St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

718- ما علاقة عدم تصديق المُستمعين أقوال السيد المسيح عن العشاء الرباني، وبين صعوده للسماء: " أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا فَقالَ لَهُمْ أَهذَا يُعْثِرُكُمْ. فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلاً" (يو 6: 61، 62)؟ وهل قول السيد المسيح: " اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا" (يو 6: 63) ينفي الأكل الحرفي والشرب الحرفي لسر العشاء الرباني؟, وهل كان السيد المسيح في غنى عن تلاميذه (يو 6: 67) ومن أين آتى بطرس بهذا القول الرائع (يو 6: 68)؟

 

سؤال 718: ما علاقة عدم تصديق المُستمعين أقوال السيد المسيح عن العشاء الرباني، وبين صعوده للسماء: " أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا فَقالَ لَهُمْ أَهذَا يُعْثِرُكُمْ. فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا" (يو 6: 61-62)؟ وهل قول السيد المسيح: " اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا" (يو 6: 63) ينفي الأكل الحرفي والشرب الحرفي لسر العشاء الرباني؟, وهل كان السيد المسيح في غنى عن تلاميذه (يو 6: 67) ومن أين آتى بطرس بهذا القول الرائع (يو 6: 68)؟

يقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " يتضح لنا لدى التأمُّل في كلام المسيح في عدد (63): "اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" أنه لم يقصد الأكل الحرفي ولا الشرب الحرفي، اللذان يحصلان عند تناول الفريضة وإنما قصد شيء آخر" (203).

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: ما علاقة عدم تصديق المُستمعين أقوال السيد المسيح عن العشاء الرباني، وبين صعوده للسماء: " أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا فَقَالَ لَهُمْ أَهذَا يُعْثِرُكُمْ. فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا" (يو 6: 61-62)...؟ عندما سمع الكثيرون أقوال السيد المسيح عن أكل جسده وشرب دمه قالوا: " إِنَّ هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ" (يو 6: 60) لأنهم ظنوا أنهم سيأكلون لحمًا بشريًا ويشربون دمًا بشريًا مثل الوحوش المفترسة، ويقول "القس أبو الفرج": " إن كلام يسوع في أكل جسده ولا سيما أمره بأكله وأن من لا يأكله يهلك لا محالة استبان لهم (أنه) عسِر التصديق، مُرعبًا في استماعه، فمن يجسر أن يأكل لحم المسيح، أو من يأكل الجسد البشري ويشرب دمه. فهذه ولائم آكلي لحوم البشر كما قال فيما بعد الوثنيون للمسيحيين. قالوا هذا من جهلهم سر تناول جسد المسيح كما جهله اليهود حينئذ ولذا كان كلامه قاسيًا عسِر الفهم على عقولهم الغليظة... ليس المقصود أننا نأكل جسده كما نأكل لحم المجزر، بل نأكله تحت أعراض الخبز" (204).

