St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 531- هل ما قدمه السيد المسيح (مر 14: 22 - 24) هو صورة جسده ودمه، أو هو صورة روحية للجسد والدم؟ ولماذا لم يصدق بطرس قول السيد المسيح، بل قال: "وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ" (مر 14: 29)؟ أليس هذا كبرياء منه؟ وكيف يكون يسوع هو الله ويُدهش ويكتئب (مر 14: 33) وهذه أمور تخص الإنسان وحده؟

 

س531: هل ما قدمه السيد المسيح (مر 14: 22 - 24) هو صورة جسده ودمه، أو هو صورة روحية للجسد والدم؟ ولماذا لم يصدق بطرس قول السيد المسيح، بل قال: "وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ" (مر 14: 29)؟ أليس هذا كبرياء منه؟ وكيف يكون يسوع هو الله ويُدهش ويكتئب (مر 14: 33) وهذه أمور تخص الإنسان وحده؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- هل ما قدمه السيد المسيح (مر 14: 22 – 24) هو صورة جسده ودمه، أو صورة روحية للجسد والدم؟.. ما قدمه السيد المسيح ليلة آلامه هو جسده ودمه بالحقيقة، وليس هو ذكرى كما درسنا الموضوع بالتفصيل من قبل في الجزء الخامس س422. ولم يكن قوله مجازي رمزي مثل قوله: " أَنَا هُوَ الْبَابُ" (يو 10: 9) ورددنا على القائلين كيف يأكل التلاميذ جسده ويشربون دمه وهو واقفًا أمامهم، وأيضًا رددنا على القائلين بتعارض الاستحالة مع الحواس، وهل كل قداس نقيمه نصلب فيه المسيح ثانية، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 5 س423، ولم يقدم السيد المسيح صورة لجسده ودمه، فيقول "الخوري يوسف الياس الدبس": " إن هذا هو دمي الطبيعي الحقيقي الحاضر حضورًا جوهريًا سريًّا أي بنوع سري يخفي فيه شيء غير منظور تحت علامة منظورة، ونوع من الوجود السري هو حقيقي.. لا مروحي أو بالصورة كما يوهم.. الهراطقة. ولعمري لو كان في هذا السر صورة جسد المسيح فقط لما خلَّفت حقيقة العهد الجديد صورة العهد القديم فذبح الخروف الفصحى كان يدل على موت المسيح أكثر من دلالة الخبر والخمر، ولكن حاشا من احتقار كلام المسيح بفهمه على هذا الأسلوب، مع أنه جلي البيان لا يمكن أن يكون أوضح منه في إثبات وجود جسده ودمه حقيقة في سر الإفخارستيا" (480).

ويقول "القديس إيرينيئوس": " أخذ عنصرًا مخلوقًا، أي خبزًا وشكر وقال: "هذا هو جسدي". وكذلك الكأس التي هيَ جزء من الخليقة التي تنتمي إليها، وأعلن أن ما فيها هو دمه (انظر مت 26: 26 - 28، مر 14: 22 - 24، لو 22: 19 - 20، 1كو 11: 23 - 25). وعلَّمنا تقديم قربان العهد الجديد، وبما أن الكنيسة تسلمته من الرسل فهي تقدمه للَّـه في العالم أجمع" (شهد النحل 4: 17: 5)" (481).

ويقول "القديس أمبروسيوس": "هل ترغب في أن تعرف كيف يُقدَس القربان بالكلام السماوي؟ اقبل هذا الكلام، يقول الكاهن: أصنع لنا هذا القربان الروحي المقبول.. ففي عشية آلامه أخذ خبزًا في يديه المقدستين ورفع طرفه إلى السماء إليك أيها الآب القدوس القدير والإله السرمدي، وشكر وبارك وكسر، وبعد أن كسَّره أعطـى رسله وتلاميذه قائلًا: "خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ" (1 كو 11: 24) لاحظ.. أنه قبل التقديس كان خبزًا، لكن متى أُضيف كلام المسيح فأنه يصبح جسـد المسيـح" (الأسرار المقدَّسة 4: 5)" (482).

كما يقول "القديس أمبروسيوس" أيضًا: " قبل كلام المسيح تكون كأس القربان ملأى بالخمر والماء، ومتى أُضيفت كلمات المسيح يتحوَّل الخمر فيها إلى دم يخلّص الناس. أنظر كيف يقدر كلام المسيح على أن يحوّل كل شيء، فالرب يسوع نفسه شهد لنا أننا نقبل جسده ودمه، فهل علينا أن نشك في إيمانه وشهادته" (الأسرار المقدَّسة 4: 23)" (483).

