St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

737- ما علاقة حديث السيد المسيح عن حبة الحنطة (يو 12: 24) بطلب اليونانيين أن يرونه (يو 12: 21)؟ وكيف يوصي السيد المسيح تلاميذه قائلاً: "لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ" (يو 14: 1) ويضطرب هو (يو 12: 27، 13: 21)، وهل يضطرب الله؟ وبأي صورة يُمجد الآب اسمه (يو 12: 28)؟

 

سؤال 737: ما علاقة حديث السيد المسيح عن حبة الحنطة (يو 12: 24) بطلب اليونانيين أن يرونه (يو 12: 21)؟ وكيف يوصي السيد المسيح تلاميذه قائلًا: " لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ" (يو 14: 1) ويضطرب هو (يو 12: 27؛ 13: 21)، وهل يضطرب الله؟ وبأي صورة يُمجد الآب اسمه (يو 12: 28)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: ما علاقة حديث السيد المسيح عن حبة الحنطة (يو 12: 24) بطلب اليونانيين أن يرونه (يو 12: 21)...؟ هؤلاء اليونانيون الذين قال عنهم الإنجيل: " وَكَانَ أُنَاسٌ يُونَانِيُّونَ مِنَ الَّذِينَ صَعِدُوا لِيَسْجُدُوا فِي الْعِيدِ" (يو 12: 20) هم من اليونانيين الدخلاء أي المُتهودين، وكان هناك ثلاث درجات للدخول لعمق اليهودية:

1- دخلاء الباب: هم الأُمميون الذين يخافون اللَّه ويعبدونه، ويلتزمون ببعض الفرائض اليهودية، لكنهم لم يندرجوا تحت لواء الأمة اليهودية، فهؤلاء كمن يبقون على الباب لحين التقدم للدرجة التالية.

2- دخلاء البر: وهيَ درجة أكمل من دخلاء الباب، إذ يلتزم أصحابها بكافة مناحي الشريعة بما فيها من ختان وامتناع عن الدم والمخنوق والزنا وأي شيء دنس، ومسموح لهم بتقديم الذبائح.

3- دخلاء العرق: وهم الأُمميون الذين اعتنقوا الإيمان اليهودي بالتمام، فصاروا يهودًا، ولهم أن يُشاركوا في عيد الفصح وبقية الأعياد اليهودية.

وهؤلاء الأناس اليونانيون الذين رغبوا في لقاء يسوع تخيَّروا أحد التلاميذ الاثنى عشر، وهو "فيلبس" ربما لأن اسمه يونانيًا، فهو الأقرب إليهم، وأخبروه: " قَائِلِينَ يَا سَيِّدُ نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوعَ" (يو 12: 21) مما ينم عن أسلوبهم الراقي في المعاملة، وإن كانوا قد خاطبوا فيلبس بقولهم " يَا سَيِّدُ" فكم يكون تقديرهم واحترامهم للسيد المسيح. لقد جاءوا بقلب مفتوح في تعطش واشتياق لرؤية يسوع، وبالطبع لم يقصدوا مجرد الرؤية البصرية التي سعى إليها زكا العشار، لأن هذه الرؤيا كانت مُتاحة للجميع بدون وساطة، إنما قصدوا أن يفرد لهم مساحة من الوقت يحادثونه ويسألونه. ربما كانوا يُريدون أن يجعلونه فيلسوفهم المفضل. يقول "وليم ماكدونالد": " لماذا أراد هؤلاء اليونانيون رؤية يسوع؟ إن كنا نقرأ بين السطور، فقد نستنتج أن حكمة يسوع كانت قد استمالتهم، حتى أنهم أرادوا ترفيعه بجعله فيلسوفهم القومي. كذلك عرفوا أنه لم يكن على اتفاق مع القادة اليهود، وهكذا سعوا لتخليص حياته، ربما يدعونه إلى الذهاب إلى اليونان. كان شعارهم: "حافظ على حياتك"، فجاء يسوع يعلّمهم بأن فلسفتهم هذه كانت تناقض تمامًا قانون الحصاد، لهو سيتمجَّد عن طريق موته كذبيحة، وليس بالعيش في حياة هانئة ومُريحة" (325).

