St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 445- لماذا صرخ السيد المسيح على الصليب: "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" (مت 27: 46)؟ وهل معنى هذا أن الآب انفصل عن الابن، أو أن اللاهوت فارق الناسوت؟ وهل صرخة المسيح: "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" (مت 27: 46) دليل على أنه لم يذهب للموت بإرادته، وأن اللَّه الذي وعده بالنجاة تركه للموت، وبمن يستغيث وهو المغيث؟ وهل كان من الضروري أن يتخلى الآب عن الابن؟

 

س445: لماذا صرخ السيد المسيح على الصليب: "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" (مت 27: 46)؟ وهل معنى هذا أن الآب انفصل عن الابن، أو أن اللاهوت فارق الناسوت؟ وهل صرخة المسيح: "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" (مت 27: 46) دليل على أنه لم يذهب للموت بإرادته، وأن اللَّه الذي وعده بالنجاة تركه للموت، وبمن يستغيث وهو المغيث؟ وهل كان من الضروري أن يتخلى الآب عن الابن؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- لماذا صرخ السيد المسيح على الصليب: "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي"؟ وهل معنى هذا أن الآب انفصل عن الابن، أو أن اللاهوت فارق الناسوت.

هناك عدة أسباب دعت يسوع المصلوب أن يصرخ هذه الصرخة المُرة:

1) لأن هذه العبارة " إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" هيَ العبارة الأولى من المزمور المسياني الثاني والعشرين، وهذا المزمور غني بالنبؤات عن آلام المسيح (راجع مثلًا 22: 16 - 18).

2) إتهمه اليهود بأنه مُجدف، ضد اللَّه، فهو يؤكد هنا على علاقته بأبيه، ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "بعد أن حدثت الظلمة تكلَّم ليعلموا أنه حي بعد وأنه هو الذي فعل هذا (أظلم الشمس). وليعرفوا أنه إلى آخر نسمة يكرم الآب، وأنه ليس ضد اللَّه كما كان يظن اليهود. وكذلك أرسل صوتًا يشمل على النبؤة (مز 22: 1) فكان يشهد للعتيق إلى آخر وقت" (287).

3) صرخ السيد المسيح صرخته هذه بحسب الطبيعة البشرية التي إتحد بها، وقدم ذاته ذبيحة حيَّة للَّه أبيه: "إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ.. مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ" (إش 53: 10 - 12) فهو ذبيحة إثم وأيضًا ذبيحة خطية، وكذلك ذبيحة محرقة تحرق بالكامل خارج المحلة: "لِذلِكَ يَسُوعُ أَيْضًا لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ" (عب 13: 12). فبعد أن قال عنه المرنم: "وَكُرْسِيُّهُ كَالشَّمْسِ أَمَامِي. مِثْلَ الْقَمَرِ يُثَبَّتُ إِلَى الدَّهْرِ. وَالشَّاهِدُ فِي السَّمَاءِ أَمِينٌ" (مز 89: 36، 37) عاد ليقول عنه في الآية التالية: "لكِنَّكَ رَفَضْتَ وَرَذَلْتَ غَضِبْتَعَلَى مَسِيحِكَ" (مز 89: 38).. " غَمْرٌ يُنَادِي غَمْرًا عِنْدَ صَوْتِ مَيَازِيبِكَ. كُلُّ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ طَمَتْ عَلَيَّ" (مز 42: 7) ووصفه إشعياء النبي قائلًا: "كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا" (إش 52: 14).. " مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ وَكَمُسَتَّرٍ عَنهُ وُجُوهُنا مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ" (إش 53: 3).. قاسى من خيانة يهوذا، وإنكار بطرس، وشك التلاميذ وجحود شعبه، فصرخوا في وجهه " اصلبه اصلبه" وقد سخروا واستهزءوا به، وتحمل اللطمات واللكمات والجلدات والأشواك والعري من اليهود والرومان، وعُلّق عريانًا على خشبة العار بين السماء والأرض، متروكًا من الكل ولذلك صرخ " إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي". وصرخته واستغاثته هذه لم تكن بحسب طبيعته اللاهوتية، لأن اللاهوت منزَّه عن الألم، ولكن صرخ بصفته الناسوتية، كما قال على الصليب: "أَنَا عَطْشَانُ" هو الذي قال بنفس المنطق " إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَك "، ولو لم يصرخ ويتأوه لشك البعض أنه إتخذ طبيعة بشرية حقيقية.