وكذلك يقول "القديس أمبروسيوس": "يتكلم يسوع نفسه عن دمه. قبل التقديس يُذكَر كشيء آخر، أما بعده فيُسمى دمًا، ونقول "آمين" أي حقًا. فليعترف العقل بما ينطق به اللسان، وليحس القلب بما يقوله الكلام" (484).

 

2- لماذا لم يصدق بطرس قول السيد المسيح، بل قـال له: " وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ" (مر 14: 29)؟ أليس هذا كبرياء منه؟.. عندما قال السيد المسيح له المجد: " كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ.. فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ" (مر 14: 27 - 29) لم يكن هذا كبرياء منه، ولكنه قال هذا:

أ - لأنه كان شديد الإخلاص لمعلمه وملئ بالحماس ومقتنعًا تمام الاقتناع أن الموت أهون عليه من أن يشك في معلمه أو يخونه أو يلعنه.

ب - لأنه لم يدرك ضعف الطبيعة البشرية في معزل عن القوة الإلهية، عندما تجوز النفس في التجارب القاسية، فوضع ثقته في نفسه وليس في المعونة الإلهية.

جـ - لأنه نظر إلى نفسه على أن محبته لمعلمه تفوق محبة أقرانه، وضعفات أخوته تفوق ضعفاته، ولذلك قارن نفسه بهم قائلًا: " وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ".. يريد أن يقول: وأنا لا أريد ولا أشاء أن أشك فهذا ليس واردًا في برنامج علاقتي معك.

د - لأنه كان مستعدًا أن يقف بجوار سيده كما اعتاده قويًا منتصرًا، يجمع كل الخيوط في يده، ولكن عندما رآه في صورة الضعف والهوان، والغوغاء يعتدون عليه وهو لا يدافع عن نفسه، ولم يطلب أن تنزل نارًا من السماء لتأكل مقاوميه كما فعل إيليا، لذلك انهار وتسرَّب الخوف إلى قلبه وسقط في الإنكار.

ويقول "القديس كيرلس الكبير": "بطرس في حرارة غيرته قدم إقرارًا بالثبات والاحتمال حتى النهاية، قائلًا أنه يقابل أهوال الموت بشجاعة ولا يبالي بالقيود، لكنه في هذا أخطأ عن الصواب. كان يليق به إذ أخبره المخلص أنه سيضعف شاكًا فيه ألا يعترض هكذا علانية، إذ لا يكذب "الحق" بل بالحري كان يليق به أن يطلب منه القوة لكي ينزع عنه هذا الألم أو يخلصه سريعًا من السقطة" (485).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

 

3- كيف يكون يسوع هو الله ويدهش ويكتـئب (مر 14: 33) وهذه أمور تخص الإنسان وحده؟.. سبق الإجابة على هذا التساؤل في مدارس النقد - عهد جديد جـ 5 س426، ونؤكد أيضًا قولنا أن السيد المسيح لم يكن إلهًا فقط، بل إنسانًا أيضًا، فهو "الله المتأنس"، الله الذي صار إنسانًا، أتحدت طبيعته اللاهوتية بالطبيعة الناسوتية، فهو الله وإنسان في آن واحد، دون أن تفقد كل طبيعة خصائصها، ودون أن تتحوَّل أي طبيعة إلى الطبيعة الأخرى. وعندما قال القديس مرقس عن السيد المسيح: " وَابْتَدَأَ يَدْهَشُ وَيَكْتَـئِبُ" (مر 14: 33) فتلك هيَ المشاعر الإنسانية ولا تخص اللاهوت، لأن اللاهوت منزَّه عن أي ألم أو ضعف أو موت، والسيد المسيح في تجسده لم يفقد المشاعر الإنسانية التي ظهرت في ليلة آلامه بقوة. بين ليلة الخميس وإطلالة صباح الجمعة خيم الظلام على الأرض، وخيمت الظلمة الرهيبة على نفس مخلصنا الصالح، حتى أنه صار يبكي بصراخ ويدهش ويكتئـب، فصلى بحرارة وعمق: " إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ".. هل كان يلتمس الخلاص من الصليب الذي جاء من أجله؟.. كلاَّ، فقد أوضح أنه من أجل هذه الساعة قد جاء، وكثيرًا ما أنبأ تلاميذه بها، ودعى نفسه بالراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11) وقال عن نفسه أنه جاء ليذل نفسه فدية عن كثيرين (مت 20: 28) وقال: " لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا" (يو 10: 17 - 18). لذلك لم يصلي ليهرب من الموت ولكن يلتمس من الآب إن كانت هناك طريقة أخرى للموت غير هذه الطريقة الشنيعة، ولكن السماء صمتت، فلا توجد طريقة أخرى لخلاص البشرية ورفع اللعنة عنها غير هذه الميتة البشعة، فينبغي أن يُسفك دم ابن الله القدوس على صليب اللعنة والعار.

