St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

679- هل قول الإنجيل عن عمل أقنوم الكلمة في الخلق " بِهِ" (يو 1: 3) يُنقِص من قدرته وألوهيته ويظهره كأداة استخدمها الآب لإنشاء الخليقة؟ ولماذا كرَّر يوحنا المعنى في (يو 1: 3) وأعاده في (يو 1: 4)؟ وهل أراد يوحنا في (يو 1: 1-4) أن يرد على بعض الأفكار الخاطئة؟ ومن هو الخالق: الابن أم الآب أم الروح القدس؟

 

سؤال 679: هل قول الإنجيل عن عمل أقنوم الكلمة في الخلق " بِهِ" (يو 1: 3) يُنقِص من قدرته وألوهيته ويظهره كأداة استخدمها الآب لإنشاء الخليقة؟ ولماذا كرَّر يوحنا المعنى في (يو 1: 3) وأعاده في (يو 1: 4)؟ وهل أراد يوحنا في (يو 1: 1-4) أن يرد على بعض الأفكار الخاطئة؟ ومن هو الخالق: الابن أم الآب أم الروح القدس؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: هل القول "بِهِ" (يو 1: 3) ينقص من قدر وألوهة أقنوم الكلمة؟

1- قال الإنجيل: " كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ" و"بِهِ" المقصود بها ليس by him بلthrough him أي بواسطته، فالأصل اليوناني يحمل معنى أن بواسطته صار الشيء وظهر بحسب تدبير عنايته الإلهية، فهو يخلق الشيء ويحفظه لأنه هو ضابط الكل: " وَفِيه يَقُومُ الْكُلُّ" (كو 1: 17). " حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِه" (عب 1: 3)، فهو الخالق واهب الحياة، الحافظ خليقته وضابطها " كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو 1: 4).

2- كلمة "بِهِ" جاءت في مواضع أخرى تخص اللَّه الآب، ولم يعترض أحد عليها مُتهمًا الإنجيل بأنه يُريد أن يُنقِص من قدر وألوهة الآب، ومن هذه المواضع: " لأنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (رو 11: 36).

3- كما استخدم يوحنا الحبيب "بِهِ" وهيَ تخص أقنوم الكلمة، سبق واستخدمها سليمان الحكيم: "بِي تَمْلِكُ الْمُلُوكُ وَتَقْضِي الْعُظَمَاءُ عَدْلًا" (أم 8: 15)، وأيضًا استخدمها بولس الرسول: " وَرَبٌّ وَاحِدٌ يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ" (1 كو 8: 6) ... " الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِق" (كو 1: 16).

ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " إن كنت تظن أن تعبير "بِهِ" هو علامة على أنه أقل، إذ تجعل من المسيح أداة الخليقة، اسمع (داود) قائلًا: "مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ" (مز 102: 25). ما قاله عن الآب كخالق يقوله بخصوص الابن، الأمر الذي ما كان يقوله ما لم يحسبه الخالق وليس مساعدًا لآخر... بخصوص لقب الخالق (للابن) ليس هو بأقل من الآب في شيء، اسمع ما يقوله بنفسه: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي كَذلِكَ الابن أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" (يو 5: 21)" (40).

 

ثانيًا: لماذا كرَّر يوحنا المعنى في (يو 1: 3) وأعاده في (يو 1: 4)...؟ كتب القديس يوحنا إنجيله باللغة اليونانية، ولكنه استخدم الأسلوب العبري الذي يتميز بالتكرار والاهتمام بالسجع والقافية، واستخدام أسلوب الإثبات مع النفي (راجع مدارس النقد - عهد جدد - جـ 8 س632) فكرَّر يوحنا الحبيب المعنى في (يو 1: 3) تارة في أسلوب الإثبات والإيجاب: " كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ" وجاء الوصف جامعًا، وتارة في أسلوب النفي والسلب: " وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ"، فجاء الوصف مانعًا. إذًا ما سجله القديس يوحنا في العدد (يو 1: 3) هو أسلوب جامع مانع. ثم زاد عليه العدد (يو 1: 4): " فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ" لتأكيد المعنى أكثر فأكثر، فأقنوم الكلمة خالق كل شيء، جميع الخلائق السمائية والأرضية، ما لا يُرى وما يُرى، جميعها أوجدها من العدم ووهبها الحياة، وكقول بولس الرسول: " فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى... الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كو 1: 16). خلق كل شيء، وهو أيضًا الذي يحفظ خليقته " لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" (أع 17: 28)... " وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ" (كو 1: 17). "الَذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ... وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ" (عب 1: 2-3).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثالثًا: هل قصد يوحنا في (يو 1: 1 – 4) أن يرد على بعض الأفكار الخاطئة...؟ فعلًا كان في ذهن القديس يوحنا مواجهة الشكوك والبدع والهرطقات سواء التي ثارت في عصره، أو التي يتوقعها بعين المستقبل، مثل:

