحكمة والمقدرة والمواهب ما يستطيع به أن ينفخ الهمة في فصيلة من الجند أصابها الإعياء واليأس، وراودها الفكر بالنكوص في أعقابها. وهكذا يدعى إلى هذه الفصيلة ليعدها إلى القوة والنشاط... أن الباراكليتوس، هو على الدوام شخص يدعى إلى مهمة عاجلة تقتضيها المعونة في الأزمات أو اليأس أو الضيقات.

أمَّا كلمة "المعزي"... فقد كانت الكلمة تعني أكثر مما تعنيه الآن. كان أحد مقاطعها "فورت" Fortis في اللاتينية يعني الشجاعة. ولذلك كانت كلمة المُعزي تعني في تلك العصور السالفة، الشخص الذي ينفخ في إنسان ثبطت همته، معاني الشجاعة وأسباب القوة. أما الآن، فإن كلمة المعزي، لا تزيد في معناها عن إنسان يواسي إنسانًا آخر، في حزن أو مُصاب ومما لا شك فيه أن هذه هيَ إحدى وظائف الروح القدس... هناك كلمة قد تكون أكثر خصوبة، وتُعطي دلالة أكثر، وهيَ كلمة مكافح أو مناضل أو منهض. أن الروح القدس هو المناضل المكافح فينا، الذي يحول هزيمتنا وفشلنا وهزالنا، إلى قوة وانتصار" (381).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت. 

 

ثالثًا: هل الآب أعظم من الابن بدليل قول السيد المسيح " أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" (يو 14: 28)؟ هذه الآية اعتمد عليها أريوس في هرطقته بأن الآب أعظم من الابن، وأن الابن ليس أزليًا بأزلية الآب، وأنه مرَّ وقت كان فيه الآب بدون الابن وقد رد عليه القديس أثناسيوس موضحًا أن الابن هو عقل اللَّه، فهل يُعقل أن يكون قد مرَّ وقت على اللَّه الآب كان فيه بدون عقل؟!! والحقيقة أن الابن مساوٍ للآب في كل شيء، فمثلًا:

1- في العمل: " أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" (يو 5: 17).

2- في الكرامة: " لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابن كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابن لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ" (يو 5: 23).

3- في الجوهر والكيان والطبيعة: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30).

4- في الإيمان به: " أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَآمِنُوا بِي" (يو 14: 1).

5- في الرؤيا: " اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" (يو 14: 9) فالابن هو صورة الآب غير المنظور.

6- في كل شيء: " وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي" (يو 17: 10).

7- في الحياة الأبدية: " وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يو 17: 3).

فالابن من نفس طبيعة الآب، وهذا ما أدركه اليهود أنفسهم: " فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ الله أَبُوهُ مُعَادِلًا نَفْسَهُ باللَّهِ" (يو 5: 18). وعندما قال السيد المسيح " أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" فذلك في حالة كونه مُتجسدًا، إذ إتخذ ناسوتًا حجابًا للاهوت، وقد أخفى مجده، فظهر أمام الجميع مثله مثل أي إنسان عادي: " لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" (في 2: 7)، فمن جهة طبيعته هو مساوٍ للآب، أزلي بأزلية الآب، له نفس كرامة ومجد وبهاء الآب. يقول "القديس كيرلس الكبير": " إذًا فالآب أعظم حيث أن الابن كان لا يزال يخدم كعبد في العالم... لأننا إن كنا نؤمن أنه أذل ووضع نفسه، ألا يكون واضحًا للجميع أنه نزل من العلو إلى الانخفاض، وبالحري أنه نزل من المساواة مع الآب إلى العكس... إذًا فالآب "أعظم" من ذاك الذي اختار النزول والانخفاض بتدبيره الخاص، وبقى في هذه الحالة إلى أن رجع إلى وضعه الأصلي، وأقصد بذلك مجده الطبيعي الخاص به الذي كان له في البدء. ومن هنا يُمكننا أن نحكم بصواب أن مساواته للآب التي هيَ له بدون انقطاع، وهو لم يحسبها خلسة أن يأخذها لأجلنا، بل أن هذه المساواة هيَ وضعه الطبيعي" (382).

كما يقول "القديس كيرلس الكبير": "وحينما نقول هذا (الآب أعظم من الابن) لا يكون معناه أن طبيعة (أقنوم) الكلمة قد انحدرت من عظمتها الأصلية، مثل هذا التفكير يعتبر جهلًا عظيمًا، لأن ما هو إلهي هو عديم التغيُّر بالمرة وليس فيه أي ظل تحوُّل (انظر يع 1: 17)، بل بالحري يظل أبدًا على حال واحدة... أنه بلبسه هيئة الذل والعبودية البشرية، جعل الابن الوحيد الذي هو مساوٍ للآب ومماثل له تمامًا، وهو كائن فيه ومولود منه، أن يبدو في وضع أقل من الآب. لا تندهش عند سماع هذا، إن كان الابن يبدو أقل من عظمة الآب بسبب إنسانيته، فإنه لهذا السبب نفسه أعلن الرسول بولس أنه صار أقل حتى من الملائكة بحسب كلماته التالية: "الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَسُوعَ... " (عب 2: 9). رغم أن الملائكة القديسين قد أُمروا أن يسجدوا له... (عب 1: 6)... إذًا فمن جهة كونه مولودًا من اللَّه الآب، فإن إنسانيته لم تكن موجودة، ولكنها صارت خاصة به بسبب أنه صار إنسانًا بالتجسد..." (383).

