St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

702- لماذا انتقل يوحنا المعمدان من "بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ" (يو 1: 28) إلى "عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ" (يو 3: 23)؟ وهل بدأ السيد المسيح خدمته أثناء خدمة يوحنا المعمدان (يو 3: 22-24)، أم بعد سجن المعمدان (يو 3: 24)؟ وماذا كان قصد الذين قالوا ليوحنا المعمدان أن يسوع يعمد والجميع يأتون إليه (يو 3: 26) وكيف جاوبهم المعمدان؟

 

سؤال 702: لماذا انتقل يوحنا المعمدان من "بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ" (يو 1: 28) إلى "عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ" (يو 3: 23)؟ وهل بدأ السيد المسيح خدمته أثناء خدمة يوحنا المعمدان (يو 3: 22-24)، أم بعد سجن المعمدان (يو 3: 24)؟ وماذا كان قصد الذين قالوا ليوحنا المعمدان أن يسوع يعمد والجميع يأتون إليه (يو 3: 26) وكيف جاوبهم المعمدان؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: لماذا انتقل يوحنا المعمدان من " بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ" (يو 1: 28) إلى "عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ" (يو 3: 23)...؟ يقع بيت عبرة في عبر الأردن على بُعد نحو 9 كم شمال البحر الميت، وهو المكان الذي كان يعمد فيه يوحنا المعمدان في بداية خدمته، وهو المكان الذي اعتمد فيه السيد المسيح، وفيه أُعلن سر الثالوث القدوس. أمَّا عين نون بقرب ساليم، وعين نون اسم آرامي معناه "عيون"، حيث توجد عدة عيون بالقرب من بلدة ساليم على بُعد نحو ستة أميال شمال شرق أورشليم. وكل من بيت عبرة، وعين نون تقع على ضفاف الأردن، حيث كانت تتم المعمودية بالتغطيس (راجع الإنجيل للقديس يوحنا - ترجمة الأنبا غريغوريوس وآخرون، ص267). وفي سنة 2016م تم اكتشاف موقع عين نون بقرب ساليم (عين سالم) بعد تنقيب استمر لمدة عشرة أعوام. يقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " عَيْنِ نُونٍ: ومعناها نبع الحماقة بقرب ساليم. وهما (عين نون - ساليم) غالبًا جزء من البقاع القديمة التي وقعت من نصيب سبط يهوذا (يش 15: 31-32). وكانتا معروفتين قديمًا بـ "شلحيم وعين جنيّم" فآلتا بالاستعمال اللفظي إلى "ساليم وعين نون". أمَّا السبب في اتخاذ يوحنا تلك البقاع مقرًا لعمله فهو لأنه كان هناك مياه كثيرة " وواضح أن معمودية المعمدان كانت تمارس بالتغطيس" (120).

كان يوحنا المعمدان يعمد أولًا في بيت عبرة، ولكن بعد أن بكَّت هيرودس الملك على زواجه من هيروديا زوجة أخيه فيلبس الذي كان ما زال على قيد الحياة، لم يجد المعمدان راحته في بيت عبرة، وأراد أن ينأى بنفسه من موطن الشر، فأقبل إلى عين نون، فظل يعمد فيها إلى أن قبض عليه جنود هيرودس وأودع السجن في قلعة مكايروس التي تقع على تلة شرقي البحر الميت حتى استشهاده، بينما استمر تلاميذه كبذرة للجماعة المعمدانية في ذات المكان (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س644). ومما يذكر أنه إن كان يوحنا المعمدان قد غيَّر مكانه من بيت عبرة إلى عين نون، فإن السيد المسيح عندما رفع اليهود حجارة ليرجموه في عيد التجديد لأنه أعلن عن هويته قائلًا: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30) يقول الإنجيل: " فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَمَضَى أَيْضًا إِلَى عَبْرِ الأُرْدُنِّ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كـَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِيهِ أَوَّلًا وَمَكَثَ هُنَاكَ" (يو 10: 39-40).

