St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 288- قال السيد المسيح: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (مت 7: 1).. أليس بموجب هذه المعادلة يمكن لأي إنسان أن ينجو من دينونة اللَّه حتى غير المؤمنين؟ وهل إدانة الآباء لأبنائهم وتبكيتهم وعقابهم يُعد كسرًا لهذه الوصية؟ وبالمثل محاسبة الرؤساء لمرؤوسيهم وأحكام القضاء على المجرمين هل يُعد كسرًا لهذا الوصية؟

 

س288: قال السيد المسيح: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (مت 7: 1).. أليس بموجب هذه المعادلة يمكن لأي إنسان أن ينجو من دينونة اللَّه حتى غير المؤمنين؟ وهل إدانة الآباء لأبنائهم وتبكيتهم وعقابهم يُعد كسرًا لهذه الوصية؟ وبالمثل محاسبة الرؤساء لمرؤوسيهم وأحكام القضاء على المجرمين هل يُعد كسرًا لهذا الوصية؟

 قال أحد النُقَّاد: "وقول المسيح: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُــوا" (مت 7: 1) فهذا القول لا ينطبق على المجتمعات، فلو حدث، لتحطم النظام الاجتماعي" (Wider. Or.cit.p183a)" (702).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

 ج: 1ــ القول بأن غير المؤمن الذي لا يدين أحدًا ينجو من دينونة اللَّه طبقًا لقول السيد المسيح: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا " قول خاطئ تمامًا، مثله مثل القول بأن غير المؤمن يخلص بناء على قول السيد المسيح: "إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ" (مت 6: 14)، وهذه نتائج الإعتماد على الآية الواحدة، فهناك آيات عديدة تنص على أن من لا يؤمن يُدَنْ، مثل:

† " مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ. وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" (مر 16: 16).

" الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّه" (يو 3: 36).

" وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يو 20: 31).

" مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللَّه فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ" (1 يو 5: 12).

 وفي نفس الأصحاح الذي قال فيه السيد المسيح: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا. لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ" (مت 7: 1، 2) قال: "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ" (مت 7: 6)، كما أدان هو الأنبياء الكذبة وحذر منهم قائلًا: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" (مت 7: 16، 20)، وفي موضع آخر قال: "لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا" (يو 7: 24) أي لم يمنع الحكم ما دام عادلًا.

 ويقول "م. فؤاد نجيب يوسف": "عدم الإدانة لا يعني أن يُلغي الإنسان عقله وقدرته على التمييز بين الخير والشر كضرورة إنسانية في المعاملات سواء على المستوى الفردي أن المجتمعي.. المسيح لم يقل: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا " ليحمي الشرير والإنتهازي والمغامر لكي ينفث شروره وأضراره في المجتمع بحرية دون محاسبة، بل الهدف أن يحمي حرية الفرد في ضعفه من تشهير المجتمع به حتى يعطيه الفرصة أن يراجع نفسه ويرجع عن الخطأ بكل حرية (المرأة الخاطئة - ولا أنا أدينك). كما أنه عندما يقول احترزوا من الأنبياء الكذبة فهو يحمي المجتمع من خطأ الفرد خصوصًا من الإنتهازي طالب المنفعة.. من الأنبياء الكذبة الذي يأتون في ثياب الحملان من أجل ابتزاز المجتمع الديني وإفساد حريتنا في المسيح: "وَلكِنْ بِسَبَبِ الإِخْوَةِ الْكَذَبَةِ الْمُدْخَلِينَ خُفْيَةً الَّذِينَ دَخَلُوا اخْتِلاَسًا لِيَتَجَسَّسُوا حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ كَيْ يَسْتَعْبِدُونَا" (غل 2: 4)... مقاومة هؤلاء لا يمكن أن نعتبره إدانة.." (703).