ويقول "القديس أغسطينوس": " أمور كثيرة قيلت في الكتاب المقدَّس تتحدث عنه في شكل اللَّه، وأمور كثيرة في شكل العبد. أقتبس اثنين من هذه كمثالين، واحد يخص كل منهما. فبحسب شكل اللَّه قال: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30)، وبحسب شكل العبد: " أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي "..." (384).

ويقول "القديس باسيليوس الكبير": "ما هو غير طبيعي إن كان ذاك الذي هو λόγος اللوغوس قد صار جسدًا (يو 1: 14) يعترف بأن أباه أعظم منه، إذ ظهر في المجد أقل من الملائكة، وفي الهيئة كإنسان؟ لأنك: "جعلته أقل قليلًا من الملائكة" (مز 8: 5)... وأيضًا "ليس فيه شكل ولا جمال، شكله حقير، وأقل من شكل بني البشر" (إش 53: 2-3). هذا هو السبب لماذا هو أقل من الآب، فإن ذاك الذي أحبك احتمل الموت، وجعلك شريكًا في الحياة السماوية" (385).

ويقول "القديس أمبروسيوس": " يقولون مكتوب "أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" أيضًا مكتوب "لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للَّهِ" (في 2: 6). وأيضًا مكتوب أن اليهود أرادوا قتله، لأنه قال أنه ابن الله معادلًا نفسه باللَّه (يو 5: 18). مكتوب "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30). أنهم يقرأون نصًا واحدًا وليس نصوص كثيرة. إذًا هل يمكن أن يكون أقل ومساوٍ في نفس الوقت لذات الطبيعة؟ لا، فإن عبارة تشير إلى لاهوته، وأخرى إلى ناسوته" (386).

من جهة الطبيعة هو مساوٍ للآب، أمَّا من جهة الحالة فالآب أعظم منه، ولذلك قال:

† " طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَه" (يو 4: 34).

† " لاَ يَقْدِرُ الابن أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ" (يو 5: 19).

† " أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 5: 30).

" تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 7: 16).

(راجع يو 8: 28-29، 40، 42، 49، 54؛ 12: 49؛ 14: 10-11).

ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " وإذ قال مُخلصنا لتلاميذه في عبارته السابقة: "لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" استغل أريوس هذه العبارة، كما يستغلها أتباع مذهب "شهود يهوه" الذي يُطلق عليه مذهب "الأريوسية الجديدة" في الزعم بأن المسيح، وهو الابن، أقل من اللَّه الآب، وبالتالي فهو في زعمهم مخلوق. مع أنه من الواضح أن المسيح له المجد... أراد أن يُبين لهم أن مفارقته لهم خير له، لأنه بمجيئه إلى العالم قد أخلى ذاته في صورة الآب، وأخذ صورة العبد (في 2: 6-7) فهو بصعوده إلى السماء يسترد الذي كان له قبل كون العالم (يو 17: 5). والذي أخلى ذاته منه عندما تجسَّد ولبس صورة الهوان، لذلك يجب أن يفرحوا بعودته إلى السماء، لا أن يحزنوا، إن كانوا حقًا يحبونه والدليل على هذا هو المعنى المقصود من قوله: "لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي". إذًا المقصود هو بيان أن "حالة" الآب في المجد "أعظم" من حالة "الابن" وهو على الأرض... فالآب أعظم من الابن لا في الجوهر، وإنما في حالة "الهوان" التي قبلها بتجسده. ومثل هذا التعبير مألوف في لغة البشر... فإذا قيل مثلًا أن فلانًا "أعظم" من فلان، فليس بمعنى أن يفوقه في طبيعته الإنسانية، إذ هو "إنسان" مثله في كل ما للإنسان من صفات، ولكنه أعظم منه "حالة". هكذا الأمر بالنسبة للَّه "الآب" إذ هو أعظم من اللَّه الابن لا في جوهر الألوهية، وإنما في الحالة التي صار إليها المسيح بتجسده" (387).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(376) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص215، 216.

(377) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص1074.

(378) المسيح اللوغوس كلمة اللَّه - ردًا على كتابات ديدات: ألوهية السيد المسيح، ص212، 213.

(379) دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص298، 299.

(380) الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية، جـ5 إنجيل يوحنا، ص276.

(381) ترجمة دكتور عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص335-337.

(382) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص238، 239.

(383) المرجع السابق، ص378.

(385) المرجع السابق، ص983.

(386) المرجع السابق، ص983.

(387) موسوعة الأنبا غريغوريوس جـ16 - الكتاب المقدَّس - الجزء الخامس - تفسير إنجيل القديس يوحنا، ص296، 297.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/743.html

تقصير الرابط:
tak.la/8my7v7r