واستعان فيلبس بأندراوس وهو أسبق منه في طريق التلمذة ولو بفترة وجيزة، وتقدم التلميذان وأخبرا يسوع برغبة هؤلاء الأمم: " وأَمَّا يَسُوعُ فَأَجَابَهُمَا قِائِلًا قدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ..." (يو 12: 23- 25)، ويتساءل المرء كيف يكون الحديث عن حبة الحنطة جوابًا لرغبة هؤلاء اليونانيون لرؤية يسوع؟ لقد قصد يسوع بهذا الحديث أن يُعلن أمرين:

الأمر الأول: إن ساعة رجوع الأمم قد حانت، وهؤلاء الواقفون أمامه من اليونانيين هم باكورة الأمم، فقال السيد المسيح: " قدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ" يتمجد وسط الأمم وشعوب الأرض. يقول أ. ج ماكلاود: " فهو يتوجه إلى الجمع ويعلن أن ساعة تمجيده قد أتت (يو 12: 23). أنه يرى في مجيء اليونانيين باكورة الحصاد الذي سيحصد بواسطة موته. أن حبة الحنطة ينبغي "أن تقع على الأرض وتموت" (يو 12: 24). إن كان لها أن تأتي بثمر. يجب أن تبلغ إرساليته ذروتها بالموت إذا كان له أن ينال حصاد نفوس مفدية. أن تعبه ينبغي أن يسبق شبعه (قارن إش 53: 11) وبذا يتمجَّد ابن الإنسان عن طريق التضحية بحياته، لأن التضحية هيَ شريعة الحياة والضمان للحياة الأبدية" (326).

الأمر الثاني: أن قبول الأمم لن يتم إلاَّ بعد أن يُرفع السيد المسيح على الصليب، فعندما تقع حبة الحنطة على الأرض وتمت، فحينئذ يدخل الأمم للإيمان من أوسع الأبواب، وقول السيد المسيح: " قدْ أَتَتِ السَّاعَةُ" أي ساعة انتهاء الكرازة والخدمة وبداية ساعة الموت والفداء، التي يجوز فيها المعصرة وحده. كان من قبل يقول: "لم تأتِ ساعتي بعد" أما الآن فيقول " قدْ أَتَتِ السَّاعَةُ" لتستعلن الكرازة لكل شعوب الأرض وليكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مر 16: 15). يقول "الأب متى المسكين": " وهكذا كان رد الرب على سؤال اليونانيين، مُتضمنًا رسالته الإلهية المُحيية لهم من داخل آلامه وموته ومجده الذي حانت ساعته. فكان المسيح يُخاطبهم: اتركوني الآن وحدي، لأدوس معصرتي، لأنضح دمي عليكم فتحيون، سأطرح روحي عليكم، وحياتي، وكلمتي، ورسالتي لتصيروا شعبي" (327).