 

ثانيًا: هل بدأ السيد المسيح خدمته أثناء خدمة يوحنا المعمدان (يو 3: 22-24)، أم بعد سجن المعمدان (يو 3: 24)...؟ سبق الأجابة على هذا التساؤل فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 6 س492.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثالثًا: وماذا كان قصد الذين قالوا ليوحنا المعمدان أن يسوع يعمد والجميع يأتون إليه (يو 3: 26) وكيف جاوبهم المعمدان...؟ يقول الإنجيل أنه حدثت مباحثة أي مناظرة بين تلاميذ يوحنا مع بعض اليهود، فقد ظن تلاميذ المعمدان أن مُعلِّمهم هو المسيا، وأن يسوع لم ينل شهرة في المجتمع إلاَّ بفضل شهادة يوحنا المعمدان له، وعندما لمع نجم يسوع وبدأت الجموع تقبل عليه شعر تلاميذ يوحنا بالحسد والغيرة، وتحوَّل الموضوع إلى جدل: هل يسوغ ليسوع أن يعمد، أم أن المعمودية قاصرة على يوحنا المعمدان الذي بدأ أولًا؟! وادعوا أن معمودية يوحنا أفضل من معمودية يسوع وتلاميذه، وذلك بسبب جهلهم لهوية وشخصية يسوع وغيرتهم منه، حتى أنهم لم يشأوا أن يذكروا اسمه، فقالوا لمعلمهم: " هُوَذَا الَّذِي كَانَ مَعَكَ" (يو 3: 26). لقد ظنوا أن يسوع مجرد تلميذ مثلهم للمعمدان، وكونه ينفصل عنه ويعمد بعيدًا عنه فهذا نوع من الجحود وإنكار الجميل، ونتيجة هذا الجدل والمناظرة أنهم لجأوا إلى مُعلِّمهم يوحنا المعمدان يستفتونه: " فَجَاءُوا إِلَى يُوحَنَّا وَقَالُوا لَهُ يَا مُعَلِّمُ هُوَذَا الَّذِي كَانَ مَعَكَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ الَّذِي أَنْتَ قَدْ شَهِدْتَ لَهُ هُوَ يُعَمِّدُ وَالْجَمِيعُ يَأْتُونَ إِلَيْهِ" (يو 3: 26)... فهذه أقوال رديئة بثها اليهود ليوحنا المعمدان لينقلب على يسوع، فها هم يحرضونه على يسوع، وكأنهم يقولون للمعمدان: أنت شهدت له فذهب الجميع وراءه... أنت زرعته وهو يهدمك... أنه ينافسك فتزداد شعبيته وأنت تتناقص. أمَّا المعمدان أعظم موليد النساء، الذي هو أفضل من نبي، فقد تصرف بمهارة فائقة، وكأنه أخذ حجر العثرة الذي ألقى به عدو الخير، ونحت منه تمثالًا بارع الجمال للعظمة المبنية على التواضع وإنكار الذات، فأوضح للجميع أنه جميع هذه الأمور مُرتَّبة من السماء، شارحًا لهم الوضع بأكثر تفصيل:

1- قال لهم: " لاَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ السَّمَاء" (يو 3: 27) فاللَّه ضابط الكل هو الذي يسوس الأمور.

2- ذكَّرهم بقوله السابق: " أَنِّي قُلْتُ لَسْتُ أَنـَا الْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ" (يو 3: 28) فالمسيح هو الرب الآتي إلى العالم، أمَّا أنا فملاكه الذي أُهيئ الطريق أمامه. أنه الملك وأنا رسوله. أنه الشمس وأنا السراج الذي أستمد نوري من ضيائه. أنه العريس الذي له العروس ومصدر فرح الجميع (راجع مز 45: 9، 14؛ إش 62: 5؛ هو 2: 19؛ مت 25: 1). أما أنا فصديق العريس "الإشبين" همزة الوصل بين العريس والعروس، الذي يرتب كل شئون الزفاف من دعوة المدعوين والإشراف على حفل العُرس، وحراسة حجرة العريس حتى يدخل إليها مع عروسه، فيكتمل فرحي بنجاح مهمتي " إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ" (يو 3: 29).

