St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 396- ماذا قصد السيد المسيح بكرسي موسى، والعصائب والأهداب (مت 23: 2 - 5)؟ وما دامت العصائب والأهداب وصايا إلهيَّة فلماذا لامهم السيد المسيح عليها؟ وكيف يطلب السيد المسيح من الجموع أن تحفظ كل ما يقوله الكتبة والفريسيون (مت 23: 3) بينما في موضع آخر يحذرهم من تعليم الفريسيين (مت 16: 6 - 12)؟ وهل نهى السيد المسيح عن أن ندعوا أحدًا بلقب سيد أو أب أو معلم (مت 23: 8 - 11) ؟ وهل قول السيد المسيح: "وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت 23: 9) يتعارض مع دعوتنا رجال الكهنوت بالآباء؟

 

س396: ماذا قصد السيد المسيح بكرسي موسى، والعصائب والأهداب (مت 23: 2 - 5)؟ وما دامت العصائب والأهداب وصايا إلهيَّة فلماذا لامهم السيد المسيح عليها؟ وكيف يطلب السيد المسيح من الجموع أن تحفظ كل ما يقوله الكتبة والفريسيون (مت 23: 3) بينما في موضع آخر يحذرهم من تعليم الفريسيين (مت 16: 6 - 12) ؟ وهل نهى السيد المسيح عن أن ندعوا أحدًا بلقب سيد أو أب أو معلم (مت 23: 8 - 11) ؟ وهل قول السيد المسيح: "وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت 23: 9) يتعارض مع دعوتنا رجال الكهنوت بالآباء؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- ما هو المقصود بكرسي موسى والعصائب والأهداب؟

أ - كرسي موسى: تعبير مجازي المقصود به سلطان التعليم مثل قولنا كرسي الأستاذية، أو مركز التعليم، وباللغة اليونانية "كاثدرا" أي كرسي أو عرش المطران، ومنها جاءت كلمة "كاتدرائية"، وجاء في "معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي": "كاتدرائية (اسم): كاتدرائية: كنيسة الكرسي الأسقفي، أكبر كنيسة في منطقة دينية وتكون مقرًّا لإقامة البابا. احتفل المطران بالقداس في الكاتدرائية". والمقصود بكرسي موسى أي بحسب تعاليم شريعة موسى، فاسم موسى هنا كناية عن شريعة أو توراة موسى، كقول القديس يعقوب في مجمع أورشليم: "لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَالٍ قَدِيمَةٍ، لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ، إِذْ يُقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ" (أع 15: 21). وكان من المفروض أن هؤلاء الكتبة والفريسيين الذين أجلسوا أنفسهم على كرسي موسى، أي أعطوا لأنفسهم الشرعية للتعليم أن يُعلّموا فقط بما جاء بشريعة موسى، ولكنهم أضافوا لهذه الشريعة الكثير والكثير من عندياتهم، ولذلك واجههم السيد المسيح قائلًا للجموع: "عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلوهُ" (مت 23: 2 - 3)، وقول السيد المسيح "جَلَسَ": تشير إلى طريقة التعليم التي كانوا يتبعونها، إذ كان المُعلم يقف أولًا ليقرأ الشريعة ثم يجلس ليُعلّم، هكذا فعل السيد المسيح في مجمع الناصرة إذ " وَقَامَ لِيَقْرَأَ.. ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ، وَجَلَسَ" (لو 4: 16 - 20)، وفي العظة على الجبل: "فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفتحَ فاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلًا" (مت 5: 1 - 2).

ب - العصائب: عبارة عن أربع قراءات من سفر الخروج والتثنية (خر 13: 1 - 10، خر 13: 11 - 16، تث 5: 4 - 9 ، تث 11: 13 - 21) كانت تكتب على أوراق أو رقوق وتوضع في عصائب أي أكياس أو علب من الجلد، تربط أحدهما على منتصف الجهة، والأخرى على الذراع الأيسر بالقرب من القلب، فهكذا أوصت الشريعة: "وَيَكُونُ لَكَ عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَتَذْكَارًا بَيْنَ عَيْنَيْكَ، لِكَيْ تَكُونَ شَرِيعَةُ الرَّبِّ فِي فَمِكَ" (خر 13: 9).. " وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ" (تث 6: 8 - 9). ودُعيت في العبرية tefillin""، كما دُعيت "plylacteres" وهيَ مأخوذة من كلمة يونانية بمعنى "حماية" وكان الربيون يعتقدون أن هذه العصائب تمنح حصانة لمن يحملها سواء من أذى الناس أو أذى الشياطين. وكان الكتبة والفريسيون يُعرّضون هذه العصائب ويظهرونها حتى أنهم أحيانًا كانوا يضعونها على صدورهم كنوع من التظاهر بالتقوى، ورغبة في كسب الربح.