لقد رأت الفلسفة اليونانية أن الحياة الطبيعة هيَ كل شيء، والموت هو الفناء بعينه، أما السيد المسيح فبمثل حبة الحنطة أعطاهم تعليمًا فائقًا يكشف أخطاء الفلسفة اليونانية، فالموت هنا هو باب الحياة، ولا توجد حياة بدون موت، والموت المُحيي هو الذي يبعث الحياة، عندما تدفن حبة الحنطة في الأرض وتمت عندئذ تدب الحياة وتنبعث فتخرج نباتًا فسنبلًا فقمحًا ذهبي اللون، ومن هنا جاء القول المأثور للعلامة ترتليان: " دماء الشهداء بذار الإيمان". بهذا المَثَل علم السيد المسيح هؤلاء الأمم قبل أن تصلهم الكرازة بصلبه وموته وقيامته. وعندما تحدث يسوع عن الموت الباعث الحياة، عقَّب على موقف الإنسان من قبول هذا الفكر أو رفضه قائلًا: " مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا" (يو 12: 25)، أي من يخاف على نفسه ويخشى هذا الموت ينتهي به المطاف إلى هلاك نفسه، أما: " وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو 12: 25) (راجع مت 16: 25؛ لو 17: 33).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: كيف يوصي السيد المسيح تلاميذه قائلًا: " لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ" (يو 14: 1)، ويضطرب هو (يو 12: 27؛ 13: 21)؟ وهل يضطرب الله...؟ نحن نؤمن أن إلهنا ومُخلصنا يسوع المسيح هو اللَّه المُتجسد، فهو ليس اللَّه فحسب، ولا هو إنسان فحسب، بل أنه ذو طبيعتين مُتحدتين، طبيعة إلهية كاملة مُتحدة مع طبيعة بشرية كاملة تشمل روح بشرية وجسد بشري، وكل طبيعة حملت واحتفظت بخصائصها. طبقًا للطبيعة الإلهية هو مُنزَّه عن الجوع والعطش والتعب والخوف والاضطراب والألم والموت، بينما تخضع الطبيعة البشرية لكل هذه المؤثرات، وقد اضطرب السيد المسيح أكثر من مرة ذكر يوحنا الحبيب مرتين منها، الأولى أمام اليونانيين، فقال: " اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَةِ. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ" (يو 12: 27) ففي حديثه عن حبة الحنطة لاح أمامه الصليب بكل أهواله، والمرة الثانية أمام هول خيانة التلميذ: " لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ وَشَهِدَ وَقَالَ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي" (يو 13: 21). ولم يذكر القديس يوحنا اضطرابه في بستان جثسيماني، وهذه الاضطرابات ليست خطية إنما هو سمة من سمات الطبيعة البشرية. يقول "القديس كيرلس الكبير": " فإن ذكرْ الموت الذي وُرد أثناء الحديث بدأ يُزعج يسوع... فإن المشاعر الإنسانية كانت تُثار بصفتين موجودتين فيه بالضرورة، فبتأثر هذه المشاعر أظهر نفسه بشكل أكيد أنه إنسان مولود من امرأة، ليس في مظهر خادع أو مجرد خيال، بل بالحري بالطبيعة والحق، لأنه له كل الخصائص الإنسانية فيما عدا الخطية وحدها. والخوف والانزعاج رغم أنهما من المشاعر الطبيعية بالنسبة لنا، إلاَّ أنهما لا يحسبان ضمن الخطايا. وإضافة إلى ذلك، فإن اضطراب المشاعر الإنسانية في المسيح كان لمنفعتنا. ليس أن العواطف سيطرت وامتدت كثيرًا كما يحدث معنا، بل أنها بعد أن بدأت، فأنها تُوقف بقوة "الكلمة"، وهكذا فإن الطبيعة الإنسانية في المسيح تنتقل إلى حالة أفضل... ويتضح من هذه الأمور حقًا أن له نفسًا عاقلة، لأنه كما في حالة الشعور بالجوع أو اختيار أي شعور آخر مثل هذا، هو ألم خاص بالجسد، هكذا أيضًا فإن الاضطراب من تصوُّر الأمور المُرعبة هو بالضرورة ألم خاص بالنفس العاقلة... لأن المسيح، قبل أن يكون بالفعل مصلوبًا على الصليب، فإنه يعاني ضيقة الآلام قبل حدوثها، إذ كان يرى بوضوح مُسبقًا ما كان سيحدث" (328).

ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " فهذه الأقوال ليست أقوال لاهوته لكنها أقوال طبيعته الإنسانية التي لا تشأ أن تموت، وتتمسك بهذه الحياة الحاضرة، موضحًا بذلك أنه ما كان خارج الآلام الإنسانية، لأنه كما أن الجوع ليس زللًا ولا النوم، فكذلك ولا الارتياح إلى الحياة الحاضرة زللًا، والسيد المسيح امتلك جسدًا نقيًا من الخطايا، وليس جسدًا مُتخلصًا من الضرورات الطبيعية لذا اقتضت الحكمة أن يكون له جسد. وقوله: "ولكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذهِ السَّاعَةِ" وكأنه يقول: "ولو اضطربت فما أهرب من الموت بسبب الغرض النافع" (329).

ويقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُول"... نطق المسيح بالكلمات السابقة مُتمثلًا أمامه شبح الصليب الذي تأباه النفس الإنسانية بحكم طبيعتها وكأني بموجة من التأثر، صدمت صخرة عزيمته، وما هيَ إلاَّ لحظة حتى تكسَّرت هذه الموجة وزالت وبقيت عزيمته قوية كالصخر -بل الصخرة قوية مثلها- فرحَّب بالصليب، وقهر المنون فهو عزيز مقتدر... ويغلب على اعتقادنا أن هذين العددين (يو 12: 27-28) يصوّران لنا صراعًا نفسيًا اجتازه المسيح فخرج منه ظافرًا. عندما رأى الصليب ماثلًا أمامه، أحسَّت نفسه الأنسانية بقشعريرة، لكن روحه الألهية ظلت مثبتة وجهها شطر الصليب" (330).

كما يقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " ليس هذا اضطراب الخوف أو الجزع، وإنما هو شعور عميق روحي توَّلد في روح الفادي الإنسانية، تجاه أكبر خيانة في التاريخ، لأن المُخلص، رأى وراء هذه الخيانة شبح يهوذا الذي كان واحدًا من أتباعه، ووراء يهوذا الخائن، شبح إبليس الغادر الذي استجمع كل قواه لمحاربة قدوس اللَّه" (331). لم يخشى السيد المسيح الموت، لأن الخوف ثمرة من ثمار الخطية، وهو القدوس البار الذي بلا خطية وحده فلماذا يخاف الموت...؟! نحن نخاف الموت لأننا نجهل ما هو وراء الموت، أمَّا السيد المسيح فهو العالِم بكل شيء يعلم أن وراء موته خير كبير للبشرية وأمجاد سمائية، فالمقصود باضطراب نفسه هو الانفعال العاطفي الشديد لأنه سيحمل خطايا العالم كله وهو القدوس البار. يقول "دكتور وليم إدي": " لم يستطع المسيح أن يفتكر في تمجيده دون أن يفتكر في (الطريق) الموصّل إليه، وهو احتمال عقاب عالم الإثم بموته على الصليب، واضطراب نفسه هنا كاضطرابها في بستان جثسيماني في الليلة التي أُسلم فيها. والصلاة التي قدمها هنا كالصلاة التي قدمها وقتئذ. والنتيجة واحدة هيَ التسليم إلى مشيئة الآب (لو 22: 39-44) وأشار الرسول إلى ذلك الاضطراب في (عب 2: 18؛ 4: 15؛ 5: 7) لأن المسيح إنسان حقيقي كما أنه إله حقيقي. نفرت طبيعته البشرية من ألم نفسه المقدَّسة لحلوله محل الخطاة واحتماله الموت وعقاب الإثم عنهم. وكما بيَّن هذا الاضطراب ناسوت المسيح، برهن أيضًا عظمة ثقل الحمل الذي حمله للكفارة" (332).

إذًا لم يضطرب السيد المسيح لأنه انفصل عن الآب، ولم يضطرب خوفًا لأنه قاد معركة الصليب بشجاعة نادرة وثبات قوي، حتى أنه قد داس الموت بموته المُحيي، ولم يضطرب خوفًا من المجهول لأنه هو العالِم بكل شيء. إنما اضطرب لأن كل شيء مكشوف أمامه، فتجلَّت قسوة خيانة ابنه في التلمذة، يهوذا الإسخريوطي الذي أكل معه خبزًا ورفع عليه عقبه. لقد أحب السيد المسيح البشرية بما فيها يهوذا الخائن، أحبها إلى المنتهى بالرغم من رائحة الخيانة الكريهة التي فاضت من يهوذا، فانتقلت عبر الأجيال المتتالية، لم يقوى الزمن أن يمحوها. يقول "الأب متى المسكين": " لا يستطيع الإنسان أن يُحيط بهذا المنظر وبما احتواه، كيف جمع أقدس الحُب مع أشنع الخيانة، وعلى مائدة واحدة، حتى في أقدس ليلة من ليالي الحياة على الأرض، واللَّه قائم على مائدة حُبه مُمثلًا بابنه وسط أخّيَّر مختاريه، يبثهم حُبه، يسقيهم من روحه... أي قلب هذا الذي ليهوذا ابن سمعان الإسخريوطي...؟ ألم يأخذ نصيبه الكامل من الحب المُنسكب من قلب اللَّه كبقية المُختارين... لكن هذه هيَ الخطية، وهذا هو الإنسان حينما يغويه الشيطان" (333).

