St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 395- هل نفى السيد المسيح أنه ابن الله مستنكرًا أنه رب داود (مت 22: 45، لو 20: 41 - 44)؟ وما دام الابن مساويًا للآب في القدرة فلماذا لم يضع أعداءه تحت قدميه دون أن ينتظر هذا من الآب (مت 22: 44)؟ وهل عبارة: "حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" إشارة لنصرة رسول الإسلام على أعدائه؟

 

س395: هل نفى السيد المسيح أنه ابن الله مستنكرًا أنه رب داود (مت 22: 45، لو 20: 41 - 44)؟ وما دام الابن مساويًا للآب في القدرة فلماذا لم يضع أعداءه تحت قدميه دون أن ينتظر هذا من الآب (مت 22: 44)؟ وهل عبارة: "حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" إشارة لنصرة رسول الإسلام على أعدائه؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: تضافر كل من الفريسيين والهيرودسيين والصدوقيين والناموسيين للإيقاع بالمسيح واصطياده ولو بكلمة واحدة، ولكن السيد المسيح ببراعته أفشل أحبولتهم، وكشف عن جهلهم، وسمعوا ما لم يكن يتوقعونه على الإطلاق، فسكت من سكت، ومضى من مضى، واقتنع من اقتنع، وجاء الدور على السيد المسيح ليسألهم، لا ليبكتهم ويربكهم ويحرجهم، فهو العارف بكل خفايا القلوب، إنما سألهم لكي ما يعينهم ويساعدهم في إدراك هويته وشخصيته، ويؤمنوا به فينالوا الحياة الأبدية. أما هم فقد ارتبكوا وصمتوا واستكبروا أن يسألونه عن إجابة ما عجزوا عن إدراكه، ليدركوا حقيقة هذا الأمر في معناه ومغزاه.

1- هل نفى السيد المسيح أنه ابن الله مُستنكرًا أنه رب داود..؟ قلب الناقد الموازين مدَّعيًا أن السيد المسيح نفى عن نفسه أنه ابن الله ورب داود، وهذا قلب للحقائق لأنه لم يرد على الإطلاق في الإنجيل صراحة أو ضمنًا أن السيد المسيح نفى عن نفسه الألوهية، بل ما هو واضح ومستقر أنه أعلن عن لاهوته مرارًا وتكرارًا (راجع كتابنا: أسئلة حول ألوهية المسيح).. أن الناقد شابه من يبصرون الشمس في رابعة النهار وينكرون وجودها، مثلما سمع اليهود قول مخلصنا الصالح: "إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ" (يو 8: 24) ومع ذلك صموا آذانهم وهم يستنكرون أنه المسيا المُخلص ويقولون كيف يعادل نفسه باللَّه..؟ سأل السيد المسيح الفريسيين وهم مجتمعين، دون أن ينفرد بمجموعة منهم: "قَائلًا: مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟ قَالُوا لَهُ: ابْنُ دَاوُدَ" (مت 22: 42)، فأجابوا جميعهم بلا استثناء " ابن داود" لأنهم يعرفون الكتاب، فقد سبق الرب وقال لداود: "مَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُكَ وَاضْطَجَعْتَ مَعَ آبَائِكَ، أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ" (2صم 7: 12)، وقال إشعياء النبي: "وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ" (إش 11: 1) (راجع مز 89: 35 - 36، إش 9: 7). وعند البشارة بميلاده قال الملاك جبرائيل: "وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ" (لو 1: 32)، وقال متى الإنجيلي: "الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ" (مت 1: 1)، وأمام معجزاته العظيمة بهتت الجموع " وَقَالُوا: أَلَعَلَّ هذَا هُوَ ابْنُ دَاوُدَ؟" (مت 12: 23)، وصرخت الكنعانية: "ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ" (مت 20: 31)، وأطفال أورشليم: "كَانُوا يَصْرَخُونَ قَائِلِينَ: أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ!" (مت 21: 9).. لقد نجح الفريسيون جميعًا في إجابة الجزئية الأولى من السؤال.

وجاءت الجزئية الثانية من السؤال: "قَالَ لَهُمْ: فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (مت 22: 43 - 44) ولم يستطيعوا أن ينكروا المكتوب، لأن داود قال فعلًا: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (مز 110: 1) وكل من كلمتي " الرَّبُّ"، " لِرَبِّي" كتبت بحروف كبيرة تعبيرًا عن لفظ الجلالة، في الوقت الذي يتمسكون بالوحدانية الكاملة لله، فصمتوا صمت الأموات، ولم يستطيعوا فكاكًا، وإذ بالسيد المسيح يكمل الجزئية الثالثة من السؤال، فيضعهم أمام أحجية تدعوهم للتفكير والبحث: "فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟" (مت 22: 45).. عجزوا عن حل هذه الأحجية، وكبرياؤهم منعهم من سؤال المعلم الصالح، فانطبق عليهم قول الكتاب: "قَدْ هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ" (هو 4: 6).

