سؤال 701: هل عبارة " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ" (يو 3: 15) ليست من أصل النص لأنها لم ترد في كثير من المخطوطات والترجمات، مثلها مثل بعض العبارات التي جاءت في (يو 1: 27؛ 5: 16؛ 8: 59؛ 16: 16)؟ وما المقصود بالعالم في (يو 3: 16)؟ وهل السيد المسيح لم يأتِ ليدين العالم (يو 3: 17) أم أنه قد جاء لدينونة العالم (يو 9: 39)؟

ج: أولًا: هل عبارة " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ" (يو 3: 15) ليست من أصل النص لأنها لم ترد في كثير من المخطوطات والترجمات، مثلها مثل بعض العبارات التي جاءت في (يو 1: 27؛ 5: 16؛ 8: 59؛ 16: 16)...؟ عبارة " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ" هيَ عبارة أصلية في النص، بدليل:
1- ورد العدد كاملًا: " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو 3: 15) في المخطوطة السينائية التي ترجع إلى القرن الرابع الميلادي والمخطوطة الإسكندرية التي ترجع للقرن الخامس، ومخطوطة واشنطن، والبردية P63، والكثير من مخطوطات الخط الكبير والخط الصغير، والمخطوطات البيزنطية، ومخطوطات القراءات الكنسية. بينما جاءت في المخطوطة الفاتيكانية، والبردية P75: " كل من يؤمن تكون له حياة أبدية فيه".
2- ورد العدد (يو 3: 15) كاملًا في الترجمات القديمة مثل اللاتينية القديمة، والفولجاتا، والتراجم السريانية البشيتا والأشورية التي ترجع إلى عام 168م، والترجمة القبطية البحيري، والأرمينية والجوارجينية والسلافية.
3- جاء العدد كاملًا في ترجمة فاندايك، بينما جاء في الترجمة اليسوعية والكاثوليكية: " لتكون به الحياة الأبدية لكل من يؤمن"، وفي الترجمة العربية المشتركة: " لينال كل من يؤمن به الحياة الأبدية"، وفي ترجمة الحياة: " لتكون الحياة الأبدية لكل من يؤمن به"... وبالرغم من أن معظم التراجم العربية أغفلت عبارة " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ" لكن معظم الترجمات الإنجليزية، ولا سيما الترجمات التقليدية وبعض الترجمات النقدية أوردت العدد كاملًا، وقد أورد "موقع هوليبايبل" خمسين ترجمة للإنجليزية شملت العدد كاملًا، بينما لم ترد عبارة " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ" في ترجمات قليلة من الترجمات النقدية نحو عشر ترجمات فقط.
4- اقتبس العدد (يو 3: 15) كاملًا كثير من الآباء الأولين مثل غريغوريوس النيسي، وكيرلس الكبير، وكبريانوس، وفيكتوريوس أسقف روما، وفم الذهب، وأغسطينوس.
وما سبق يُمثل الأدلة الخارجية، أمَّا بالنسبة للأدلة الداخلية، فإن عبارة " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ" تتوافق تمامًا مع أسلوب الكاتب، وتعبير " لاَ يَهْلِكَ" استخدمه يوحنا الإنجيلي في (يو 3: 16؛ 10: 28؛ 11: 50؛ 17: 12) (راجع موقع هوليبايبل - هل العدد الذي يقول " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ" (يو 3: 15) مُحرَّف)، وكذلك عالج موقع هوليبايبل بالتفصيل أربعة عبارات لم ترد في الترجمات اليسوعية والكاثوليكية والحياة، وذلك من خلال الأدلة الخارجية والداخلية:
أ- " الَّذِي صَارَ قُدَّامِي" (يو 1: 27) (راجع موقع هوليبايبل - هل العدد الذي يقول " الَّذِي صَارَ قُدَّامِي" (يو 1: 27) محرَّف).
ب- "وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ" (يو 5: 16) (راجع موقع هوليبايبل - هل العدد الذي يقول " وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ" (يو 5: 16) محرَّف).
جـ- " مُجْتَازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى" (يو 8: 59) (راجع موقع هوليبايبل - هل العدد الذي يقول " مُجْتَازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى" (يو 8: 59) محرَّف).
د- عبارة " لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ" (يو 16: 16) (راجع موقع هوليبايبل - هل العدد " لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ" (يو 16: 16) محرَّف).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: ما المقصود بالعالم في (يو 3: 16)...؟ تعبير "العالم" له عدة مفاهيم في الكتاب المقدَّس، والمعنى المقصود يُفهم من خلال سياق الحديث، فقد يشير العالم إلى:
1- العالم المادي الكوني الذي نعيش فيه. قال الكتاب: " فِي الْبَدْءِ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (تك 1: 1) وقال داود النبي: " لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا" (مز 24: 1) فالعالم هو الكرة الأرضية بكل ما عليها. وقد يكون العالم الكون كله المادي بأفلاكه من نجوم وكواكب.