ويقول "القمص تادرس يعقوب": " يتساءل القديس أُغسطينوس: لماذا اضطرب يسوع بالروح وقال: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي"؟ هل لم يعرف هذا من قبل حتى يضطرب بالروح؟ ألم يقل منذ قليل: "الَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ" (يو 13: 18)؟ أم هل اضطرب بالروح لأنه جاء وقت التنفيذ للخيانة عمليًا؟ اضطرب بالروح ذاك الذي له سلطان أن يضع نفسه وأن يأخذها (يو 10: 18). لقد اضطرب ذاك القوي القدير، الثابت كالصخر، لكن ما اضطرب هو ضعف طبيعتنا التي قبلها بإرادته فيه" (334).

لقد اضطرب السيد المسيح واضطرب معه تلاميذه من هول الموقف، فعندما قال السيد المسيح للتلاميذ: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي" (يو 13: 21) يقول "متى هنري": "سرعان ما أخذ التلاميذ هذا التحذير بجدية، ولذلك كانوا "ينْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ" بقلق بالغ "وهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ". لقد أخذ منهم الفزع مأخذه، حتى أنهم لم يكونوا يعرفون جيدًا إلى أي اتجاه ينظرون أو ماذا يقولون. رأوا سيدهم مُضطربًا، ومن ثم سادهم الاضطراب لذلك أيضًا. والذي يُحزن قلب المسيح، إنما يُحزن كل خاصته. ولهذا حاولوا أن يكتشفوا الخائن... كان التلاميذ تواقين لأن يوضح لهم سيدهم حقيقة الأمر" (335).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثالثًا: بأي صورة يُمجد الآب نفسه (يو 12: 28)...؟ رفع السيد المسيح صوته: " أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ. فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ مَجَّدْتُ وَأُمَجِّدُ أَيْضًا" (يو 12: 28) وهيَ صلاة فريدة رأينا فيها الابن يُخاطب الآب، والآب يُجيبه، وقد مجَّد الآب اسمه عندما انتصر ابنه الوحيد الجنس على الشيطان وهزمه هزيمة مُطلقة خلال حروب الأربعين يومًا في البرية، وسيتمجَّد اسمه أيضًا في طاعة الابن حتى الموت: " وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في 2: 8). لقد أعلن الصليب مجد الابن ومجد الآب أيضًا: "هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ..." (يو 3: 16). وعندما يتمجَّد الابن بالصليب عندئذ يرسل روحه القدوس للبشرية: " لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ" (يو 7: 39). الصليب هو ذروة إعلان محبة ومجد الثالوث القدوس، ففيه تجلَّت محبة اللَّه للإنسان، وبالصليب جاءت سنة مفديي الرب (إش 63: 4). أيضًا بالصليب تمت النصرة على الشيطان، فقال السيد المسيح: " اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا" (يو 12: 31)، وصار الصليب إعلان مجد الثالوث القدوس: " الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ الله فِيه" (يو 13: 31).