جـ - الأهداب: أوصى الرب موسى قائلًا: "كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: أَنْ يَصْنَعُوا لَهُمْ أَهْدَابًا فِي أَذْيَالِ ثِيَابِهِمْ فِي أَجْيَالِهِمْ، وَيَجْعَلُوا عَلَى هُدْبِ الذَّيْلِ عِصَابَةً مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ. فَتَكُونُ لَكُمْ هُدْبًا، فَتَرَوْنَهَا وَتَذْكُرُونَ كُلَّ وَصَايَا الرَّبِّ وَتَعْمَلُونَهَا، وَلاَ تَطُوفُونَ وَرَاءَ قُلُوبِكُمْ وَأَعْيُنِكُمُ الَّتِي أَنْتُمْ فَاسِقُونَ وَرَاءَهَا، لِكَيْ تَذْكُرُوا وَتَعْمَلُوا كُلَّ وَصَايَايَ، وَتَكُونُوا مُقَدَّسِينَ لإِلهِكُمْ " (عد 15: 38 - 40) (راجع أيضًا تث 22: 12)، فأوضح الله أربعة أهداف لهذه الأهداب، وهيَ:

أ - تذكرون وصايا الرب. جـ - تذكرون وتعملوا حسب الوصايا.

ب - لا تزيغون وراء قلوبكم وأفكاركم. د - تكونون مقدَّسين.

واللون الأسمانجوني هو لون السماء، فلم يكن هدف هذه الأهداب المزركشة سوى أن يتذكروا دائمًا أنهم يختلفون عن الأمم، فهم شعب مقدَّس، ولترنوا أعينهم إلى السماء كما كان أبوهم إبراهيم يتطلع للمدينة التي صانعها وبارئها هو الله.

 

2- ما دامت العصائب والأهداب وصايا إلهيَّة فلماذا لامهم السيد المسيح عليها..؟ نعم العصائب والأهداب كانت بمثابة وصايا إلهيَّة لها هدفها السامي -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- فالعصائب كما رأينا تُذكّرنا بأننا مواطنون سمائيون، فليس هناك عيب في هذه ولا عيب في تلك، لكن العيب في الذين بالغوا في الأمر طمعًا في المزيد من المديح، وسعيًا وراء السبح الباطل، فكانوا يتنافسون في تعريض العصائب وإطالة وتعظيم الأهداب، وهم يسعون نحو المتكأت الأولى في الولائم (مت 23: 6) متجاهلين وصية يشوع بن سيراخ: "إذا جلست على مائدةٍ حافلةٍ، فلا تفتح لها حنجرتك، ولا تقل: ما أكثر ما عليها" (سي 31: 12 - 13)، وكانوا يسعون نحو المجالس الأولى في المجامع طمعًا في مزيد من التكريم، ويتلهَّفون على تحية الناس لهم في الأسواق أي في الساحات، وبعد أن كانت التحيات قصيرة بسيطة علَّموا الناس التحيات الطويلة التي تبدأ " سَيِّدِي سَيِّدِي" (مت 23: 7) وتشمل ألقاب التعظيم والتكريم، وعندما كان يعبر أحد الفريسيين كان الناس يقفون له احترامًا وينحنون أمامه، وذات مرة مرَّ اثنين من الربيين فحياهم البعض تحية بسيطة قائلين: "ليكثر سلامكم" دون أن يسبقوها بلقب " سيدي" فغضب الربيين وشعروا باليأس والقنوط.