 ويجب أن نفرّق بين الإدانة والنقد البناء، فدافع الإدانة نقص المحبة، والبغضة، والغيرة، والحسد، وحُب الظهور والكبرياء والتسلط، والإفتخار بالذات، بينما الدافع للنقد البناء الشعور بالمسئولية والرغبة في الإصلاح، ومقاومة التسيب والفساد، وحفظ الإيمان المستقيم. النقد البناء يمارسه الأب بدافع الأبوة، والمعلم بهدف التعليم، والمسئول بهدف دقة الأداء، ورجل البوليس من أجل حفظ الأمن، والقضاء من أجل العدالة.

 ويقول أيضًا "م. فؤاد نجيب يوسف": "بدون النقد الواعي تسقط الإنسانية تحت تأثير الجشع وأنانية الفرد التي تقود المجتمع الغير واعي للفساد والضياع. النقد والمحاسبة يصححان مسار الإنسان ويوجهان المجتمع نحو حياة أفضل بالإصلاح فيتحقق هدف الوجود في التقدم المستمر. أن أخطر ما يمكن أن يتعرض له مجتمع هو توقف النقد (البناء) وتعويق محاسبة المسئولين.. كان عمل الأنبياء الرئيسي هو نقد المجتمع خصوصًا قيادي الشعب الملوك والكهنة. كان ذلك أمرًا حيويًا لازمًا لتصحيح مسار المجتمع وقيادته نحو حياة أفضل.. ولقد تعرَّض أنبياء العهد القديم جميعًا في أداء رسالتهم الناقدة، لجميع أنواع الإهانات والتجريح والتشكيك، بل والرفض والتعذيب والقتل. ولقد قام السيد المسيح بذلك النقد الواعي، ولقد كان نقده للشر والفساد المجتمعي هو الطريق للصليب" (704).

 

2ــ من حق الوالدين توجيه أولادهم لما هو صحيح ونافع وتحذيرهم من الأخطاء وإنذارهم وتوبيخهم، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وهكذا الرئيس مع المرؤوسين، والإنسان يسعى لإدانة الأخطاء وتصحيح الأفكار دون جرح المشاعر، فيؤخذ الأمر موضوعيًا وليس شخصيًا، فهذا الأمر يحتاج إلى التمييز وروح الفطنة حتى لا نخلط بين المخطئ والخطأ، فنسعى لإصلاح الخطأ دون أن نحطم المخطئ، هذا بالنسبة للذين لنا ولاية عليهم ويقعون تحت مسئوليتنا، فنقدم لهم كل الحب بعيدًا عن التدليل المفسد. وعندما يحاكم القضاة المجرمين ويحكمون عليهم ويدينونهم ويقتصون منهم فأنهم لا يخالفون وصية: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" لأن هذا عملهم الذي لا غنى عنه في استقرار المجتمع، وتحكم الكنيسة على المبتدعين والهراطقة: "أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ تَدِينُونَ الَّذِينَ مِنْ دَاخِل" (1 كو 5: 12)، ولولا تصدي القديس أثناسيوس لأريوس وحكم مجمع نيقية عليه بالحُرم لصار العالم كله أريوسيًا، ولو تركت الكنيسة الهراطقة لانتشرت سموم هرطقاتهم في جسد الكنيسة وهلك الكثيرون، ولذلك أوصى الكتاب: "امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ" (1 يو 4: 1).. " امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ" (1 تس 5: 21).. " فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ" (1 كو 5: 13). وقد أدان أنبياء العهد القديم شعب اللَّه الذي انحرف، وأدان يوحنا المعمدان الفريسيين والصدوقيين (مت 3: 7 - 10)، وأدان السيد المسيح الكتبة والفريسييبن (مت 23: 13 - 36)، كما أدان هيرودس الملك (لو 13: 32)، وأدان بولس الرسول الذين يصنعون الشقاقات والعثرات في روما (رو 16: 17)، كما أدان الانقسامات والتي يصنعونها في كورنثوس (1 كو 1: 10 - 13)، وحكم على خاطئ كورنثوس (1 كو 5: 3 - 5)، بل أدان بطرس الرسول عندما كان ملومًا وقاومه مواجهة (غل 2: 11 - 19).

