سؤال 713: لماذا لم يذكر يوحنا الإنجيلي شيئًا عن سر الإفخارستيا مُكتفيًا بما جاء في (يو 6: 33-59) بينما كرر معجزة إشباع الجموع (يو 6: 4-15) التي ذكرتها الأناجيل الإزائية الثلاثة؟ ولماذا اختار السيد المسيح فيلبس بالذات ليقول له: " مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هؤُلاَءِ" (يو 6: 5)؟ ولماذا خاف التلاميذ عندما أبصروا يسوع مُقبلًا عليهم (يو 6: 19)؟

ج: أولًا: لم يذكر يوحنا الإنجيلي سر الإفخارستيا مكتفيًا بما جاء في الأناجيل الإزائية الثلاثة:
1- لأن القديس يوحنا كتب إنجيله في نهاية القرن الأول الميلادي، والكنيسة قد انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها، ومُورس سر المعمودية وسر الإفخارستيا في جميع الكنائس بدون إستثناء واحد، فصار هذان السران ثابتان ومستقران في وجدان الكنيسة، مارستهما كل الكنائس في شتى بقاع الأرض، فلم يجد القديس يوحنا أن هناك حاجة للكتابة عنهما مباشرة بل كتب عنهما بطريقة غير مباشرة في حديث السيد المسيح مع نيقوديموس (يو 3) وحديثه مع اليهود عن خبز الحياة (يو 6).
2- الهدف الرئيسي لإنجيل يوحنا هو التركيز على الأمور والمعاني اللاهوتية، ولا سيما ألوهية المسيح، وعقيدة التثليث والتوحيد، والرد على البدع والهرطقات التي أثيرت في عصره، ولذلك لم يركز كثيرًا على السرد التاريخي ولا الأمور المعجزية، فتخير ثمان معجزات تخدم غرضه، ولذلك فيما يخص سر الإفخارستيا فقد اكتفى بخطاب خبز الحياة إشارة لعظمة هذا السر وتلك العطية التي تهب الإنسان الثبات في المسيح ونوال الحياة الأبدية.
3- الأناجيل الأربعة تتكامل فيما بينها، فالأناجيل الإزائية الثلاث ذكرت هذا السر العظيم، فجاء القديس يوحنا وأضاف لمسات أخرى إذ ذكر غسل الأرجل قبل العشاء الأخير، وحديث السيد المسيح مع تلاميذه ليلة آلامه، والصلاة الوداعية، مما استغرق عدة أصحاحات (يو 13-17) وهو ما لم يرد في الأناجيل الأخرى.
ولماذا كرَّر يوحنا الرسول ذِكر معجزة إشباع الجموع (يو 6: 4-15) التي ذكرتها الأناجيل الإزائية الثلاثة...؟ عجبًا لمثل هؤلاء النُقَّاد أحادي النظرة، فكل هدفهم نقض وهدم الأسفار المقدَّسة. لو انفرد أحد الإنجيليين بذكر أحداث معينة يشككون فيها بحجة أنها لم يأتي لها ذكر أو إشارة في الأناجيل الأخرى، وإن ذكر هذا الإنجيلي ما جاء في الأناجيل الأخرى يحتجون قائلين: ما الداعي للتكرار؟ وهكذا من جيل إلى جيل. قال السيد المسيح لمثل هؤلاء النُقَّاد: " زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا" (مت 11: 17). مع أن كل تكرار له معنى. وكما قلنا الأناجيل تتكامل فيما بينها، وكأننا نصور الحدث بأربع كاميرات، كل كاميرا تركز على جانب معين، والتكرارات أمر عادي في القرآن ولا يحتج عليه أحد، فالتكرار يرد كنوع من السمات البلاغية بهدف التأكيد على المعنى، والتذكير والإنذار، والتناسق الموسيقي، والتنوع في السياق، والتدرج في التعليم. تكررت قصة آدم في إحدى عشر سورة مثل سور البقرة (30-39)، والأعراف (11-27)، والحجر (28-42)، والإسراء (62-65)، والكهف (50)، وطه (115-124)، وص (71-85)... إلخ. وعبارة مثل: " فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ" وردت في سورة الرحمن (31) مرة.