ويقول "الأب متى المسكين": "وهنا يبتدئ المسيح (كملك وديَّان) يرصد حركات هؤلاء الكتبة والفريسيين التي تكشف نوع حياتهم، فكل أعمالهم لا تُعمل خوفًا من الله أو محبة له وللقريب، أو حتى من أجل الواجب والمجاملة، ولكن لكي تنظرهم الناس، حتى شؤون العبادة.. وليلاحظ القارئ أن المسيح يصف الكتبة والفريسيين وينتقدهم بملابسهم وأحوالهم وهم واقفون أمامه وأمام كل الشعب، وهذا في الحقيقة عمل يحتاج إلى شخصية ملك ديَّان لا يقوى عليه نبي" (12).

 

3- كيف يطلب السيد المسيح من الجموع أن تحفظ كل ما يقوله الكتبة والفريسيون (مت 23: 3) بينما في موضع آخر يحذرهم من تعليم الفريسيين (مت 16: 6 - 12)..؟ عندما قال السيد المسيح للجموع عن الكتبة والفريسيين: "فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ" (مت 23: 3) كان من الواضح أن كل ما يقولونه من شريعة موسى، بينما عندما قال السيد المسيح لتلاميذه: "انْظُرُوا، وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ" (مت 16: 6) أوضح أن المقصود بخمير أي تعاليم الفريسيين الفاسدة: "مِنْ تَعْلِيمِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ" (مت 16: 12) وفي موضع آخر قال السيد المسيح للفريسيين: "وَأَنْتُمْ أَيْضًا، لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ الله بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ..؟ فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ الله بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ!" (مت 15: 3 - 6). كما قال عنهم: "فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ" (مت 23: 4)، فقد قدموا للناس الناموس محاطًا بحزمة وصايا ضخمة من اختراعهم، فعجز الناس عن تنفيذها وأحسوا باليأس والفشل (راجع أيضًا مت 23: 16 - 22).

 

4- هل نهى السيد المسيح عن أن ندعو أحدًا بلقب سيد أو أب أو معلم..؟ قال السيد المسيح: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ، وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ. وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ" (مت 23: 8 - 10) والحقيقة أن السيد المسيح كان يوجه هذه العبارات لتلاميذه من الآباء الرسل، فهم آباء الكنيسة، وهم آباء الآباء "أرشي باتريارشيس"، ومعنى patria أي أسرة أو عشيرة أو شعب أو أمة، أرشي arch أي رئيس، فالآباء الرسل بطاركة رؤساء آباء، فلا يدعون أحدًا أبًا لهم. أما نحن فأبناء الرسل الأطهار، ودعى بولس الرسول تلميذه تيموثاوس قائلًا: "فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ" (2 تي 2: 1) وكذلك تلميذه تيطس: "إِلَى تِيطُسَ، الابْنِ الصَّرِيحِ حَسَبَ الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ" (تي 1: 4)، ودعى بطرس الرسول مرقس ابنه (1 بط 5: 13) واستخدم بولس الرسول لفظة "الآباء" وهو يقصد بها الأبوة الجسدية كقوله لأهل كولوسي: "أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ" (كو 3: 21) كما قصد بها في مواضع أخرى كبار السن، فأوصى تلميذه تيموثاوس قائلًا: "لاَ تَزْجُرْ شَيْخًا بَلْ عِظْهُ كَأَبٍ" (1 تي 5: 1)، وهو خاطب اليهود قائلًا: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ وَالآبَاءُ" (أع 22: 1)، ولنا رجعة لهذا الموضوع في الجزئية الخامسة من هذا السؤال.

وأيضًا كان الآباء الرسل معلمون بحسب وصية سيدهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ" (مت 28: 19)، وقال بولس الرسول: "أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ" (رو 12: 7)..
"
فَوَضَعَ الله أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ" (1 كو 12: 28). ولم يلغي السيد المسيح نظام العبيد، فكان في المجتمع سادة وعبيد، ومن الطبيعي أن العبد يدعو سيده "سيدي"، وأعطى كل من بولس الرسول وبطرس الرسول وصايا للسادة والعبيد (أف 6: 5، كو 3: 22، 1 بط 2: 18)، وخاطب سجان فيلبي بولس وسيلا قائلًا " يَا سَيِّدَيَّ" (أع 16: 30).

وقال "المشرقي": "ليس المقصود من كلام المسيح أن لا يكون في الكنيسة رؤساء ولا آباء ولا معلمون، بل أن لا يقبلوا هذه الألقاب طلبا للرفعة والكبرياء والتشامخ. أن وجود المعلِّمين والوظائف في الكنائس ضرورة لنظام الكنيسة" (13).

