سؤال 700: ماذا قصد السيد المسيح بكلامه المُبهم " الأَرْضِيَّاتِ" و" السَّمَاوِيَّاتِ" (يو 3: 12)؟ وكيف يقول السيد المسيح: " لَيْسَ أَحد صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ " (يو 3: 13) مع أن أخنوخ وإيليا صعدا للسماء؟ وكيف يقول عن نفسه أنه صعد للسماء (يو 3: 13) مع أنه لم يصعد إلاَّ بعد قيامته بأربعين يومًا (مر 16: 9؛ لو 24: 51؛ أع 1: 9)؟ وكيف يشبه السيد المسيح نفسه بالحية (يو 3: 14) التي تحمل سم الموت؟

ج: أولًا: ماذا قصد السيد المسيح بكلامه المُبهم " الأَرْضِيَّاتِ" و" السَّمَاوِيَّاتِ" (يو 3: 12)؟ يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "يرى البعض أن تعبير "الأَرْضِيَّاتِ" مُستخدم بخصوص الريح، بمعنى إن كنت قدمت لكم مثلًا عن الأرضيات ولم تصدقوا حتى هذا، فكيف يمكنكم أن تتعلموا العلويات"(114). ويرى البعض أن المقصود بالأرضيات هو ما يتعلق بحياتنا الروحية على الأرض، وكان محور كرازة السيد المسيح: " قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ الله، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر 1: 15) فتوبتنا وإيماننا ومعموديتنا وأعمالنا الصالحة وجهادنا الروحي تخص حياتنا على الأرض، فدعاها السيد المسيح " الأَرْضِيَّاتِ". أما " السَّمَاوِيَّاتِ" فهيَ كل الأمور المُتعلقة بحياتنا المُستقبلية في أورشليم السمائية، ويدخل في نطاق الأمور السمائية فهمنا لهوية وطبيعة السيد المسيح وأسرار الثالوث القدوس، فهذه الأمور وإن كنا لا نُدركها في هذه الحياة بالصورة الكاملة فإن معرفتنا بها في السماء ستزداد، وتتضح الأمور عما نحن عليه الآن، حيث تنفتح بصيرتنا الروحية فنعاين أمورًا لا تتسع لها المفردات البشرية، فهيَ تدخل في نطاق ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن ولا من يخطر على قلب بشر. ومن الملاحظ هنا أن السيد المسيح يتكلم بصيغة الجمع في العدد السابق: "نتكلم... نعلم... نشهد... رأينا... شهادتنا" فربما في حديثه بالجمع هنا كان يقصد الثالوث القدوس، فكل شيء هو من الآب بالابن في الروح القدس. وقال البعض أنه كان يقصد نفسه مع أنبياء العهد القديم، أو يقصد نفسه والرسل الأطهار الذين يمثلون كنيسة العهد الجديد.
ثانيًا: كيف يقول السيد المسيح: " لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ" (يو 3: 13) مع أن أخنوخ وإيليا صعدا للسماء...؟ صعود السيد المسيح للسماء يختلف عن إصعاد أخنوخ وإيليا للسماء، فمثلًا:
1- لا أخنوخ ولا إيليا صعد إلى السماء بإرادته أو بقوته الذاتية، إنما اللَّه هو الذي أصعد كل منهما إلى السماء، فقال الكتاب: " وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ الله وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ الله أَخَذهَ" (تك 5: 24) وقال بولس الرسول: " بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ الله نَقَلَه" (عب 11: 5). كما نُقل إيليا في مركبة نارية (2 مل 2: 11) فالمركبة الملائكية النارية هيَ التي أصعدته للسماء. أمَّا السيد المسيح فقد صعد بذاته، مثلما قام من الموت بذاته، ولا خلاف إن قلنا أن السيد المسيح قام بذاته وبإرادته وبقوته الذاتية (مت 28: 6) أو أن اللَّه الآب أقامه (أع 2: 24، 32؛ رو 4: 24؛ 1كو 6: 14؛ 2كو 4: 14؛ غل 1: 1؛ أف 1: 20؛ كو 2: 12؛ 1تس 1: 10؛ عب 13: 20؛ 1 بط 1: 21) لأنه مع أبيه الصالح والروح القدس واحد في الجوهر الإلهي، في الكيان الإلهي، في الطبيعة اللاهوتية الواحدة. أن اللاهوت أقام الناسوت (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 5 س458). ونفس الوضع بالنسبة للصعود، فالسيد المسيح صعد بذاته: " إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللَّـهِ" (مر 16: 19) ويقول القديس لوقا أن السيد المسيح: " وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ" (لو 24: 51).
2- هناك أربع سموات، الأولى تمثل الغلاف الجوي سماء الطيور والطائرات والسُحب، والثانية سماء الأفلاك، النجوم والكواكب، والثالثة الفردوس الذي دخل إليه اللص اليمين وعاينه بولس الرسول (2 كو 12: 2-4) والرابعة سماء السموات (مز 148: 4) حيث العرش الإلهي. وكل من أخنوخ أو إيليا لم يُصعد إلى السماء الرابعة التي صعد إليها السيد المسيح: " دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّ" (عب 9: 12) (راجع مدارس النقد - عهد قديم جـ 3 س167).
