St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

383- كيف يقبل الإنسان أن يكون خادمًا وعبدًا لكيما يكون عظيمًا (مت 20: 26، 27)؟ وهل السيد المسيح هو الفادي أم أنه الفدية التي قدمها الآب (مت 20: 28)؟ وهل هذه الفدية قُدمت للشيطان، أم لنا، أم لله الآب؟

 

س383: كيف يقبل الإنسان أن يكون خادمًا وعبدًا لكيما يكون عظيمًا (مت 20: 26، 27)؟ وهل السيد المسيح هو الفادي أم أنه الفدية التي قدمها الآب (مت 20: 28)؟ وهل هذه الفدية قُدمت للشيطان، أم لنا، أم لله الآب؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ كان المفهوم السائد للعظمة أن يدفع الإنسان بنفسه في الصفوف الأولى على حساب الآخرين، ويتسلق طريق العظمة كما يتصوَّرها حتى ولو على جثث الآخرين، فجاء السيد المسيح وقلب موازين العظمة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. فقد اغتاظ التلاميذ العشرة من طلب يعقوب ويوحنا أن يجلس أحدهم عن يمين المسيح في مجده والآخر عن يساره، فقال لهم السيد المسيح: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا" (مت 20: 26، 27)، وفي موضع آخر قال الرب يسوع لتلاميذه " وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِمًا لَكُمْ" (مت 23: 11)، وعندما تحاجج التلاميذ وتجادلوا عمن هو أعظم فيهم قال لهم الرب يسوع: "إذا أراد أحد أن يكون أولًا فليكن آخر الكل وخادمًا للكل" (لو 9: 35)، وأيضًا علم السيد المسيح تلاميذه: "لأَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ أَلَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ الَّذِي يَخْدُمُ أَلَيْسَ الَّذِي يَتَّكِئُ وَلكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدُمُ" (لو 22: 27) وأعطاهم مثلًا قويًا، إذ قد أحب خاصته، أحبهم إلى المنتهى، قام من العشاء وأُتزر بمنشفة وغسل أرجل تلاميذه قائلًا لهم: "فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ" (يو 13: 14)، وشيئًا فشيئًا بدأ هذا المفهوم المسيحي الجديد يجد قبولًا وتفهُّمًا، وعرف الناس أن الإنسان الصالح هو من يخدم ويضحي ويبذل من أجل الآخرين دون أن يرمي إلى أي كسب مادي أو معنوي، ومن هنا جاء المَثَل العربي: "سيد القوم خادمهم ".

ويقول "الأب متى المسكين": "وهذا عكس ما يسلكه أهل العالم. فعظمة النفس الحقيقية في إخضاع ذاتها للَّه والناس، في بذلها وليس في أخذها، في ترك ما لها وليس في إعطائها ما تشتهيه، في خدمتها للآخرين وليس في الترأس عليهم، في إتقانها عمل العبد وليس في شهوة سيادتها فوق الرؤوس، وتُقاس النفس العظيمة بحبها وإتساع صدرها، بوداعتها وحلمها. وعظمة النفس المسيحية هيَ التي تعمل وتعيش وتسلك وتحب وتبذل متشبهة بالمسيح" (1064).