1- الهرطقات التي طعنت في أزلية اللوغوس وقولهم أنه مخلوق ككائن وسيط بين اللَّه والخليقة، فأكد يوحنا الرسول على أزلية اللوغوس، فهو الكائن منذ البدء، منذ الأزل، هو خالق كل شيء، وغير مخلوق. قال "القديس كيرلس الكبير": " إن الابن بالطبيعة هو الخالق والصانع... فليس من الكائنات جميعًا كائن واحد دُعي للوجود من العدم بدون الكلمة. وحيث أنه يمنح الخليقة نعمة الوجود، فهو يُعطي أيضًا نعمة البقاء، ويمنح من عنده الأبدية، لكل الكائنات التي بطبيعتها ليست أبدية... أن الابن الوحيد اللَّه الكلمة هو بدء وأصل كل الكائنات المنظورة السمائية والأرضية وما دون ذلك. فهو نفسه بالطبيعة الحياة، ويهب كل الكائنات الكثير: الوجود والحياة والحركة، دون أن يعني هذا أنه يقتطع من ذاته ويعطي" (41).

ولو أن السيد المسيح مخلوق ويستطيع أن يهب الحياة للآخرين، فما المانع بنفس القياس أن المخلوقات المخلوقة تهب الحياة للآخرين، وبذلك تكون في غنى عن اللَّه، فيقول "القديس كيرلس الكبير": " لو كان الابن مخلوقًا، وهو قادر على أن يُحيي الكل، لأصبحت الخليقة قادرة على أن تُحيي نفسها، وليست محتاجة بالمرة إلى اللَّه. ولم يعد في الطبيعة الإلهية ما يُميزها عن المخلوقات، ولأصبحت المخلوقات مثل اللَّه قادرة على أن تفعل ما يفعله اللَّه. وهذا مستحيل. إذًا الابن ليس مخلوقًا، بل هو اللَّه ولذلك فهو بالطبيعة الحياة أيضًا... يتعجب المرنم في المزامير من الطبيعة الإلهية، وينسب إليها الكرامة الفائقة بقوله: "عِنْدَكَ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ" (مز 36: 9)"(42). وأيضًا يقول "القديس كيرلس الكبير": " لم ينل (الابن الكلمة) قوة من آخر لكي يخلق، وإنما هو قوة اللَّه الآب، الابن الوحيد، الذي يعمل كل شيء مع الآب والروح القدس. لأن كل شيء من الآب بالابن، لأنه لو خلق الابن مُنفصلًا عن الآب لما استطاع الابن أن يقول: " أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ " (يو 14: 10)" (43).

2- الهرطقات والفلسفات اليونانية مثل الأفلاطونية التي ادعت أن المادة أزلية، فأكد يوحنا الرسول بأن كل شيء خُلِق بواسطة أقنوم الكلمة، ولا يوجد كائن واحد ولا شيء واحد كان له وجود قبل أن يوجده اللوغوس "أذببب وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ".

3- الهرطقات التي ادعت أن المادة شر وخطية، مثل الهرطقات الغنوسية، وادعت أن اللَّه مُنزَّه عن الاتصال بالمادة فخلق أيونات (انبثاقات)، وكل أيون كان يزداد بُعدًا عن مصدر الألوهة، وأكثر الأيونات بُعدًا هو الذي تجرأ وأمسك بالمادة وخلق العالم، فأوضح يوحنا أنه ليس خالق في الوجود كله غير أقنوم الكلمة.