وإن كان القديس يوحنا كرَّر ذكر معجزة إشباع الجموع، فقد أضاف إليها لمسات جديدة، مثل:
1- سؤال السيد المسيح لفيلبس: " مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هؤُلاَءِ وَإِنَّمَا قَالَ هذَا لِيَمْتَحِنَهُ" (يو 6: 6).
2- قال أندراوس: " هُنَا غُلاَمٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ، وَلكِنْ مَا هذَا لِمِثْلِ هؤُلاَء" (يو 6: 9) وأرغفة الشعير خبز الفقراء والمُعدمين، وجاء في المشنة أن اليهود كانوا يقدمون تقدماتهم من دقيق القمح بإستثناء تقدمة الخطية التي تتقدم بها امرأة عن خطية الزنا كانت تُقدم من دقيق الشعير (راجع وليم باركلي - تفسير العهد الجديد - بشارة يوحنا جـ 1 ص317).
3- قول السيد المسيح: " فَلَمَّا شَبِعُوا قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ اجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْء" (يو 6: 12) والكلمة اليونانية المستخدمة للتعبير عن الشبع تعني الشبع حتى الامتلاء، حتى أنها كانت تُسْتَخْدَم للتعبير عن إطعام الحيوان بالعلف (المرجع السابق، ص318).
4- إيمان الجموع به: " قَالُوا إِنَّ هذَا هُـوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ" (يو 6: 14).
5- محاولة الجموع اختطافه ليجعلوه ملكًا (يو 6: 15). ويصوّر "وليم باركلي" موقف اليهود هنا، فيقول: " قالوا لقد حانت ساعة الخلاص. تمم اللَّه لنا الوعد، الذي وعد به شعبه في القديم. لقد جاء النبي، والملك العظيم. هيا اهتفوا له، وارفعوه على الأعناق، ونحُّوا من العرش هيرودس أنتيباس الثعلب الأدومي، واجلسوه وحده ملكًا، لا على الجليل فقط، ولا على اليهودية، ولا على السامرة معها، بل على العالم أجمع. ها قد انتهى نير المستعمر للأبد ومضى عهد الرومان، ولن يُحكَم العالم بسلطان النار والحديد، لأن عهد المحبة... عهد المراحم... عهد المسيا المختار... عهد المُلك السعيد، وقد أشرق على الإنسانية جمعاء. لقد كانوا على استعداد في تلك الساعة أن يقودوا ثورة دامية في سبيله" (171).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: لماذا اختار السيد المسيح فيلبس بالذات ليقول له: " مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هؤُلاَءِ" (يو 6: 5)...؟ ربما كان فيلبس يفكر في ذات السؤال، فأعاده عليه السيد المسيح، وجاءت إجابة فيلبس سريعًا: " لاَ يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِئَتَيْ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا يَسِيرًا" (يو 6: 7)، وبالرغم من أن فيلبس كان مع يسوع منذ الابتداء وحضر معه عُرس قانا الجليل وأبصر بعينيه كيف حوَّل السيد المسيح الماء إلى خمرًا ممتازًا، أفلا يقدر أن يحول الحجارة إلى خبز؟!! وأوضح الإنجيل الهدف من سؤال فيلبس عندما قال: " وَإِنَّمَا قَالَ هذَا لِيَمْتَحِنَهُ" (يو 6: 6)، وللأسف فإن فيلبس أخفق في الإمتحان، وتدخل أندراوس يُلقي بدلوه قائلًا: " هُنَا غُلاَمٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ" (يو 6: 9) وربما لاح أمامه المعجزة التي صنعها رجل اللَّه أليشع عندما أشبع نحو