St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 289- كيف يشتم السيد المسيح الناس وينعتهم بالكلاب والخنازير قائلًا: "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ" (مت 7: 6)؟ وألا يعتبر هذا تناقض مع قوله: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (مت 7: 1)؟

 

س289: كيف يشتم السيد المسيح الناس وينعتهم بالكلاب والخنازير قائلًا: "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ" (مت 7: 6)؟ وألا يعتبر هذا تناقض مع قوله: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (مت 7: 1)؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

 ج: 1ــ قال سليمان الحكيم قديمًا أن: "مَنْ يُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا يَكْسَبْ لِنَفْسِهِ هَوَانًا وَمَنْ يُنْذِرْ شِرِّيرًا يَكْسَبْ عَيْبًا. لاَ تُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا لِئَلاَّ يُبْغِضَكَ. وَبِّخْ حَكِيمًا فَيُحِبَّكَ" (أم 9: 7، 8).. " فِي أُذُنَيْ جَاهِل لاَ تَتَكَلَّمْ لأَنَّهُ يَحْتَقِرُ حِكْمَةَ كَلاَمِكَ" (أم 23: 9)، فلا يجب أن نكرز بالإنجيل جزافًا للمتهاونين والمستهترين فيهزأون به وبنا، وهو ما عبر عنه السيد المسيح قائلًا: "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ" والقدس والدرر كناية عن كلمة الإنجيل والحقائق الإيمانية والأسرار الكنسية. ومنذ العهد القديم أوصى اللَّه بأن ذبيحة كبش الملء تُطبخ في مكان مقدس، ويأكل منها هارون وبنيه ومن كُفّر عنهم لتقدسهم: "وَأَمَّا الأَجْنَبِيُّ فَلاَ يَأْكُلُ لأَنَّهَا مُقَدَّسَــةٌ" (خر 29: 33). كما قال الكتاب: "وَكُلُّ أَجْنَبِيٍّ لاَ يَأْكُلُ قُدْسًا. نَزِيلُ كَاهِنٍ وَأَجِيرُهُ لاَ يَأْكُلُونَ قُدْسًا" (لا 22: 10). وأيضًا أوصى الرب هارون: "وَهأَنَذَا قَدْ أَعْطَيْتُكَ حِرَاسَةَ رَفَائِعِي.. قُدْسُ أَقْدَاسٍ هيَ لَكَ وَلِبَنِيكَ. فِي قُدْسِ الأَقْدَاسِ تَأْكُلُهَا.. كُلُّ طَاهِرٍ فِي بَيْتِكَ يَأْكُلُ مِنْهَا" (عد 18: 8 - 10).

 ونحن نحافظ على مقدساتنا مثل الإنجيل والحقائق الإيمانية وسر الأفخارستيا، فلا نقدمها إلاَّ لمن يقدّر قيمتها، وقد أوصى السيد المسيح تلاميذه: "وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَلَمْ يَقْبَلُوكُمْ فَاخْرُجُوا إِلَى شَوَارِعِهَا وَقُولُوا. حَتَّى الْغُبَارَ الَّذِي لَصِقَ بِنَا مِنْ مَدِينَتِكُمْ نَنْفُضُهُ لَكُمْ" (لو 10: 10، 11)، وكانت الكنيسة وما زالت حريصة كل الحرص على مقدساتها، حتى أن الموعوظين كانوا يحضرون فقط قداس الموعوظين حتى القراءات، ثم يخرجون وتُغلَق الأبواب، ويقول الشماس: "ليخرج جميع الذين هم في دور تعليم الحقائق المسيحية. ليخرج جميع الذين جاءوا للإستماع. ليخرج جميع الهراطقة" (709).

 وجاء في "كتاب الديداخي" الذي يرجع تاريخه إلى سنة 100م أن: "لا يأكل أحد ولا يشرب من أفخارستيتكم غير المعمدين بِاسم الرب، لأن الرب قد قال بخصوص هذا: "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب" (9: 5)" (710).

 ويقول "الراهب القمص أثناسيوس المقاري": "وتعبير " الكلاب " في قول الرب في (مت 7: 6) ينصب على غير المختونين أي الأمم، بحسب الإصطلاح اليهودي التقليدي. وهو ما قد انتقل إلى التقليد المسيحي ليعني غير المعمدين (انظر أع 11: 2، 3) وهكذا نرى أن التقليد اليهودي كان يمنع اليهودي من الأكل العادي مع غير المختونين" (711).