ويقول "متى هنري": "قوله إلهي لماذا تركتني لم يكن عن ضعف وتخلية كما زعم قوم أن ذلك لمفارقة اللاهوت الناسوت (معاذ اللَّه)، ولا كان أيضًا لطلب المعونة، لكن ليُرى أنه إله متأنس. فلو لم يستعمل هذه الألفاظ لتوهموه خيالًا، وظنوا أن اللاهوت تشكَّل بصورة إنسان كما زعم ماني ومرقيان.

ومن هذا يتضح أن الرب نطق بهذه الكلمات (أولًا) لكي يبين شدة آلامه التي تكبدها فوق الصليب (ثانيًا) لكي يبين أنها كانت آلامًا حقيقية (ثالثًا) لكي يبين أنه كان له جسد حقيقي لا خيالي كما توهَّم البعض في القرن الأول، الأمر الذي فنده الرسول يوحنا في رسائلة (رابعًا) لكي يعلمنا أن نلجأ إلى اللَّه في كل شدائدنا" (288).

4) عندما صرخ هذه الصرخة صرخها كنائب عن البشرية التي تُرِكت من اللَّه بسبب خطاياها وآثامها، ويقول "القديس غريغوريوس النيزنزي": "كما قلت كان (المسيح) في شخصه ممثلًا لنا، لأننا نحن الذين كنا متروكين ومحتقرين من قبل، ولكن إرتفعنا ونجينا بمعاناة ذاك (المصلوب) الذي كان يمكن أن يعاني (يتألم). فقد جعل عصياننا وخطأنا خاص به هو"(289).

5) كنائب عن البشرية حمل لعنة خطايانا وتحمل الآلام الكفارية، فيقول "وليم ماكدونلد": "فقد احتمل المسيح في ذلك الوقت لعنة خطايانا التي لا توصف. ففي تلك الساعات الثلاث، انصب عليه الجحيم الذي كنا نستحقه، وانسكب عليه غضب اللَّه الذي استوجبته كل تعدياتنا. لكننا نحن البشر لا نرى صورة آلامه بوضوح كامل، لأننا بكل بساطة لا نستطيع أن نعرف ما كان يعنيه المسيح أن يوفي بنفسه كل مطالب اللَّه العادلة لقاء الخطية. وأما ما نعرفه فهو أنه في تلك الساعات الثلاث دفع الثمن، ووفى الدين، وأكمل العمل اللازم لفداء الإنسان" (290).

ففي ساعات الظلمة هذه تحمل السيد المسيح الآلام الكفارية، فهو يقف أمام العدالة الإلهيَّة، وهو القدوس الطاهر الذي بلا خطية وحده، كمجرم أثيم يحمل جميع خطايا البشرية. كان على البشر تحمل نتيجة خطاياهم التي لا قبل لهم بها، فقبلها هو نيابة عنهم شفقة ورحمة منه، وكانت الآلام الكفارية أشد في السيف التيار، فقال النبي: "اِسْتَيْقِظْ يَا سَيْفُ عَلَى رَاعِيَّ وَعَلَى رَجُلِ رِفْقَتِي يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. اِضْرِبِ الرَّاعِيَ" (زك 13: 7)، فقد صارت جميع أنواع الخطايا في كل زمان ومكان كخطاياه الشخصية، وإن كان " عَارُ الشُّعُوبِ الْخَطِيَّةُ" (أم 14: 34) فخطايا العالم التي انصبت على رأسه الطاهر القدوس جعلته يقول: "غَطَّى الْخَجَلُ وَجْهِي. صِرْتُ أَجْنَبِيًّا عِندَ إِخْوَتِي وَغَرِيبًا عِنْدَ بَنِي أُمِّي" (مز 69: 7، 8).