لقد صوَّر إرميا النبي منظر ابن الله في جثسيماني حينما قال: " تَطَلَّعُوا وَانْظُرُوا إِنْ كَانَ حُزْنٌ مِثْلُ حُزْنِي" (مرا 1: 12) ففي هذا البستان تشابكت كل خطايا العالم وشكلت إكليلًا غير منظور على الرأس الطاهر الذي بلا خطية وحده. لم يجوز ابن الله هذه اللحظات بشفاه مبتسمة وبلا مبالاة، أنه جاز معصرة الألم وظهرت مشاعره الإنسانية واضحة جلية.. عندما كان اليهودي يواجه الموت كان يصلي معلنًا إيمانه باللَّـه القادر على كل شيء، ويعلن عن رغبته في الحياة قائلًا: "يا ليتني لا أموت ياإلهي"، ومع هذا يسلّم الأمر له فيقول "لكني مستعد"، وجاءت صلاة يسوع في البستان مثل هذه الصلاة، فأعلن قدرة الله اللانهائية قائلًا: " يَا أَبَا الآبُ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ" (مر 14: 36)، وكلمة " يَا أَبَا" كلمة آرامية كان يستخدمها الطفل عندما يدعو أبيه: "يا بابا" (للمزيد راجع دكتور غسان خلف - أضواء على ترجمة البستاني فاندايك - العهد الجديد ص 36، 37)، وقد انفرد مرقس الرسول بذكر هذه اللفظة " يَا أَبَا" ليعبر عن دالة المحبة الكاملة بين يسوع وأبيه. ثم أعلن عن رغبته: " فَأَجِزْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ" (مر 14: 36). وختم صلاته " وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ" (مر 14: 36).

ويقول "جاك هيرفيو": " فتفرَّد مرقس بين الإنجيليين فقدم لنا هنا جوهر صلاة يسوع
(ع 36). لقد رفع نحو الله نداءً مؤثرًا، ودعاه في لغته الأرامية "أبَّا" أي "بابا" أنها صرخة الأطفال الصغار نحو أبيهم. لم يكن اليهود يستعملون في صلاتهم هذا اللفظ الذي يتسم بالدالة في التوجه إلى الله. أما على لسان يسوع، فهو إذًا، تعبير عن وعي عميق بالعلاقات الفريدة التي تربطه شخصيًا بالآب. أنه يعلم أن "كل شيء ممكن" للآب.. فتوسل إليه بإلحاح أن يبعد عنه "هذه الكأس" والكأس ترمز إلى الألم الذي ينبغي شربه حتى الثمالة.. هوذا يسوع يجاهد بكل قواه.. غير أنه يفهم أن مخطط الله يتجاوز مشيئته الخاصة. لذا فهو يستسلم له بكليته في الثقة (ع 26). لقد كان الصراع قاسيًا. ولكن يسوع الذي يسكنه إيمان ثابت بإرادة الآب، خرج من المحنة منتصرًا
"
(486).

ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " قد كان - له المجد - يصلي في كل وقت وكل مناسبة، ولكن صلاته هذه المرة كانت مظهرًا من مظاهر الآلام النفسية الرهيبة التي بدأت منذ تلك اللحظة يعانيها، وكانت بداية الدخول في مرحلة التنفيذ العملي لحظة الفداء التي ارتضاها بالمشورة الإلهية واختارها لنفسه بحسبانها السبيل الأوحد إلى خلاص البشر ونجاتهم من حكم الهلاك الصادر عليهم. وإذ كان يعلم بالأوجاع التي سيعانيها في أثناء صلاته، والتي ستبدو عليه بصورة لم يألفها تلاميذه من قبل، لم يأخذ منهم سوى بطرس ويعقوب ويوحنا، لأنهم كانوا قد رأوا تجليه في مجده فوق الجبل، فكان ذلك عاصمًا لهم من أن يتزعزع إيمانهم به أو تتغيَّر فكرتهم عنه، وقد بدأ يرتاع ويكتئب.. وهو لم يكن.. حزينًا مما سيعانيه من كل ألوان العذاب التي ستنصب عليه فحسب، لأنه أقدم على كل هذا بكامل اختياره، ولأنه يمكنه أن ينجو من كل هذا لو أراد بالسهولة نفسها التي كان يصنع بها معجزاته، ولكنه كان موشكًا أن يكفّر عن خطايا البشر جميعًا منذ آدم.. فكان عليه أن يخوض كل أهوال العقوبة التي يستحقها البشر جميعًا. ولقد كان يعرف جيدًا مقدار شناعة الخطايا التي كان سوف يتحمل آلام عقوبتها، كما كان يعرف جيدًا مقدار بشاعة هذه الآلام، لأنه كما قال القديس بولس قد جُعِل "جُعِل لأجلنا" (2 كو 5: 21) و"صار لعنة لأجلنا" (غل 3: 13). ولذلك كان حزنه قاسيًا ومرًّا، قسوة الموت ومرارته، حتى ليمكن أن يُقال أنه بدأ يتجرَّع كأس الموت منذ تلك اللحظة، لا منذ علَّقوه على الصليب" (487).