 

3ــ الذين لا ولاية لنا عليهم فلا ندينهم على تصرفاتهم لأننا لا نعرف ظروفهم بالكامل، فننصت إلى قول الإنجيل: "وَأَمَّا أَنْتَ فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ. أَوْ أَنْتَ أَيْضًا لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ. لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ" (رو 14: 10).. " لاَ يَذُمَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ. الَّذِي يَذُمُّ أَخَاهُ وَيَدِينُ أَخَاهُ يَذُمُّ النَّامُوسَ وَيَدِينُ النَّامُوسَ.. فَمَنْ أَنْتَ يَامَنْ تَدِينُ غَيْرَكَ" (يع 4: 11، 12)، وقال "هليل": "لا تحكم على إنسان حتى تجتاز في ظروفه" (705)، فكثيرًا ما يريد مُشاهِد مباراة القدم أن يوجه هذا وذاك من اللاعبين بحماس زائد، وبينما لو نزل هو للملعب لا يعرف أن يلعب مثل هذا ولا مثل ذاك.

 وتعتبر الإدانة تعدي على حرية الآخر، وإمتحان لحقه في التعبير عن نفسه، وكأني أريد أن هذا الآخر يكون صورة طبق الأصل مني في أفكاره وآرائه وتصرفاته، وقد تُعمي خطية الإدانة الإنسان، فيعجز عن رؤية الحق والحقيقة، بل أن الإنسان الذي يدين غيره قد يمارس نفس التصرفات الخاطئة، وعوضًا عن إدانة نفسه يدين الآخر، فالإنسان المنحرف خُلقيًا لا يقبل المنحرفين مثله ويدينهم بأشد العبارات، وقال الفيلسوف الروماني "سنيكا": "أذكر بأن الأخطاء التي تتذمر منها قد تكتشفها فيك شخصيًا لدي الفحص الدقيق، وأذكر ليس أمرًا مرغوبًا فيه أن تحتج علنًا وتُظهِر إستياءك من جريمتك الشخصية" (706). وتصل خطية الإدانة بالإنسان الذي يدين للعمى الروحي، فيعجز عن معاينة الحق والحقيقة، وتخلو حياته من فضائل الرحمة والرأفة والتحنن وإلتماس الأعذار، وتنتشر داخل جنبات نفسه الكراهية والحقد والحسد والقسوة والصرامة، وتكون النتيجة مخيفة لأنه: "لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (مت 7: 2).. " لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ" (يع 2: 13).

ويقول "القديس أغسطينوس": "فلو سقط أخوك في خطية الغضب، تسقط أنت في خطية الكراهية (بادانتك له). وهناك فرق شاسع بين الغضب والكراهية كما هو بين القذى والخشبة. لأن الكراهية هيَ غضب مزمن، فبطول الزمن اشتد القذى (الغضب) حتى صار يُدعى بحق خشبة (الكراهية). فأنك إن غضبت على إنسان فلا بد أنك ترغب في رجوعه إلى الحق، أما إذا كرهته فلا يمكن لك أن تشتاق إلى رجوعه" (707).

 ويقول "متى هنري": "يجب أن لا تحكم على قلوب الآخرين أو نياتهم لأن فحص القلب من اختصاص اللَّه وحده ولا يجوز لنا التعدي على اختصاصه. يجب علينا أن لا نحكم على مصيرهم الأبدي، أو ندعوهم مرائين أو فاجرين أو منبوذين أو هالكين، فهذا تطاول منا وخروج عن حدودنا. لماذا ندين عبد غيرنا؟ لنا أن نُسدي إليه النصيحة أو نقدم له المعونة، ولكن ليس لنا أن ندينه" (708).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(702) أورده الدكتور القس صموئيل حبيب - الموعظة على الجبل شريعة أم طريق حياة ص100.

(703) وثيقة الحرية - الموعظة على الجبل - دراسة تحليلية روحية نقدية ص118، 119.

(704) المرجع السابق - ص121، 122.

(705) أورده وليم باركلي - تفسير الكتاب المقدَّس - المجلد الأول ص157.

(706) أورده متى هنري - تفسير الكتاب المقدَّس - إنجيل متى جـ 1 ص217.

(708) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير الكتاب المقدَّس - إنجيل متى جـ 1 ص215.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/288.html