يقول الإنجيل: " فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا فَقَالَ لَهُمْ أَهذَا يُعْثِرُكُمْ فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا" (يو 6: 61-62) أي إن كنتم لا تصدقون أن جسدي يهبكم الحياة فكيف تصدقون صعودي بجسدي إلى السماء، فإن السيد المسيح لم يفتأ أن يشير إلى أصله السماوي، لذلك في حديثه مع نثنائيل يقول: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً وَمَلاَئِكَةَ الله يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ" (يو 1: 51)، وفي حديثه مع نيقوديموس يقول: " وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو 3: 13). يقول "القديس كيرلس الكبير": " فإن بعض الذين كان المسيح المُخلِّص يعلمهم، قد استاءوا من كلماته، إذ أنهم حين سمعوه يقول: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يو 6: 53) ظنوا أنهم مدعوون إلى سلوك بربري وحشي، وكأنهم مدعوون إلى الاشتراك في أكل لحم إنسان وشرب دمه، وأنهم سيضطرون إلى عمل أمور تثير الذعر بمجرد سماعها. لأنهم لم يعرفوا جمال السر، ولا ذلك التدبير البديع جدًا الخاص به. إلى جانب ذلك، فأنهم قد ناقشوا هذا الأمر مع أنفسهم، كيف يمكن للجسد البشري أن يغرس فينا حياة أبدية، كيف يمكن لشيء من نفس طبيعتنا أن يهب خلودًا؟ وإذ يعرف المسيح أفكارهم... (يقول) إن كنتم لا تستطيعون أن تؤمنوا، بالرغم من كثرة ما تعلمتموه، أن جسدي يهبكم حياة، فماذا سيكون شعوركم حينما ترون جسدي صاعدًا حتى إلى السماء عينها... فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدًا إلى السماء فماذا أنتم بقائلين آنذاك...؟ إن كنتم تفترضون أن جسدي لا يستطيع أن يهبكم حياة، فكيف له أن يصعد إلى السماء مثل طائر؟ لأنه إن كان لا يقدر أن يحيي، لأن ليس من طبيعته أن يحيي، فكيف سيُحلق في الهواء، وكيف يصعد إلى السماء؟ لأن هذا أيضًا مستحيل بالنسبة للجسد، ولكن على خلاف الطبيعة يصعد إلى السماء، فما الذي يعوقه عن أن يحيي أيضًا وهو الذي جعل الجسد الأرضي (جسدًا) سماويًا، وسوف يجعله واهبًا للحياة أيضًا" (205).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: هل قول السيد المسيح: " اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا " (يو 6: 63) ينفي الأكل الحرفي والشرب الحرفي لسر العشاء الرباني...؟

1- ليس المقصود من قول السيد المسيح: " أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا" جسده المقدَّس ودمه الكريم اللذان يُقدمان في سر الإفخارستيا، بدليل قوله السابق:

† " أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" (يو 6: 35، 48).

" أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" (يو 6: 51).

" الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يو 6: 53).

" مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو 6: 56).

" فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي" (يو 6: 57)... إلخ.

فهل نتغافل كل هذه النصوص الواضحة وغيرها مقابل التفسير الخاطئ لقول السيد المسيح: " أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا"؟!!

2- قال الإنجيل: " مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ" (يو 6: 66) لأنهم استصعبوا قوله بأكل جسده وشرب دمه، ولم يكترث السيد المسيح بهم ولم يهادنهم ولم يتراجع فيما قال، بل: " فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا" (يو 6: 67)، فقد كان مُستعدًا أن يضحي ليس بأتباعه فقط، بل بأخصائه من التلاميذ الأطهار الاثنى عشر، ولم يكن مُستعدًا أن يتنازل عن هذه الحقيقة السعيدة، حقيقة تقديم جسده مأكل حق ودمه مشرب حق من أجل حياة العالم... تُرى لو لم يقصد السيد المسيح الأكل الحرفي والشرب الحرفي لسر العشاء الرباني، فلماذا ضحى بمن رفضوا هذا السر العظيم، ولم يلتفت للكثيرين الذين تركوه، بل أظهر استعداده للتضحية بالاثنى عشر تلميذًا من أجل تمسكه بهذه الحقيقة؟!!

3- ليس أي جسد مهما كان يستطيع أن يهب الحياة للآخرين، أمَّا جسد السيد المسيح المُتحد باللاهوت فهو قادر أن يهبنا الحياة الأبدية. يقول "القديس كيرلس الكبير": " حينما ننظر إلى طبيعة الجسد وحدها وبمفردها، فمن الواضح أنها لا تهب حياة، لأنه لا يمكن للأشياء المخلوقة أن تُعطي حياة، بل بالحري تحتاج هيَ نفسها إلى القادر على إعطاء الحياة. لكن حينما تمعنون النظر في سر التجسد، وتعرفون من هو ذاك الذي حل في هذا الجسد، ستشعرون حتمًا أن الجسد يُمكنه أن يهب حياة... لأنه إذ اتحد الجسد بالكلمة مُعطي الحياة، فقد صار واهبًا للحياة كلية... لأن هذا الجسد هو جسد ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة، وليس جسدًا كائن أرضي الذي يُقال عنه بحق أن "الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا" لأنه ليس جسد بولس ولا جسد بطرس، أو أي شخص آخر، يمكنه أن يفعل بنا ذلك بل هو فقط وبوجه خاص جسد مخلصنا المسيح الذي حلَّ فيه "كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو 2: 9)" (206).