ويقول "عوض سمعان": "وقد أحس المسيح بهذا العار بدرجة لا نستطيع تصوُّرها، لأن إحساس القدوس البار بعار الخطيئة أدق بدرجة لا حد لها من إحساس الإنسان المولود بها والعائش فيها. وقد رأى داود النبي بروح البنؤة العار الذي أحس به المسيح عندما كان مُعلقًا على الصليب، فقال عن لسانه قبل مجيئه إلى الأرض: "الْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي فَمَرِضْتُ" (مز 69: 20). لأن هذا العار هو الذي حطم قلب المسيح المنطوي على أسمى العواطف وأقدسها، وأحنى رأسه العالية المشبَّعة بأرقى المبادئ وأطهرها، فاعتراه، أو بالحري اعترى نفسه المرض..

كان من البديهي وقد قَبِل المسيح أن يكون نائبًا عنا، أن يحتمل عذاب الخطيئة أيضًا، وعذاب الخطية ليس بعده عذاب، فهو جهنم بآلامها النفسية ونيران العدالة الإلهيَّة.. حلول لعنة الخطية عليه.. " مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ " (غل 3: 10). ولذلك كان من الواجب أن يحمل الفادي ليس عار الخطيئة وعذابها فقط، بل ولعنتها كذلك. فهل قبل المسيح لعنة الخطيئة مع الآلام التي قبلها عوضًا عنا..؟ أننا نجيب والدمع يترقرق في مآقينا، والقلم يبطئ السير في أيدينا: "نعم "، فقد قال الوحي: "اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّاموسِ إِذْ صَارَ لَعْنةً لأَجْلِنا " (غل 3: 13)..

ولو كانت آلام الكفارة قد تحوَّلت نارًا مادية وإلتهمت جسد المسيح إلتهامًا، لكان ذلك أهون عليه كثيرًا من تحمل الآلام المذكورة، لأنها كانت تستعر في جسده ونفسه وروحه، معذبة إياه وهيَ مبقية عليه، طوال ساعات الظلمة التي اجتاز فيها على الصليب" (291).

6) لم يفارق الآب الابن، ولا فارق اللاهوت الناسوت -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- ولذلك جاءت صرخته: "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" ولم يقل "لماذا فارقتني"، لأن الآب في الابن والابن في الآب، والروح القدس هو روح الآب والابن، والثلاثة واحد في الطبيعة الإلهيَّة، في الكيان الإلهي، في الجوهر الإلهي، ولم ينفصل اللاهوت عن الناسوت لحظة واحدة ولا طرفة عين، وحتى عندما فارقت الروح البشرية جسد المسيح البشري على الصليب، فإن اللاهوت ظل متحدًا بكل منهما، وفي لحظة القيامة وحدهما. ويقول "عوض سمعان": "اللاهوت واحد ووحيد، ولا يتجزأ ولا يتفكك على الإطلاق، وذلك لعدم وجود أي تركيب فيه، ومن ثم فإن جوهر الآب والابن والروح القدس معًا منذ الأزل وإلى الأبد. وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن ترك المسيح وقتئذ لا يُراد به إلاَّ أن اللَّه جعل المسيح (بوصفه ابن الإنسان النائب عن الخطاة) يحتمل في ساعات الظلام الرهيب كل دينونة العدالة الإلهيَّة عن خطايا البشر جميعًا، دون أن يقدم له أية معونة تخفف من وطأتها على نفسه، حتى يكون تكفيره عنهم تكفيرًا قانونيًا يتفق مع عدالة اللَّه المطلقة كل الاتفاق. ومن ثم قول المسيح: "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" ليس اعتراضًا ولا استفهامًا، بل هو تعبير عن الآلام الكفارية التي كان المسيح يجتاز فيها، والتي كانت قد بلغت وقتئذ أقصاها، حتى تملكه الإحساس وكأنه وحيد فريد أمام شر الخطيئة وعذابها الأليم" (292).

7) شرح بولس الرسول الموقف قائلًا: "الَّذِي فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ" (عب 5: 7) فهو يصرخ إلى الآب كإنسان: "أَنْقِذْ مِنَ السَّيْفِ نَفْسِي. مِنْ يَدِ الْكَلْبِ وَحِيدَتِي" (مز 22: 20).. مشكلة صاحب السؤال أنه لا يُريد أن يقبل أن السيد المسيح هو اللَّه المتأنس، هو إله وإنسان في آن واحد، لاهوته لم يُلغِ ناسوته، ولا ألغى ناسوته لاهوته، وكل طبيعة ظلت محتفظة بصفاتها وخصائصها، وهذا هو العجب في هوية السيد المسيح، الكلمة المتجسد.