والحقيقة أنه لا يُوجد حل لهذه المعضلة إلاَّ بالاعتراف بأن السيد المسيح هو ابن الله، نور من نور، إله حق من إله حق، فهو رب داود من جهة لاهوته، وهو أيضًا ابن داود من جهة ناسوته، فهو سليل الملك داود، لأن العذراء مريم هيَ ابنة داود، ويوسف النجار أبو يسوع بالتبني هو أيضًا ابن داود، وقال له الملاك: "يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ" (مت 1: 20). ويقول "وليم مكدونالد": "الجواب هو أن المسيح هو رب داود وابن داود أيضًا، فهو الله وهو إنسان أيضًا. هو رب داود لأنه الله، وهو ابن داود كإنسان. فلو كان الفريسيون قابلين للتعليم لأدركوا أن يسوع هو المسيح، ابن داود بحسب تسلسل نسب مريم، وابن الله كما تظهره أعماله وكلماته وطرقه" (11). ومن أجل تمسك السيد المسيح بأنه ابن الله (رب داود) حُوكِم أمام مجمع السنهدريم، ومن أجل تمسكه بأنه ابن داود (أي ملكًا لليهود) حُوكِم أمام بيلاطس البنطي، ولهذا المزمور (مز 110: 1) أشار بطرس الرسول في أول عظة له (أع 2: 34 - 35).

 

وما زال سؤال: من هو المسيح؟ يعد أهم وأخطر سؤال في حياة كل إنسان، وعليه يتوقف نجاة الإنسان أو هلاكه.

2- هل عبارة " حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" تدل على أن الابن أقل من الآب في القدرة..؟ ليس الابن أقل من الآب ولا الآب أعظم من الابن -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- ولكن هذه التعبيرات التي جاءت في الكتاب مثل قول الآب للابن " حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" أو مثل القول بأن الله (الآب) أقام الابن من الأموات (أع 2: 24 - 32، 3: 15، 4: 10) أو أن الآب " قَدْ أَعْطَى الابْنَ" (يو 5: 22 ، 26).. إلخ فجميعها تدل على إظهار وحدة العمل بين الأقانيم الثلاثة، وأن الابن لا يفعل شيئًا مخالفًا لإرادة الآب، فالآب والابن يعملان في وحدة كاملة وانسجام تام، ولا تخالف إرادة الابن المنظور إرادة الآب غير المنظور قط، حتى أن السيد المسيح ابن الله قال: "لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ" (يو 5: 19) ولا يقل أحد إذًا الابن أقل من الآب، لأنه في نفس الآية السابقة قال: "لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ" (يو 5: 19).. " لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" (يو 5: 21). ومن يتمعن في الآيات (يو 5: 20 - 23) فقط يجد مساواة الابن للآب في الأزلية والأبدية والمشيئة والعمل والخلقة والقيامة ومنح الحياة والدينونة والكرامة. وهل عندما قال السيد المسيح: "لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ" (يو 5: 22) يعني هذا أن الابن أعظم من الآب لأنه هو الديان؟!.. بالقطع لا، فالآب يدين من خلال الابن، وهذا ما أوضحه الآباء القديسون عندما قالوا أن كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس، لم يستنتج اليهود من أقوال السيد المسيح أنه جعل نفسه في مرتبة أقل من الله (الآب) لكنهم استنتجوا أنه مساوٍ ومعادل لله: "فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ الله أَبُوهُ، مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللَّهِ" (يو 5: 18).

 

3- هل عبارة " حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" إشارة لنصرة رسول الإسلام على أعدائه..؟ يعتبر مزمور (110) مزمور مسياني تنطبق عباراته على السيد المسيح وحده، ففي مطلعه جاءت هذه العبارة التي استخدمها السيد المسيح على لاهوته: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (مز 110: 1) وفي نفس المزمور جاء عن السيد المسيح أنه الكاهن على رتبة ملكي صادق (مز 110: 4) وهو ديان الأمم (مز 110: 6)، والكتاب المقدَّس يُفسر نفسه بنفسه، فبطرس الرسول طبق هذه الآية على السيد المسيح، فيقول عن نهاية الأيام: "مَتَى سَلَّمَ الْمُلْكَ لله الآبِ، مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ. لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ" (1كو 15: 24 - 25)، وفي المقارنة بين الابن والملائكة قال بولس الرسول: "ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ؟" (عب 1: 13)، فهو أوضح أن هذه العبارة لا تنطبق على إنسان ولا على ملاك، إنما تنطبق على السيد المسيح فقط دون سواه، وربط بولس الرسول بين ما جاء في هذا المزمور المسياني: "أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ" (مز 110: 4) وبين السيد المسيح (عب 5: 6، 7: 14). فواضح أن تطبيق الناقد (مز 110: 1) على شخص آخر غير السيد المسيح يكشف عن مماحكته، وهكذا يفعل كثيرون من النُقاد إذ يحاولون تطبيق نبؤات العهد القديم عن المسيا المسيح على رسول الإسلام، بينما ينادون بأن الكتاب المقدَّس كتاب محرَّف، وإذا سألتهم فلماذا تُسلّمون بسلامة هذه النبؤات من التحريف، يقولون ليس كل ما في الكتاب قد تعرَّض للتحريف بل بعضه، وإن سألتهم عما هو صحيح وعما هو محرَّف في الكتاب، فأنهم يختلفون فيما بينهم اختلاف المشرق عن المغرب، فبينما ينكرون صلب المسيح فإن البعض منهم مثل أحمد ديدات يقرُّون بصلب المسيح وأنه عُلّق على الصليب فعلًا ولكنه لم يمت بل تعرَّض للإغماء فقط، وكمثال للادعاءات بانطباق نبؤات العهد القديم على رسول الإسلام يُرجى الرجوع إلى كتاب القمص سرجيوس سرجيوس: هل تنبأت التوراة أو الإنجيل عن محمد؟".

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (11) تفسير الكتاب المقدَّس - العهد الجديد جـ1 ص148.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/395.html