وقال "وليم مكدونلد": "وينطبق هذا التحذير بشكل واضح على الأمور الروحية وليس الأمور الدنيوية، أي العلاقات المهنية والأكاديمية، فهذا لا يمنع الولد على سبيل المَثَل من مناداة والده "أبي"، ولا المريض أن يدعو طبيبه "دكتور" فالقاعدة في الأمور الأرضية هيَ: "الْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ" (رو 13: 7) (14).

 

5- هل قول السيد المسيح: "وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت 23: 9) يتعارض مع دعوتنا لرجال الكهنوت بالآباء..؟ نحن ندعو الله آبانا، فنحن أبنائه بالخلقة، ولذلك قال الإنجيل: "آدَمَ، ابْنِ اللَّه" (لو 3: 38)، وقال الله: "الابْنُ يُكْرِمُ أَبَاهُ، وَالْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ. فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟ وَإِنْ كُنْتُ سَيِّدًا، فَأَيْنَ هَيْبَتِي؟ قَالَ لَكُمْ رَبُّ الْجُنُودِ. أَيُّهَا الْكَهَنَةُ الْمُحْتَقِرُونَ اسْمِي " (ملا 1: 6)، وفي الصلاة الربانية علمنا السيد المسيح أن نصلي قائلين: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت 6: 9).. إلخ، وأيضًا لنا آباء بحسب الجسد ندعوهم "أبائنا"، وهذا لا يتعارض مع أبوة الله لنا، بل أن الله نفسه أوصانا قائلًا: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ" (خر 20: 12)، ولم يستنكر يسوع أن يدعو يوسف النجار بأبيه رغم أنه أبيه بالتبني، والعذراء مريم قالت ليسوع: "هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!" (لو 2: 48)، وفي جميع سلاسل الأنساب في الكتاب المقدَّس نلتقي بالأبوة الجسدية أو الشرعية أو بحسب التبني، ولم يعترض أحد، وقال بولس الرسول: "ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟" (عب 12: 9).

وكما أن الذي يدعو أبيه "يا أبي" لا يُغضِب الله، هكذا تكريمنا لرجال الكهنوت ودعوة كل منهم "أبونا" أو "سيدنا" لا تتعارض مع بنوتنا لله وأبوة الله لنا، ولا تتعارض مع روح الكتاب، فقال الكتاب عن إبراهيم: "لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ.. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ" (رو 4: 11 - 17)، وقال أليشع لإيليا النبي وقت إصعاده: "يَا أَبِي، يَا أَبِي، مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا" (2 مل 2: 12). وقال يوآش الملك لأليشع النبي نفس العبارة: "يَا أَبِي، يَا أَبِي، يَا مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا" (2 مل 13: 14). ودعى بولس الرسول أهل كورنثوس بأولاده قائلًا: "لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهذَا، بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ. لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ" (1 كو 4: 14 - 15)، كما قال لأهل غلاطية: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ" (غل 4: 19)، ودعى تيموثاوس بابنه: "فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" ( 2تي 2: 1). وكذلك كتب يوحنا الحبيب: "يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا" (1 يو 2: 1) وكرَّر كلمة " أَوْلاَدِي" مرارًا وتكرارًا (1 يو 2: 12، 18، 28، 3: 7 ، 5: 21)، ودعى بطرس الرسول مرقس بابنه (1بط 5: 13).. فهل أخطأ بولس الرسول ويوحنا الرسول وبطرس الرسول عندما اعتبروا أنفسهم آباء لرعاياهم؟!!!.. نحن نفتخر بأننا أبناء الرسل الأطهار، وأن مارمرقس هو أبونا الذي ولَدَنا في الإيمان بدمه الطاهر الذي دشنَّ شوارع مدينتنا المُبارَكة الإسكندرية، ولا أنسى كلمات أبونا بيشوي كامل عندما كان يوصينا قائلًا: عندما تسيرون في شوارع محطة الرمل سيروا بهدوء ووقار لأن مارمرقس دشن تلك الشوارع بدمه الطاهر الزكي.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (12) الإنجيل بحسب القديس متى ص612 ، 613.

 (13) أورده القس يوسف البرموسي - تساؤلات حول إنجيل متى ص89.

 (14) تفسير الكتاب المقدَّس للمؤمن - العهد الجديد جـ1 ص146.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/396.html