وتتفاوت القامات الروحية في تنفيذ وصية يسوع هذه، ويحكي "وليم باركلي" عن "تويو هيكو كاجاوا" فيقول: "عندما اعتنق الزعيم الياباني الشهير "تويو هيكو كاجاوا" المسيحية كان مأخوذًا بروعتها إلى حد كبير، حتى أنه صرخ من أعماق قلبه " يا إلهي. أجعلني كالمسيح ". ولكي يصير مثل المسيح خرج ليعيش في الأكواخ الحقيرة ليشاطر البائسين حياتهم، وعاش في كوخ طوله وعرضه ستة أقدام في طوكيو. وفي الليلة الأولى طُلب منه أن يقتسم فراشه مع رجل مريض بحكة جلدية مُعدية، وكان هذا إمتحانًا لإيمانه، هل يقبل أن يسير في طريقه بلا عودة أم يتراجع، لكنه سار في الطريق ورحب بالمريض، ثم سأله أحد الشحاذين أن يأخذ قميصه، وفي اليوم التالي جاء الشحاذ يطلب سترته فأعطاها له... وهكذا بقى " كاجوا " يلبس رداءً يابانيًا (كيمونو) ممزقًا... وضحك منه سكان الأكواخ أولًا، ثم ابتدأوا يحبونه ويحترمونه... فقد كان يقف وسط الأمطار الهاطلة، وهو يسعل سعالًا متواصلًا، لأنه قد أُصيب بالسُل، لكنه كان يعلن للناس قائلًا: "اللَّه محبة... حيثما توجد المحبة يوجد اللَّه "، وكثيرًا ما كان يسقط من الإعياء، فيحمله سكان الأكواخ إلى كوخه... وقد كتب " كاجوا " يقول: "إن اللَّه يسكن بين أدنى الناس، أنه يجلس على كومة تراب، بين المذنبين في السجن، ويقف بين الأطفال والغلمان المتشردين. أنه هناك بين المرضى، ويقف بين المتعطلين، ولذلك فكل من يريد أن يلتقي مع اللَّه عليه أن يذهب ليزور زنزانة السجن قبل أن يذهب إلى المعبد. وقبل أن يذهب إلى الكنيسة عليه أن يزور المستشفى، وقبل أن يقرأ الكتاب المقدَّس عليه أن يساعد الشحاذين والفقراء ".." (1065).

 

St-Takla.org Image: The crucifixion of Jesus Christ on the cross, and showing in the statue three nails - St. Mary Church, Sandymount, Dublin, Ireland - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, May 5, 2017. صورة في موقع الأنبا تكلا: صلب السيد المسيح على عود الصليب، ويظهر بالتمثال ثلاثة مسامير - من صور كنيسة السيدة مريم العذراء، سانديماونت، دبلن، أيرلندا - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 5 مايو 2017 م.

St-Takla.org Image: The crucifixion of Jesus Christ on the cross, and showing in the statue three nails - St. Mary Church, Sandymount, Dublin, Ireland - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, May 5, 2017.

صورة في موقع الأنبا تكلا: صلب السيد المسيح على عود الصليب، ويظهر بالتمثال ثلاثة مسامير - من صور كنيسة السيدة مريم العذراء، سانديماونت، دبلن، أيرلندا - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 5 مايو 2017 م.

2ــ هل السيد المسيح هو الفادي أم هو الفدية التي قدمها الآب (مت 20: 28)؟

السيد المسيح هو الفادي وهو الفدية في آن واحد... هو "الفادي" بدليل قوله: "لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا" (يو 10: 17، 18).. " أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَاف" (يو 10: 11)، وقال بولس الرسول: "الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ" (غل 1: 4).. " الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (تي 2: 14). جاء عنه في سفر إشعياء النبي: "مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ" (إش 53: 12)، وجاء عنه في سفر الرؤيا: "مُسْتَحِق أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للَّه بِدَمِكَ" (رؤ 5: 9).

والسيد المسيح هو " الفدية" أيضًا، فقال عن نفسه: "لِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت 20: 28).. " لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت 26: 28)، وقال بولس الرسول: "الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (1 تي 2: 6)، ويقول بطرس الرسول: "افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ... بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ دَمِ الْمَسِيحِ" (1 بط 1: 19).

ويقول "البابا شنوده الثالث": "إن إغفال مشيئة المسيح في الفداء فيه إنقاص لمحبته لنا! بحيث أن من يقول أن المسيح ليس هو الفادي بل مجرد فدية قدمها الآب، وهو قد قبل ذلك لأجل الطاعة!! الذي يقول هذا إنما يُنقِص من محبة المسيح لنا، ومن بذل ذاته لأجل غفران خطايانا. وهذا أمر لا يمكن أن تقبله الكنيسة التي قال عنها الرسول: "كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا" (أف 5: 25). بل أن هذا أمر لا يقبله أي فرد منا، يقول مع الرسول عن السيد المسيح: "الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غل 2: 20). إن المسيح المُحب لم يكن مجرد مُنفذ لمشيئة الآب في الفداء من أجل الطاعة، بل كانت مشيئته هيَ مشيئة الآب من جهة الفداء" (1066).