8) السيد المسيح بصرخته هذه أخفى لاهوته عن الشيطان، فقد قصد السيد المسيح أن يُربك الشيطان، ولم يقصد أن يحتج على المشيئة الإلهيَّة لأنه: "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في 2: 8).

ونختم حديثنا في نقطة البحث هذه بقول "البابا شنوده الثالث": "هذه العبارة.. "إِيلِي إِيلِي لِمَا شَبَقْتَنِي" لا تعني أن لاهوته قد ترك ناسوته، ولا أن الآب قد ترك الابن.. لا تعني الانفصال، وإنما تعني أن الآب تركه للعذاب. أن لاهوته لم يترك ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.. بهذا نؤمن، وبهذا نصلي في القداس الإلهي.. ولو كان لاهوته قد انفصل عنه، ما اعتبرت كفارته غير محدودة، تُعطي فداء غير محدود، يكفي لغفران جميع الخطايا لجميع البشر في جميع الأجيال.. إذًا لم يحدث ترك بين لاهوته وناسوته. ومن جهة علاقته بالآب، فلم يتركه الآب "لأنه في الآب والآب فيه" (إنجيل يوحنا 14: 11).

إذًا ما معنى عبارة: لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟

ليس معناها الانفصال، وإنما معناها: تركتني للعذاب. تركتني أتحمل الغضب الإلهي على الخطية. هذا من جهة النفس. أما من جهة الجسد، فقد تركتني أحس العذاب وأشعر به. كان ممكنًا ألا يشعر بألم، بقوة اللاهوت.. ولو حدث ذلك لكانت عملية الصلب صورية ولم تتم الآلام فعلًا، وبالتالي لم يدفع ثمن الخطية، ولم يتمم عملية الفداء.

ولكن الآب ترك الابن يتألم، والابن قَبِل هذا الترك وتعذَّب به. وهو من أجل هذا جاء.. كان تاركًا باتفاق.. من أجل محبته للبشر، ومن أجل وفاء العدل.. تركه يتألم ويبذل، ويدفع، دون أن ينفصل عنه.. لم يكن تركًا أقنوميًا، بل تركًا تدبيريًا.. تركه بحب "فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ" (إش 53: 10).

مثال لتقريب المعنى: لنفرض أن طفلًا اصطحبه أبوه لإجراء عملية جراحية له، كفتح دمل مثلًا أو خراج، وأمسكه أبوه بيده، وبدأ الطبيب يعمل عمله، والطفل يصرخ مستغيثًا بأبيه " ليه سيبني؟! ". وهو في الواقع لم يتركه، بل هو ممسك به بشدة، ولكن قد تركه للألم، وتركه في حب.. هذا النوع من الترك مع عدم الانفصال، نقوله لمجرد تقريب المعنى، والقياس مع الفارق..

إن عبارة " تَرَكْتَنِي " تعنى أن آلام الصليب، كانت آلامًا حقيقية، وآلام الغضب الإلهي كانت مُبرحة.. في هذا الترك تركَّزت كل آلام الصليب، وكل آلام الفداء.. حتى يقف المسيح كذبيحة محرقة، وكذبيحة إثم تشتعل فيه النار الإلهيَّة حتى تتحوَّل الذبيحة إلى رماد وتُوَفي العدل اللَّه كاملًا..

كثير من المفسرين يرون أن الرب بقوله "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" إنما كان يذكر اليهود بالمزمور الثاني والعشرون الذي يبدأ بهذه العبارة.. كانوا لا يعرفون المزامير بأرقامها الحالية، وإنما كانوا يسمون المزمور بأول عبارة فيه، كما يفعل الرهبان في أيامنا.." (سنوات مع إيميلات الناس - أسئلة عن الكتاب المقدَّس - معنى آية: إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي - موقع الأنبا تكلا).