3- كيف يقول السيد المسيح أنه صعد إلى السماء (يو 3: 13) مع أنه لم يصعد إلاَّ بعد قيامته بأربعين يومًا (مر 16: 9؛ لو 24: 51؛ أع 1: 9)...؟ السيد المسيح أقنوم الكلمة الكائن منذ الأزل في ملء الزمان تنازل من سماه آخذًا صورة عبد مُتحدًا بالطبيعة البشرية، فيه اتحد اللاهوت بالناسوت، بحسب لاهوته هو مالئ كل زمان ومكان، لا يصعد ولا يهبط ولا ينتقل من مكان إلى آخر بحسب تصورنا البشري، لأنه بلاهوته لا يخلو منه مكان ولا زمان، أمَّا بحسب ناسوته فإنه لم يصعد إلى السماء إلاَّ بعد أربعين يومًا من قيامته. بلاهوته يملأ الكل سواء قبل التجسد أو بعده، أمَّا ناسوته فمحدود بمكان وزمان فإذا رأيته في حجر العذارء أو في الناصرة أو في أورشليم أو في أرض مصر أو في بيت زكا أو بيت لعازر، فإنك لن تراه في مكان آخر، غير المتواجد فيه. أنه غير المحدود والمحدود في وقت واحد، ابن اللَّه وابن الإنسان، ففي (يو 3: 13) يتكلم بحسب لاهوته، وما جاء في (مر 16: 9؛ لو 24: 51؛ أع 1: 9) فهو يتحدث عن السيد المسيح بحسب ناسوته الذي صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب في اليوم الأربعين لقيامته المقدَّسة.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
رابعًا: كيف يشبه السيد المسيح نفسه بالحية (يو 1: 14) التي تحمل سم الموت...؟ التشبيه هنا ليس بين السيد المسيح والحية العادية التي تحمل سم الموت، أنه التشبيه بين السيد المسيح والحية النحاسية. يقول "الأب متى المسكين": " فالحية، كرمز، هيَ حاملة الموت، ولكن تمثال الحية النحاسية، هو (مثال) حيَّة ميتة، سُمها مقتول، هكذا اختار اللَّه أن تكون الحية النحاسية هيَ رمز المسيح الذي أخذ خطية الإنسان ككل في جسده ومات بها، فقتل الخطية بالجسد. لهذا يُقال أن المسيح أمات الموت!! ودان الخطية بالجسد، أي حَكَمَ عليها حكمًا مؤبدًا بالعدم حينما مات بها ثم قام... "الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ" (1بط 2: 24)" (115).
أمَّا أوجه الشبه بين السيد المسيح والحية النحاسية ما يأتي:
1- الحية النحاسية هيَ شبه الحية المحرقة، والسيد المسيح تجسد في جسد " شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ" (رو 8: 3).
2- الحية النحاسية خالية من السم تمامًا، والسيد المسيح هو القدوس الذي بلا خطية. جسده من نفس عجينة البشرية، فقد شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية: " مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عب 4: 15).
3- رُفعت الحية النحاسية على مرأى من جميع بني إسرائيل، ورفع السيد المسيح على جبل الجلجثة في أورشليم في عيد الفصح أمام الجموع التي لا حصر لها: " وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى... هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ" (يو 3: 14). رفع موسى الحية النحاسية متعارضة على ساري مرتفع فاتخذت شكل الصليب، وهكذا رفع الجنود الرومان السيد المسيح على خشبة الصليب.
4- كل من لسعته الحية ونظر للحية النحاسية بإيمان ينال الشفاء تمامًا وفورًا، وهكذا كل من لسعته الخطية وسرى في جسده سمها وإلتجأ بإيمان للإله المصلوب يُبرأ تمامًا وفورًا (عد 21: 4-9).
قد يتساءل البعض: ما هيَ علاقة الحية النحاسية بالحديث عن المعمودية؟ الحية النحاسية هيَ رمز واضح وصريح لصليب المسيا، وهناك علاقة قوية بين المعمودية وموت المسيح وقيامته، فالمعمودية تستمد قوتها من الصليب، فهيَ موت ودفن وقيامة مع المسيح، فموت المسيح كان موتًا كفاريًّا خلاصيًّا، مات عنا لكي يحيينا: " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّة" (يو 3: 16). وحكى سفر الحكمة هذه القصة قائلًا: " لم يستمر غضبك إلى المنتهى... ونصبتَ لهم علامة للخلاص، تذكرهم وصية شريعتك فكان الملتفت إليها يخلص، لا بذلك المنظور بل بك يا مخلص الجميع" (حك 16: 6-7).
_____
(114) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص272.
(115) شرح إنجيل القديس يوحنا - الجزء الأول، ص228، 229.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/700.html
تقصير الرابط:
tak.la/8jq94rc