4- ما قصده السيد المسيح بقوله: " اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا" (يو 6: 63) هو الفهم الروحي والفهم الجسدي، فالسيد المسيح يُريد أن يرفع النفس من التفكير الجسدي (وهو أكل لحم المسيح وشرب دمه) إلى التفكير الروحي (تناول جسده ودمه تحت أعراض الخبز والخمر)، وهذا خط واضح في أحاديث السيد المسيح مثل حديثه مع نيقوديموس الذي ظن أن الولادة الثانية أن يدخل الإنسان بطن أمه ويولد ثانية ولم يُدرك الولادة الثانية من الماء والروح من خلال سر المعمودية، ومثل حديثه مع المرأة السامرية حول المسيا والماء الحي، وحديثه مع مرثا ومريم عن القيامة والحياة. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا" هذا هو ما يقوله: يوجد احتياج أن تستمروا في الاستماع روحيًا بالأمور الخاصة بي، لأن من يسمع جسدانيًا لا ينتفع شيئًا، ولا ينتفع بأي صلاح. أنه لأمر جسداني أن تحتقروا من نزل من السماء وتظنوه أنه ابن يوسف.

كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ... كل هذه الأمور جسدانية، بينما يوجد احتياج لفهمها سرائريًا وروحيًا...

اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ... الآن كما في هذه العبارة قال " رُوحٌ" عوضًا عن "روحي"، لذلك عندما يتحدث عن "جسد" لا يقصد أمورًا جسدية بل الاستماع الجسداني، مُشيرًا في نفس الوقت إليهم، لأنهم دائمًا يطلبون الجسديات عندما كان يلزمهم أن يطلبوا الروحيات. فإن من يتقبلها جسدانيًا لا ينتفع شيئًا. ماذا إذًا، هل جسده ليس بجسد؟ بالتأكيد هو. فكيف يقول إذًا "الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا"؟ إنه لا يتحدث عن جسده، حاشا! بل عن الذين يقبلون كلماته بطريقة جسدانية. ماذا يُفهم جسدانيًا؟ التطلع إلى ما هو أمام عيوننا مجردًا دون تصور ما هو وراءه، هذا هو الفهم الجسداني. ولكن يليق بنا ألاَّ نحكم هكذا بالنظر بل نتطلع إلى كل الأسرار بالعيون الداخلية. هذا هو "النظر روحيًا...؟" (207).

وقول "القس أبو الفرج": " قال يوحنا فم الذهب. أراد المسيح بالجسد الفهم الجسدي، فكأنما يقول أن فهمكم الجسدي الذي به تظنون أنكم تقطّعون جسدي وتأكلونه كلحم الضأن لا يُفيد شيئًا في الحياة الأبدية بل "الروح" أي الفهم الروحي الذي تفهمون به أنكم تأكلون جسدي مُتحدًا بلاهوتي تحت أعراض الخبز والخمر هو الذي يُحيي النفس والجسد. ولذا قال: "اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ ". فهو روح بمعنى أنه يلزم فهمه بنوع روحي وسري. وهو حياة بمعنى أنه يمنح الحياة للذين يتناولونه. وكثيرًا ما ورد الروح والجسد بمعنى الروحي والجسدي. فمن ذلك قول الرسول في (2 كو 3: 6) وهو: " الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي". وقول المسيح: "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ " (مت 16: 17). وقوله أيضًا في (يو 3: 6) " وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ "... والخلاصة كأنه يقول أن أكل جسدي هذا وشرب دمي لا يكون بنوع لحمي كما تظنون بل بنوع روحي تحت أعراض الخبز والخمر وأكله على هذا النحو لا يسبب كرهًا للأكل ولا يضر بجسدنا"(208).