ويقول "متى هنري" أن السيد المسيح: " ذكر أنه (الشيطان) " يُطْرَحُ" أي يصبح الآن مطروحًا وقد صالح المسيح العالم إلى اللَّه بفضل موته، وحطم قوة الموت، وطرد الشيطان باعتباره المُجرّب... كسر شوكة الخطية، وطرد الشيطان باعتباره مُخادعًا. وكان الرب يسوع يتكلم بكل ثقة عن النُصرة على الشيطان كما لو كانت قد تحقَّقت فعلًا، بل أنه حين استسلم للموت انتصر عليه... بموت المسيح سوف تتغير النفوس، وهذا هو معنى طرح الشيطان "وأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ" (يو 12: 32)... فالمسيح هو الذي يجذب، وهو لا يسرق الناس عنوة بل يجذب كالمغناطيس، ويجعل النفس راغبة. فنحن نُجذب إلى المسيح" (336).

وهنا تجدر الإشارة إلى ملاحظتين:

الأولى: قال السيد المسيح: " وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ" (يو 12: 32) فقال البعض أن المسيح ارتفع على الصليب ومات وقام ومع هذا فإن هناك مليارات الناس يهلكون. والحقيقة أن ما قصده السيد المسيح بكلمة " الْجَمِيعَ" جميع الذين يؤمنون به ويسيرون بأمانة وإخلاص في زمن غربتهم. ارتفع السيد المسيح أولًا على الصليب (يو 3: 14؛ 8: 28) ثم ارتفع للسماء جسديًا بالصعود (مر 16: 19؛ لو 24: 51؛ أع 1: 11) وبصعوده رفع طبيعتنا البشرية، فصار لها مكان في السماء، والأب الكاهن يُصلِّي في القداس الإلهي: " باركت طبيعتي فيك".

والملاحظة الثانية: تساءل البعض أين ورد في ناموس موسى أن المسيح يبقى إلى الأبد: " فَأَجَابَهُ الْجَمْعُ نَحْنُ سَمِعْنَا مِنَ النَّامُوسِ أَنَّ الْمَسِيحَ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ" (يو 12: 34). الحقيقة أنه لم يرد في أسفار موسى الخمسة نص مباشر صريح بأن المسيح يبقى إلى الأبد، ولكن هذا يُدرك من بعض الآيات (راجع تك 49: 10؛ عد 24: 17؛ تث 18: 18-19). أيضًا المقصود بناموس موسى بالمعنى المُتسع، أي أنه يشير للأسفار المقدَّسة في العهد القديم، وهذه الأسفار تحوي نبؤات صريحة واضحة ببقاء المسيح إلى الأبد، فمثلًا في سفر المزامير: " أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ" (مز 110: 4) وملكي صادق ورد في (تك 14: 18-20)، وفي سفر إشعياء: " لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ" (إش 9: 7)، وفي سفر حزقيال: " وَعَبْدِي دَاوُدُ رَئِيسٌ عَلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ" (حز 37: 25)، وفي سفر دانيال: " يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا... وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ" (دا 2: 44)... " سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا 7: 14)... لقد طالب اليهود بالنبؤات التي تتحدث عن بقاء المسيح إلى الأبد، وتجاهلوا النبوءات التي تتحدث عن موت المسيح المُحيي، وما أكثرها، مثلما جاء في المزمور الثاني والعشرين، وسفر إشعياء الأصحاح الثالث والخمسين. لقد مَلَكَ المسيح على خشبة الصليب ومُلكه هذا سيظل إلى الأبد: " وهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(325) تفسير إنجيل يوحنا، ص480.

(326) تفسير الكتاب المقدَّس - مركز المطبوعات المسيحية جـ5 من إنجيل متى إلى أعمال الرسل، ص281.

(327) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص736.

(328) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص74، 75.

(329) شرح إنجيل يوحنا للقديس يوحنا الذهبي الفم - إعداد القمص أغسطينوس البراموسي، ص141. 

(330) شرح بشارة يوحنا، ص538، 539.

(331) المرجع السابق، ص578.

(332) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - إنجيل يوحنا، ص144.

(333) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص779.

(334) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص903.

(335) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس جـ1 - الأناجيل الأربعة، ص709.

(336) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس جـ1 - الأناجيل الأربعة، ص697.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/737.html

تقصير الرابط:
tak.la/k7p29q2