 

2- هل صرخة المسيح: "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" دليل على أنه لم يذهب للموت بإرادته، وأن اللَّه الذي وعده بالنجاة تركه للموت، وبمن يستغيث وهو المغيث..؟ صرخ السيد المسيح على الصليب لأنه الآب حجب وجهه عنه لأنه حمل خطايا العالم كله، وقد ترك اللاهوت الناسوت يقاسي تلك العذابات الرهيبة لأنه صار " فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت 20: 28). وليس معنى صرخته أن الآب وعده بالنجاة ثم تخلى عنه وتركه للموت، ولا يُوجد أي سند كتابي لهذه الفكرة التي هيَ وليدة ذهن الكاتب، ولو كان هناك سندًا كتابيًا لأورده ليدعم به قوله هذا، والقارئ يعلم تمامًا أن الابن قَبِل أن يفدي البشرية بإرادته، وجاء لكيما يتمم هذا العمل البطولي الذي يعجز عنه جميع البشر والملائكة، وقد أوضح إشعياء النبي إرادة الآب: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ" (إش 53: 10)، وعندما قدم إبراهيم ابنه وحيده حبيبه إسحق على المذبح كان رمزًا للآب الذي قدم ابنه كفارة عن العالم: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللَّه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو 3: 16). وقال بولس الرسول: "الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّه كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِه" (رو 3: 25).. " وَلكِنَّ اللَّه (الآب) بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رو 5: 8)، وقال يوحنا الحبيب: "بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ فِينَا أَنَّ اللَّه قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ.. وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (1 يو 4: 9، 10).

ولم تكن صرخة المسيح هيَ استغاثة منه لكي يَخلُص من الصليب ويهرب من الموت، لأنه كان لا بد أن يلاقي الموت في عرينه وينتصر عليه ويقتله، وهذا لا يتأتى له إلاَّ بموته، فالموت كان مثل الكائن الضخم البشع الصورة الذي يبتلع كل من يلقاه، ولكيما يقتله السيد المسيح لبس شكل الإنسان، وظهر في الهيئة كإنسان، ولم يدرك الموت أنه هو اللَّه جابله، لأنه أُخفي عن عينيه، فابتلعه، وعندئذ شق المسيح بطن الموت وأخرج جميع الأبرار الذي أبتلعهم الموت سابقًا، وبالموت قتل الموت الذي دوخ البشرية، والإنسان المسيحي مهما كان بسيطًا في معرفته يُدرك جيدًا أن ذاك الذي يصرخ على الصليب " إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" هو هو الذي يغيث الملهفين ويُعطي النجاة لمن تداهمهم المخاطر، وهو ضابط المسكونة كلها.

 

3- هل كان من الضروري أن يتخلى الآب عن الابن..؟ نعم، لأن اللَّه قدوس: "إِنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ فَتَتَقَدَّسُونَ وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (لا 11: 44).. " وَأَنْتَ الْقُدُّوسُ الْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ إِسْرَائِيلَ" (مز 22: 3)، وفي قداسته لا يطيق الإثم والخطية، بينما السيد المسيح على الصليب حمل خطايانا: "الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ" (1 بط 2: 24).. " لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً خَطِيَّةً لأَجْلِنَا لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللَّهِ فِيه" (2 كو 5: 21). ويقول "عوض سمعان": "بما أن اللَّه لقداسته لا يتوافق مع الخطية أينما وجدت، أي أن المسيح رضى أن يضع على نفسه خطايانا، كما لو كانت خطاياه الشخصية، كان من البديهي أن يقف من اللَّه موقفنا منه، فيشعر بشر الخطيئة وشناعتها ويقاسي الآلام التي تتناسب معها.. ولذلك فمع بقاء المسيح في مركزه الذاتي وهو الكامل الذي لا ينفصل عن اللَّه على الإطلاق، أصبح كابن الإنسان في مركزه النيابي على الصليب في الساعات الثلاث المذكورة، كما لو كان هو كل البشر حاملين خطاياهم وشرورهم، ومحتملين في نفوسهم العذاب المريع الذي يستحقونه بسببها. وطبعًا لم يكن لكائن سوى المسيح أن ينوب عنهم في هذه الحالة المريرة" (293).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(287) أورده القس يوسف البراموسي - تساؤلات حول إنجيل متى ص110.

 (288) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ 2 ص505.

(289) أورده القس عبد المسيح بسيط - إذا كان المسيح إلهًا فكيف تألم ومات؟ ص55.

(290) تفسير الكتاب المقدَّس للمؤمن - العهد الجديد جـ 1 ص173.

 (291) كفارة المسيح ص151، 152.

 (292) كفارة المسيح ص144.

 (293) كفارة المسيح ص143.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/445.html