ويقول "القمص تادرس يعقوب": " ويتساءل "القديس أغسطينوس" كيف يقول السيد المسيح: " أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا" بينما الكلمة صار جسدًا، وهو نفسه يقدِّم لنا جسده...؟ فيقول بأن هذا القول يُشبه قول بولس الرسول عن العلم: "الْعِلْمُ (المعرفة) يَنْفُخُ وَلكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي" (1 كو 8: 1)، فهو يقصد أن العلم الخالي من المحبة ينفخ، وهذا لا ينفي أهمية العلم. ثم يقول: "فمن يقبل جسد المسيح بطريقة جسدانية كمن يأكل طعامًا ماديًا بحتًا، فتناوله لا يفيده شيئًا" (209). إذًا من يتناول العشاء الرباني بطريقة جسدانية فلن يستفيد شيئًا، ومن يتناول بدون استعداد وبدون استحقاق يُحسب مُجرمًا في جسد المسيح ودمه: " لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ" (1 كو 11: 29). ولعل كل ما سبق يرد على "الدكتور القس إبراهيم سعيد" الذي قال: " فضلًا عن ذلك فإن المفكرين من إخوتنا التقليديين يقرّرون معنا أن كثيرين جدًا ممن يتناولون العشاء الرباني يهلكون هلاكًا أبديًا، فكيف إذًا يوفقون بين هذه الحقيقة الراهنة، وبين قول المسيح في عدد (54): "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" "فلا مناص إذًا من التسليم بأن أكل جسد المسيح وشرب دمه، يُراد بهما شيء آخر غير فريضة العشاء الرباني" (210). واضح أن الذي يتناول جسد الرب ودمه بإيمان، ويحرص على حياة الاستقامة والتقوى يخلص ويكون له نصيبًا في الحياة الأبدية، أمَّا الذي يتناولهما بغير استحقاق ويعيش حياة مُستهترة فلن يكون له مكانًا في الملكوت.

5- يوجه السيد المسيح تعاليمه الروحية للأرواح وليس للأجساد، من يتعامل مع هذه التعاليم روحيًا ينال الحياة الأبدية، أمَّا من يُفسر هذه التعاليم السمائية بطريقته الجسدية فإنه لا يستفيد شيئًا. يقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " ما ادعاه بعض الذين يُريدون أن يتملصوا من الفهم الواضح الصريح لكلمات السيد المسيح له المجد عن حقيقة سر التناول، وإنه فيه يُعطي المسيح جسده للمؤمنين به قوتًا حقيقيًا لأرواحهم، وغذاءً أبديًا روحانيًا لنفوسهم للحياة الأبدية، فمعاذ اللَّه أن يكون المعنى من ذلك أن جسد المسيح لا يُجدي نفعًا. بل إنه على العكس يبين صراحة بهذه الكلمات أن التناول من جسده المقدَّس ودمه الكريم هدفه الحقيقي بناء الروح لا الجسد، فهو قوة للروح وغذاء للنفس، وهو أكسير الحياة الذي يهب الآخذين منه الحياة الأبدية، والحياة ضد الموت" (211).

 

ثالثًا: هل كان السيد المسيح في غنى عن تلاميذه الاثنى عشر (يو 6: 67)؟ ومن أين آتى بطرس بهذا القول الرائع (يو 6: 68)؟

1- تحدث السيد المسيح للجموع عن خبز الحياة النازل من السماء، ووضعهم أمام خيارين، إمَّا أن يأكلوا جسده كمأكل حق ويشربوا دمه كمشرب حق فيكون لهم الحياة الأبدية، وإما أن لا يأكلوا جسده ولا يشربوا دمه فلن يكون لهم حياة أبدية، واستصعب الكثيرون هذه الأقوال فرجعوا من ورائه ولم يعودون يمشون معه، " فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا" (يو 6: 67) وهنا نلاحظ الآتي:

أ- أن السيد المسيح الإله المُتجسد كلي القدرة، ليس في حاجة على الإطلاق لتلاميذه أو غيرهم ليعينوه في تحقيق مشيئته، بل هو قادر على كل شيء، وكونه اختار التلاميذ ليشاركوه في العمل فهذا شرف لهم، فهو لم يختارهم بسبب الاحتياج الشخصي لهم، إنما تكريمًا وتشريفًا لهم، أن يكونوا جزءًا من خطة اللَّه لخلاص البشرية، فهو اختارهم من المزدرى وغير الموجود ورفعهم وجعلهم شهودًا له، وكل هذا بدافع صلاحه ومحبته للبشر، وليس بدافع احتياجه لأي إنسان، لأنه كلي القدرة والسلطان.

ب- السيد المسيح بسؤاله للتلاميذ أظهر مدى احترامه لرغباتهم البشرية، فهو لم ولن يجبر أحد على تبعيته " فَقَالَ لَهُمْ مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ..." (لو 11: 2). " وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ..." (مت 6: 16)... " إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ..." (مت 19: 21)... إلخ.

جـ- سؤال السيد المسيح هذا وضعهم أمام اختبار الإيمان، ونجحوا جميعًا في هذا الاختبار لم يرسب منهم أحد من الاثنى عشر، فبالإيمان قبلوا أقوال السيد المسيح بالرغم من أنهم لم يدركوا أعماقها. في الأمور المادية تأتي المعرفة أولًا ثم التصديق والإيمان، لكن في الأمور الروحية يأتي الإيمان أولًا والمعرفة في مرحلة لاحقة، وقد تأتي شيئًا فشيئًا. واضعين نصب أعيننا الرب يسوع مصدر الثقة فما دام السيد المسيح هو الذي قال فلا بد أن يكون: " لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ" (مز 33: 9) أمَّا المعرفة فتكشف لنا فيما بعد، مثلما قال السيد المسيح لبطرس عندما رفض أن يغسل قدميه: " لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْد" (يو 13: 7)... " لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ... الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ" (1 كو 13: 9، 12).

2- يقول الإنجيل: " فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ يَا رَبُّ إِلَى مَنْ نَذْهَبُ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (يو 6: 68) أجابه بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن إخوته الرسل الأطهار، وقد جاءت إجابته الرائعة مُقتبسة أساسًا من أقوال السيد المسيح ذاته، الذي قال: " اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو 6: 63)... " مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" (يو 5: 24)، ولا بد أن الآب أشرق بنوره على فكر بطرس فنطق بهذه العبارة الذهبية الخالدة، كنجوم مُرصعة متلألآة في ليلة حالكة الظلام، مثلما اعترف من قبل وشهد لألوهية المسيح ابن اللَّه: " فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَات" (مت 16: 17). كما جاءت إجابة بطرس تبكيتًا لكل من تركوه ومضوا، إذ أنهم انصرفوا عن مصدر الحياة الأبدية، فماذا تبقى لهم؟!! وأكمل بطرس إجابته مُعلنًا إيمانه وإيمان إخوته الرسل الأطهار بالمسيح ابن اللَّه الحي قائلًا: " وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله الْحَيِّ" (يو 6: 69) وتعلَّم بطرس أن الإيمان والفضيلة يسبقان العلم والمعرفة: " وَلِهذَا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً" (2 بط 1: 5) وبلغة بولس الرسول: " لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ" (رو 10: 10).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(203) شرح بشارة يوحنا، ص255.

(204) تفسير المشرقي - إنجيل يوحنا، ص488.

(205) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص426.

(206) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص427، 428.

(207) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 1 ص495.

(208) تفسير المشرقي - إنجيل يوحنا، ص490، 491.

(209) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 1 ص434.

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/718.html

تقصير الرابط:
tak.la/f4cs67c