3- قال لهم: " يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّـي أَنَا أَنْقُصُ" (يو 3: 30) وقوله " يَنْبَغِي" تعكس مشاعر يوحنا الصادقة، فهذه هيَ المحبة في أبهى صورها أن الإنسان ينقص لكيما يزيد المحبوب، فهيَ تُماثل محبة الوالدين اللذين يشقيان ويتعبان ويبذلان من أجل أن يحيى ابنهما في سعادة، ويكون أفضل منهما.

4- أوضح المعمدان أن طبيعة يسوع وحده هيَ الطبيعة السمائية، فهو الذي آتى من فوق: " اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ" (يو 3: 31) فأصله من السماء وليس من الأرض، هو الذي آتى من عالم النور والخلود والمجد والقوة إلى عالم الظُلمة والفساد والهوان والضعف، لكيما يصنع بالضعف ما هو أعظم من القوة.

5- أوضح المعمدان أن يسوع وحده هو الذي يتحدث بكلام وسلطان اللَّه: " لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ الله يَتَكَلَّمُ بِكـَلاَمِ اللَّـهِ" (يو 3: 34) وقال السيد المسيح عن ذاته: " وَالْكَلاَمُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَني" (يو 14: 24)... " فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ يَا رَبُّ إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (يو 6: 68).

6- قال المعمدان أنه مثل أنبياء العهد القديم الذين أخذوا مواهب اللَّه بدرجات مختلفة، فجميعهم أخذوا الروح كما بكيل معين، كلٍ بحسب طاقته. أمَّا بالنسبة للسيد المسيح فلم يأخذ الروح بكيل، لأنه الروح القدس هو روح الابن: " لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي الله الرُّوحَ" (يو 3: 34).

7- أوضح المعمدان أنه لا يقرر مصير البشر، إنما يسوع المسيح هو ضابط كل شيء: " اَلآبُ يُحِبُّ الابن وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ" (يو 3: 35).

8- أوضح المعمدان أنه ليس المطلوب أن يؤمن أحد به، بل بالسيد المسيح: " الَّذِي يُؤْمِنُ بالابن لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" (يو 3: 36).

 

ومن الملاحظ أن الذين نقلوا الخبر ليوحنا المعمدان لم يُدققوا في نقل الخبر، لأن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه (يو 4: 2). وبالطبع لم يقصد السيد المسيح أن يدخل في منافسة مع عبده يوحنا، فهو الذي شهد له بأنه أعظم من نبي، بل هو أعظم مواليد النساء، ولكن بسابق علمه كان يعلم أن دور يوحنا كاد ينتهي إذ أن هيرودس سيقبض عليه قريبًا ويودعه السجن، حتى يُقاد للإعدام، فأراد أن يسانده. لم يأتِ لهذه المنطقة ليزاحمه وينافسه، فهو الذي أرسله، إنما جاء ليُقدِّم له الدعم والمساندة. رسالة صديق العريس كادت تنتهي وهوذا العريس يتهيأ لتولي المهام الشاقة نحو الصلب، ليدفع مهر العروس، دمه الكريم. ويوحنا المعمدان قد اتسعت مداركه فأدرك هذه المعاني، فلم يكف عن تعميد من يأتي إليه ويرشده ويوجهه إلى حمل اللَّه الذي يرفع خطايا العالم، وظل يكرر ويعمد بلا كلل ولا ملل حتى النفس الأخير. ومن جهة يسوع أراد أن تستمر معمودية التوبة، لذلك مارسها عن طريق تلاميذه.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(120) شرح بشارة يوحنا، ص129.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/702.html

تقصير الرابط:
tak.la/743ha2r