ويقول "متى هنري": "عبَّر المسيح عن حزنه الشديد "نَفْسي حَزِينَةٌ جِدًّا":

1- لقد جُعِل "خَطِيَّةً لأَجْلِنَا" (2 كو 5: 21) ولأجل هذا حزن جدًا. ولقد عرف تمامًا مقدار شناعة الخطايا التي كان سوف يتحمل آلامها من أجلنا.. وإصطفت هذه الخطايا أمامه، لم يكن عجيبًا أن تحزن نفسه جدًا. لقد رأى أن البشرية استخدمته بخطاياها وأتعبته بآثامها (أش 43: 34).

2- وصار لعنة لأجلنا (غل 3: 13) عندما كانت نفسه حزينة جدًا كان يرزخ تحت ثقل هذه اللعنات، إلى أن وفَى الخطية بموته، وهكذا أبطل اللعنة إلى الأبد.

لقد كانت نفسه حزينة جدًا "حَتَّى الْمَوْتِ". كان قد بدأ يذوق المـوت، كما قيل عنه (عب 2: 9). لم يكن هذا التعبير يذوق الموت تلطيفًا للموت، كأنه إنما ذاقه فقط. كلَّا، فقد شرب الكأس حتى الثمالة. لكنه في الواقع كان للتعبير عن شدته وقسوته. فأنه لم يشربه دفعة واحدة، بل ذاقه بالتدريج، وذاق كل جزء مر فيه" (488).

وأيضًا عن تعبير: " يَدْهَشُ وَيَكْتـَئِبُ" يقول "الأب متى المسكين": " لما دخل المسيح بإرادته في مواجهة أهوال الموت ورعبته، وأحس بسلطان الظلمة وهو يُطبِق على نفسه واجه الهاوية عيانًا بكل مفزعات العدو، انعكست على نفسه أحزان الموت ومرعباته ذاتها، فصرخ في ضيقة نفسه أن نفسه حزينة حتى الموت كتحصيل حاصل.. فقد أحاط بالظلمة والظلمة أحاطت به بكل ثقلها ومروّعاتها لعله ينثني ويتراجع. فلما قال: "نَفْسي حَزِينَةٌ حَتَّى الْمَوْتِ" كان يريد أن يقول: نفسي حملت كل أحزان الموت حتى النهاية.. وكاد يقول: نفسي قبلت الموت، وذلك بإرادتي قبل أن يفرضه عليَّ العدو بإرادته.. "غَمْرٌ يُنَادِي غَمْرًا عِنْدَ صَوْتِ مَيَازِيبِكَ. كُلُّ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ طَمَتْ عَلَيَّ" (مز 42: 7).

فالجرعة شديدة الوطأة على أحاسيس الابن المرهفة، والموقف واضح أمامه أنه يتحتم أن يجوزه وحده وبدون أي معونة من الآب.. حكم الموت الرهيب قاسه المسيح طولًا وعرضًا وجزع من رعبته لأنها عقوبة وليس مجرَّد موت، لعنة وليس مجرَّد صلب.. الجسد يهون أمره ولكن ترك الآب له تركًا كاملًا ولو إلى لحظة أمر مرعب، وهوذا قد اقتربت لحظتها. والآن قاسى مرارتها فأرتعب، وهناك على الصليب تجرَّعها كأسًا بيد الآب فلم يطقها وصرخ "إِلهِي، إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي".. ولكن استحالة أن يطلب ذلك بعيدًا عن إرادة الآب، فهو بعد أن نفَّس عن بشريته عاد وأخضع نفسه تمامًا ونهائيًا لإرادة الآب مهمـا كـان العذاب ومرارة ترك الآب" (489).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/531.html