2- العالم الفاسد الشرير الذي يعيش فيه الأشرار المُعاندين، ويسوسه الشيطان. قال السيد المسيح: " رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْء" (يو 14: 30) كما قال لتلاميذه: " لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ" (يو 15: 19) وقال يوحنا الحبيب: " وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ" (1يو 5: 19)... " لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ" (1 يو 2: 15).
3- البشرية كلها. قال السيد المسيح: " هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ" (يو 3: 16)... " اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر 16: 15)، وقال بولس الرسول: " كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ" (رو 5: 12)، وإن كان اللَّه القدوس لا يطيق الشر، لكنه يترأف ويشفق على الخاطئ، فاللَّه يحب الإنسان الذي جبله على صورته ومثاله في كل زمان وكل مكان، مهما كانت ظروفه وأوضاعه، ويقبل الخاطئ متى عاد إليه ويضمه إلى أحضانه مهما كانت خطاياه وآثامه وشروره، فهكذا أحب اللَّه العالم، أي الإنسان. وقوله " هكَذَا" أي بمقدار لا يمكن وصفه، يفوق جميع المقاييس البشرية، يساوي الأحضان المفتوحة على خشبة الصليب، و" هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ..." تقف كل اتهام يصف اللَّه بالقسوة والسخط وأنه يسعى للانتقام من الإنسان الخاطئ، وتفضيله للعدل على الرحمة: " اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ" (رو 8: 32). لم يكن لأي كائن آخر أن يعلن عن محبة اللَّه مثلما أعلنها لنا يسوع المصلوب ابن اللَّه الوحيد، وكلمة " الوحيد" اقترنت بابن اللَّه في العهد الجديد خمس مرات (يو 1: 14، 18؛ 3: 16، 18؛ 1 يو 4: 9). قال "بورهام" Boreham: "عندما تدرك الكنيسة مقدار محبة اللَّه للعالم، لن تعود تعرف طعم الراحة أو الهناءة، إلى أن يتم إخضاع جميع الممالك العُظمى لإرادة اللَّه، وتربح كل جزيرة صغيرة للمسيح" (116)، ويقول "حبيب سعيد": " وإنا لواجدون قلب الإنجيل، في قلب الكتاب المقدَّس، في الأصحاح الثالث، في عبارة سطرها البشير بإلهام الروح القدس: "هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ..." (يو 3: 16) (117).
ثالثًا: هل السيد المسيح لم يأتِ ليُدين العالم (يو 3: 17)، أم أنه جاء لدينونة العالم (يو 9: 39)...؟ السيد المسيح في مجيئه الأول إلينا، في ملء الزمان، جاء من أجل الخلاص وليس للدينونة " قَالَ لِلْمَفْلُوجِ يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" (مر 2: 5) وقال للمرأة الخاطئة التي لجأت إليه في بيت الفريسي: " ثُمَّ قَالَ لَهَا مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ" (لو 7: 48) رغم احتجاج سمعان الفريسي على قبوله لها، بل أن المرأة التي أُمسكت في ذات الفعل وارتفعت الأيدي بالأحجار لرجمها أنقذها، وقال لها: " وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخطِئِي أَيْضًا" (يو 8: 11). ولكن مجيء النور الحقيقي للعالم فضح ظُلمة هذا العالم، وفي نور المسيح صار الشرير محكومًا عليه من ذاته: " وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً" (يو 3: 19). قيل عن شاب من أثينا يُدْعَى "السبيادس" Alcibiades كان شابًا مُدللًا وتلميذًا لسقراط الذي عاش زاهدًا مُتقشفًا بعيدًا عن ملاهي العالم، ففي كل مرة كان يلتقي أستاذه سقراط كان يشعر بالخزي من حياته، فحياة سقراط كانت تبكته دون أن يسمع منه كلمة توبيخ واحدة، فالنور دائمًا يكشف بشاعة الظُلمة، حتى أن السبيادس صرخ في وجه مُعلِّمه سقراط قائلًا: "سقراط، إني أبغضك، لأنني في كل مرة ألتقي فيها بك، تجعلني أرى نفسي على حقيقتها" (118). وقيل أن مهندسًا قال لأفلاطون: " يمكنني أن أبني لك بيتًا تلفه الظُلمة، فلا يرى أحد ما بداخل حجراته". فرد عليه أفلاطون: " بل دعني أضاعف لك المبلغ، لتبني لي بيتًا، يستطيع كل إنسان أن يبصر ما يحوي بداخله" (119).
_____
(116) أورده وليم ماكدونالد - تفسير إنجيل يوحنا، ص399.
(117) المدخل إلى الكتاب المقدَّس، ص264.
(118) ترجمة دكتور عزت زكي - وليم باركلي - بشارة يوحنا، جـ1، ص200، 201.
(119) المرجع السابق، ص201.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/701.html
تقصير الرابط:
tak.la/6j5q64q