 

3- هل السيد المسيح دفع الفدية للشيطان؟

قيل أن أوريجانوس هو من قال بهذا الرأي، وهو رأي غير صحيح، فالإنسان عندما أخطأ بغواية الشيطان خرج من ملكية اللَّه وصار مُباعًا للشيطان، والسيد المسيح فدانا بدمه الثمين المسفوك على عود الصليب ويُصلي الأب الكاهن في القداس الباسيلي: "وسلم ذاته فداءً عنا إلى الموت الذي تملَك علينا. هذا الذي كُنا مُمسكين به مبيعين من قِبَل خطايانا".. لم تحدث معاهدة صُلح بين السيد المسيح والشيطان إرتضى فيها المسيح بدفع الفدية للشيطان مقابل تحرير الإنسان، ولم تحدث مهادنة قط بين المسيح والشيطان، إنما كانت حرب ضروس بينهما. وفي البداية عندما أسقط الشيطان الإنسان لم يُسقطه بالقوة والجبر والقهر، إنما أسقطه بالحيلة والذكاء والخداع والدهاء، وفي تجسد الرب يسوع رد هذه الضربة للشيطان إذ حجب لاهوته في ناسوته، حتى احتار الشيطان في أمره، وظل مرات ومرات يكرر القول: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّه... "، ولم يصل الشيطان إلى إجابة لا على جبل التجربة ولا على جبل الجلجثة، وعندما قال السيد المسيح على الصليب: "يَا أَبَتَاهُ فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي" احتج الشيطان لأن الإنسان كان مُباعًا وفي ملكية الشيطان، فجمع الشيطان قواته وأشتاته وهجم على السيد المسيح مؤملًا أن يقبض على روحه ليودعها في سجن الجحيم، ففوجئ أنه أمام اللَّه ذاته، أمام قوة اللاهوت الصاعقة، وأراد أن يهرب فأمسك به الإله المتجسد وهو متلبس بالتعدي على الذات الإلهيَّة، فقيده واقتحم مملكته وأطلق أسرى الجب الذين ماتوا على الرجاء، ليس برضى ولا موافقة الشيطان إنما رغمًا عنه، فمن المستحيل أن يكون السيد المسيح قدم دمه المسفوك على الصليب فدية للشيطان. بل قال: "لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ قَوِيٍّ وَيَنْهَـبَ أَمْتِعَتَهُ إِنْ لَمْ يَرْبِطِ الْقَوِيَّ أَوَّلًا وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ" (مر 3: 27)، فالسيد المسيح قد ربط الشيطان القوي على عود الصليب.

وقال القديس غريغوريوس الكبير أن تجسد ابن اللَّه كان من أجل إصطياد لوياثان الحيَّة القديمة، فكان لاهوته هو السنارة، وناسوته هو الطُعم الذي أثار شهية الشيطان، فابتلع لوياثان الطُعم فاصطادته السنارة أي اللاهوت (راجع وليم باركلي - تفسير العهد الجديد جـ 1 ص369).

 

4ــ هل قدم السيد المسيح الفدية لنا؟

لم يدفع السيد المسيح الفدية لنا لأننا نحن مديونين للعدل الإلهي فكيف تُدفع الفدية لمن هو مديون؟! وفي قصة المرأة الخاطئة التي بلَّلت بدموعها قدمي يسوع ومسحتبهما بشعر رأسها قال السيط المسيح: "كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا" (لو 7: 41، 42) فجميعنا مديونين سواء بالكثير أو بالقليل، مديونون للعدل الإلهي، فليس من المعقول أن يقدم السيد المسيح لنا الفدية نحن المأسورين من قِبَل عدو الخير. ويقول "البابا شنوده الثالث": "من غير المنطقي أن يدفع (السيد المسيح) الثمن لنا ونحن مدينون!! فكيف يُقال أن الثمن قد دُفع إلى المديون العاجز عن الوفاء بدينه؟! بل نقول قد دُفِع لأجله لتخليصه من دينه" (1067).