مائة رجل من عشرين خبزة شعير وفضل عنهم (2 مل 4: 42-44) ولكن ما زالت المسافة شاسعة فأمام أليشع كان نحو مائة رجل فقط وعشرين خبزة، أمَّا أمام يسوع نحو خمسة عشر ألفًا وفقط خمس خبزات وسمكتين وجبة صبي، ولهذا أخفق في الإمتحان قائلًا: " وَلكِنْ مَا هذَا لِمِثْلِ هؤُلاَءِ" (يو 6: 9). وغاب عن عيني فيلبس وعيني أندراوس معجزة المن السماوي، عندما أطعم اللَّه شعبه نحو مليوني شخص من المن والسلوى لمدة نحو أربعين عامًا، ورواهم من صخرة صماء، ألا يقدر أن يُشبع هؤلاء الألوف؟!! إن إيمانهما لم يصل إلى مرحلة إدراك أن معلِّمهم هو الإله الحقيقي المُتجسد خالق السموات والأرض، إنما ظنوه أنه نبي عظيم مقتدر في الأقوال والأفعال. وموقفهما هذا يذكرنا بموقف موسى رئيس الأنبياء عندما استكثر واستعظم أن اللَّه سيطعم شعبه في البرية فقال: " سِتُّ مِئَةِ أَلْفِ مَاشٍ هُوَ الشَّعْبُ الَّذِي أَنَا فِي وَسَطِهِ وَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ أُعْطِيهِمْ لَحْمًا لِيَأْكُلُوا شَهْرًا مِنَ الزَّمَانِ. أَيُذْبَحُ لَهُمْ غَنَمٌ وَبَقَرٌ لِيَكْفِيَهُمْ أَمْ يُجْمَعُ لَهُمْ كُلُّ سَمَكِ الْبَحْرِ لِيَكْفِيَهُمْ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى هَلْ تَقْصُرُ يَدُ الرَّبِّ" (عد 11: 21-23). أيضًا سأل السيد المسيح فيلبس بالذات لأن المكان الذي اجتمعوا فيه كان مقابل بيت صيدا، مدينة فيلبس، فهو العارف بطبيعة المكان، وربما يعرف عدد ليس بقليل من الحاضرين، فسأله السيد المسيح وهو يعرف ماذا سيفعل: " وَإِنَّمَا قَالَ هذَا لِيَمْتَحِنَهُ لأَنَّهُ هُوَ عَلِمَ مَا هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَفْعَلَ" (يو 6: 6).
ثالثًا: لماذا خاف التلاميذ عندما أبصروا يسوع مقبلًا عليهم (يو 6: 19)...؟ عندما نزل التلاميذ إلى السفينة وأبحروا وشمس اليوم تميل للمغيب كان الجو صحوًا، هادئًا لطيفًا ملائمًا للإبحار، ولكن وهم في طريقهم من الشط الشرقي للشط الغربي إلى كفرناحوم، تبدَّل الجو وأكفهَّر وهبت العاصفة الهوجاء وهاجت الأمواج تريد أن تبتلعهم، ومما زاد من روعهم أن الظلام أحاط بهم، وفي الظلام وعدم توفر الرؤية يصير هيجان البحر أكثر رعبًا. نعم لديهم خبرة كبيرة في ركوب بحر الجليل وعدد منهم بحكم مهنتهم في الصيد ارتبطوا بهذه البحيرة الضخمة التي يصل عرضها إلى نحو ثمان كيلومترات، لكنهم لم يعهدوا هذا الهياج من قبل، فخوفهم كان مفهومًا ومشروعًا في مقابل الموت الذي صار أقرب لهم من النجاة، ومما زاد رعبهم ظهور شخص يمشي على المياه، منظر لم يُشاهده أحدهم من قبل طوال حياته، ظنوه شبحًا يقترب إليهم ليقبض أرواحهم فصرخوا، ولم يهدأوا ولم يستردوا أنفاسهم إلاَّ عندما سمعوا صوت معلمهم الحبيب يناديهم: " أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا" (يو 6: 20) وبمجرد أن قبلوه في السفينة بلغت السفينة الشط المنشود.
_____
(171) ترجمة دكتور عزت زكي - تفسير العهد الجديد - بشارة يوحنا، جـ1، ص324.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/713.html
تقصير الرابط:
tak.la/8rtr547