4- الهرطقات التي ادعت أن الملائكة هم الذين خلقوا العالم مثل بعض الهرطقات الغنوسية، فأوضح يوحنا الحبيب أن جميع الطغمات السمائية خُلقت بواسطة أقنوم الكلمة، ولا يقوى أي ملاك مهما علا شأنه أن يخلق خلية واحدة حية، فمصدر الحياة الوحيد هو اللوغوس " فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ" فهو الحياة، وهو واهب الحياة وليس أي كائن آخر.

 

رابعًا: من هو الخالق، الابن، أم الآب، أم الروح القدس...؟ الابن خالق، والآب خالق، والروح القدس خالق، فالثالوث القدوس اشترك في عملية الخلق. أراد الآب أن يخلق، فخلق كل شيء بالابن " كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ" ووهب الحياة بالروح القدس، وكل موهبة وكل عطية صالحة هيَ من الآب في الابن بالروح القدس. كل عطية وكل طاقة أصلها من الآب وتتحقق من خلال الابن في الروح القدس أي بواسطته، كل عطية وكل طاقة تصدر من الثالوث القدوس وليس الآب وحده ولا الابن وحده ولا الروح القدس وحده، فالابن لا يفعل شيئًا غير إرادة الآب كقوله الصادق: " لاَ يَقْدِرُ الابن أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابن كَذلِكَ" (يو 5: 19). وقال "القديس أثناسيوس الرسول": " الآب يفعل كل الأشياء من خلال الكلمة في الروح القدس" (راجع الأنبا بيشوي مطران دمياط - المجامع المسكونية والهرطقات 11- العمل الواحد للأقانيم الثلاثة والدور المُتمايز لكل أقنوم). وجاء في المزمور: " بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا" (مز 33: 6). فكلمة الرب هو الابن، ونسمة فيه هو الروح القدس.

 

من جهة الآب: قيل عنه: " فِي الْبَدْءِ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (تك 1: 1) [راجع أيضًا (نح 9: 6؛ مز 146: 6؛ إش 44: 24؛ إر 10: 12؛ أع 14: 15؛ 17: 25؛ أف 3: 9؛ رؤ 4: 11)].

ومن جهة الابن: قيل عنه: " كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.4فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ" (يو 1: 3-4) (راجع أيضًا مز 33: 6؛ أم 8: 30؛ كو 1: 16-17؛ عب 1: 2؛ رؤ 4: 11) فهو مصدر الحياة (يو 11: 25؛ 14: 6)... ومن جهة الآب والابن يقول بولس الرسول: " لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ" (1 كو 8: 6).

ومن جهة الروح القدس: قيل عنه: " وَرُوحُ الله يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ" (تك 1: 2)، وقيل عن المخلوقات: " تُرْسِلُ رُوحَكَ فَتُخْلَقُ (المخلوقات) وَتُجَدِّدُ وَجْهَ الأَرْضِ" (مز 104: 30) (راجع مز 33: 6).

 

وقد سبق لنا الحديث بالتفصيل عن علاقة الأقانيم الثلاثة معًا، من خلال:

1- وحدة الجوهر.

2- الإرسال.

3- الإتصال.

4- التخاطب.

5- وحدة الثالوث متمثلة في:

أ- وحدانية المشيئة.

ب- وحدانية المعرفة.

جـ- وحدانية العمل.

د- وحدانية الهيكل والعرش الإلهي.

هـ- وحدانية الإيمان بالثالوث.

و- وحدانية المعمودية بِاسم الثالوث القدوس.

ز- وحدانية المحبة والإكرام للثالوث القدوس.

ح- وحدانية البركة من فم الثالوث.

(راجع: أسئلة حول حتمية التثليث والتوحيد س15).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(40) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص94.

(41) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص83.

(42) المرجع السابق، ص85.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/679.html

تقصير الرابط:
tak.la/xg3dx8h