 

5ــ هل دفع السيد المسيح الفدية للَّه الآب؟

نعم، فقد قدم السيد المسيح ذاته على الصليب فدية للعدل الإلهي... عندما خلق اللَّه الإنسان ووضعه في جنة عدن وأعطاه وصية واحدة وهيَ أن لا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر قائلًا له: "لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ" (تك 2: 17)، وبغواية الحيَّة سقط الإنسان في المخالفة وأكل من الشجرة المحرَّمة فسرى عليه حكم الموت، الموت الأبدي الروحي والموت الجسدي والموت الأدبي، فدخل الإنسان في دائرة مظلمة لا فكاك منها " لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو 6: 23).. " اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِـيَ تَمُوتُ" (حز 18: 4، 20). والخطية موجهة ضد العدل الإلهي، فيوسف الصديق يقول: "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللَّه" (تك 39: 9)، واعترف داود بخطيته قائلًا: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ" (2 صم 12: 13).. " إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ" (مز 51: 4)، وعاتب اللَّه شعبه على خطاياهم: "يَقُولُ الرَّبُّ وَدَائِمًا كُلَّ يَوْمٍ اسْمِي يُهَانُ" (إش 52: 5)، وقال بولس الرسول: "لأَنَّ اسْمَ اللَّه يُجَدَّفُ عَلَيْهِ بِسَبَبِكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ" (رو 2: 24). ولم يكن هناك أي نوع من الأمل سوى تدخل اللَّه شخصيًا لحل هذه المشكلة الرهيبة، فقال المرنم: "الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللَّه كَفَّارَةً عَنْهُ... إِنَّمَا اللَّه يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ الْهَاوِيَة" (مز 49: 7، 15)، فالفادي هو اللَّه ذاته: "هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَفَادِيهِ رَبُّ الْجُنُودِ" (إش 44: 6).. " فَادِينَا رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ. قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ" (إش 47: 4).. " أَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُخَلِّصُكِ وَوَلِيُّكِ عَزِيزُ يَعْقُوبَ" (إش 60: 16).

 فالإنسان عندما أخطأ، أخطأ في حق العدل الإلهي، ولعل ذبيحة المحرقة تشرح لنا هذا الأمر، وذبيحة المحرقة هيَ أول الذبائح التي ذكرها العهد القديم، ذبيحة المحرقة، والخطية، والإثم، وتقدمة الدقيق، وذبيحة السلامة، ولأهمية هذه الذبيحة دُعي مذبح النحاس الذي تُقدم عليه الذبائح بمذبح المحرقة، وخصّصت هذه الذبيحة لإرضاء الرب: "مُحْرَقَةٌ وَقُودُ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا 1: 13)، ومن الطبيعي أن يأتي الجانب الخاص باللَّه قبل الجانب الخاص بالإنسان، مثلما نرى في الوصايا العشر والصلاة الربية، فذبيحة المحرقة لأنها تشير إلى إرضاء الرب تأتي أولًا ثم تأتي ذبيحتي الخطية والإثم للتكفير عن خطايا الإنسان ورفع العقاب الإلهي عنه، وتشير ذبيحة المحرقة للسيد المسيح ليس من جانب أنه حمل خطايانا بل من جانب أنه تمَّم مشيئة الآب وأرضى العدل الإلهي، كقول الكتاب: "وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للَّهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً" (أف 5: 2)، وترجمت الكنيسة هذا المفهوم في "ثيؤطوكية الأحد": "هذا الذي أصعد ذاته... ذبيحة مقبولة... على الصليب عن خلاص جنسينا... فاشتمه... أبوه... الصالح... وقت المساء... على الجلجثة ".. مساء البشرية التي ماتت بالخطية... حقًا لقد كان منظر السيد المسيح على الصليب وهو يقدم ذاته لإيفاء العدل الإلهي منظر مُبهر يخلب العقول لمن: "وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في 2: 8) ولا يدرك قيمة هذه الطاعة إلاَّ الآب وحده، فقد تمجَّد الآب في موت ابنه فدية عن الخطاة، وهذا ما نطق به السيد المسيح عندما اقتربت الساعة: "الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ اللَّه فِيهِ. إِنْ كَانَ اللَّه قَدْ تَمَجَّدَ فِيهِ فَإِنَّ اللَّه سَيُمَجِّدُهُ فِي ذَاتِهِ وَيُمَجِّدُهُ سَرِيعًا" (يو 13: 31، 32).

 

وذبيحة المحرقة تشير للسيد المسيح في عدة جوانب:

1ــ الطاعة والرضى. 2ــ السرور والفرح. 3ــ إيفاء العدل الإلهي.

4ــ بلا عيب. 5ــ الاستمرارية. 6ــ الإنابة.

وقد سبق الحديث عن هذه الأمور بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: أسئلة حول الصليب س18.

ويقول "البابا شنوده الثالث": "المعروف أن الخطية كانت لها نتيجتان:

أ - إغضاب قلب اللَّه بعصيانه والتمرد عليه، وإطاعة الشيطان أكثر منه، وكانت ذبيحة المحرقة تشير إلى إرضاء اللَّه وإيفاء عدله.

ب- كان من نتائج الخطية أيضًا هلاك الإنسان والحكم عليه بالموت. وكانت ذبيحة الخطية تنوب عنه في الموت بدلًا منه.

وكانت المحرقة رمزًا إلى السيد المسيح في إرضاء الآب وتقديم طاعة مُطلّقة له. كما كانت ذبيحة الخطية رمزًا للسيد المسيح في موته نيابة عنا، وإيفاء العدل الإلهي الذي يقضي بموت الخاطئ...

ذبيحة المحرقة في رمزها إلى إرضاء اللَّه...

كانت المحرقة هيَ أقدم الذبائح التي يتقرَّب بها الناس إلى اللَّه، لذلك دُعيت قربانًا (تك 4: 5)، ونقرأ بعد رسو الفُلك: "وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ. فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا.." (تك 8: 20، 21).

 

ونلاحظ هنا أن ذبيحة المحرقة كانت سببًا في رضا اللَّه ورفع غضبه. كما أنها كانت من حيوانات وطيور طاهرة... كانت المحرقة للرضا، ورائحة سرور للرب وكانت كلها لله، لنار العدل الإلهي. يقول الكتاب عن مُقدِمها: "لِلرِّضَا عَنْهُ أَمَامَ الرَّبِّ" (لا 1: 3)، ويُقال عن هذه المحرقة أنها: "مُحْرَقَةً وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا 1: 9).. وكانت المحرقة (تُقدَم) كلها لنار العدل الإلهي... أن المحرقة رمز للسيد المسيح في إرضاء العدل الإلهي" (1068).

كما يقول "البابا شنوده الثالث": "الثمن الذي دفعه السيد المسيح هو موته على الصليب. ذلك لأن الكتاب يقول: "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو 6: 23). وهكذا سُفك دمه الطاهر الكريم لأجلنا. وواضح أن الثمن الذي دُفِع إلى صاحب الحق، وهو العدل الإلهي. فالعدل الإلهي هو الذي كان يطالب بموت الإنسان الخاطئ الذي تعرَّض لحكم اللَّه: "مَوْتًا تَمُوتُ" (تك 2: 17). وأيضًا حسب قول الرب على فم حزقيال النبي: "اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" (حز 18: 20). فلما مات المسيح بدلًا عنا، قدَّم حياته للعدل الإلهي عوضًا عن حياة الإنسان، فاستوفى العدل الإلهي حقه" (1069).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1064) الإنجيل بحسب القديس لوقا ص564.

(1065) تفسير العهد الجديد جـ 1 ص368، 369.

(1069) المرجع السابق ص72.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/383.html

تقصير الرابط:
tak.la/p2xcs54