 والحقيقة أننا نقف في مفترق الطرق، ففي الوقت الذي فيه لا يجب أن نطرح تعاليمنا المقدَّسة أمام المستهزئين الساخرين، فأننا يجب ألا نكف عن الكرازة بالإنجيل، فنحن نحتاج روح التمييز والفطنة لنختار من نقدم لهم الحقائق الإيمانية، ومن نمتنع عن تقديمها لهم، فيجب أن نكون " مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ" (1 بط 3: 15) وأيضًا أن لا نطرح مقدساتنا ودررنا أمام من لا يستحقونها. ويقول "وليم باركلي": "سأل المجتمعون فتاة مسيحية في أفريقيا قائلين: "ما هيَ الطريقة التي تتبعونها يا ماريا لبث الدعوة بين الناس في بلادكم؟ " فقالت: "نحن لا نزع نبذًا، فالناس لا يقرأون، ولا نعظ فربما لا يفهم الناس الوعظ، لكننا نرسل أسرة أو أسرتين لتعيش وسط الناس، فيرى الوثنيون نوع الحياة المسيحية فيقبلونها ". إن الضعف الذي يراه الناس في المسيحية، ليس في ضعف الحجج المسيحية، بل في ضعف الحجج المسيحية التي يحياها الناس" (712).

 ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "نحتفل بالأسرار خلال الأبواب المغلقة، ونترك غير المعمدين خارجًا، ليس عن ضعف في الإقناع بخصوص أسرارنا، وإنما لأن كثيرين لم يستعدوا بعد لها بطريقة كاملة" (713).

 ويقول "القديس أغسطينوس": "لنتساءل.. ماذا يقصد الرب بالقدس والدرر؟ وما هو المقصود بالكلاب والخنازير؟

(1) القدس: الشيء المقدَّس هو الشيء الذي يكون من الكفر تدنيسه وإفساده، فمجرد المحاولة أو الرغبة في تدنيسه أو إفساده يعتبر جريمة حتى ولو لم يُدنَس الشيء أو يُفسَد.

(2) الدرر: يقصد به الأمور الروحية التي ينبغي أن تكون لها مكانة عظيمة في نظرنا، لأنها مخبأة في مكان خفي، كما لو كانت تُجلَب من العمق وتُغطَى بغطاء من الأمور كما لو كانت قشرة لها.

ويمكننا أن نفهم القدس والدرر على أنهما شيء واحد، لكنه دُعي " مقدَّسًا " بسبب وجوب عدم إفساده، وسُمي " دررًا " لوجوب عدم الإزدراء به، فالإنسان يسعى نحو إفساد ما لا يرغب في بقائه سليمًا، ويحتقر ما يحسبه تافهًا ومنحطًا. لذلك يُقال عن الشيء المُحتَقر أنه مدوس بالأقدام.

 يقول الرب: "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب " لأن الكلاب تهجم على الشيء وتمزقه.. أما الخنازير فتختلف عن الكلاب إذ لا تهجم على الشيء لتمزقه بأسنانها لكنها تدنسه إذ تدوسه بأرجلها بطياشة.. إذًا لنفهم "الكلاب" على أنها تشير إلى "مقاومي الحق"، والخنازير إلى "محتقري الحق"؟

 وهنا نلاحظ أن كلا من الكلب والخنزير نجس (بحسب الشريعة الموسوية) لهذا لنحذر من كشف الأمور المقدَّسة لمن لا يستطيع قبولها، مفضلين أن نتركه هو يطلب منا أن نكشف ما خفي عنه، عن أن نكشف له فيهاجم ويزدري. أن سر عدم قبولهم للأمور الروحية هيَ الكراهية التي بسببها دُعوا " كلاب "، والإزدراء الذي بسببه دُعوا " خنازير "..

 لا تظن أن ربنا أعطى القدس للكلاب أو طرح الدرر للخنازير، عندما نطق بكلمات لم يقبلها كثيرون من الحاضرين بل قاوموها وإحتقروها لأنه قدمها لمن كان في قدرتهم قبولها، وإن كان يوجد معهم من هم غير قادرين على قبولها، فوجود هؤلاء لا يمنعه من تقديمها لمن يقبلها.." (714).

 ولا يُغفل عنا أن السيد المسيح كان يكلم الجموع بالأمثال، ويختص التلاميذ بالأقداس إذ كان يشرح لهم، كما قدم لهم جسده ودمه في ليلة آلامه. كما أن قول السيد المسيح " لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ " تذكرنا بقول مخلصنا الصالح للمرأة الكنعانية: "لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب" (مت 15: 26) وتشبيه معلمنا بطرس الرسول لمن يرتد عن حياة القداسة كمثل كلب عاد إلى قيئه وخنزيرة عادت للتمرغ في الوحل (2 بط 2: 21، 22).

 ويقول "بنيامين بنكرتن": "الكلاب كناية عن الذين يقاومون الحق بلا ضمير ولا حياء، انظر (مز 22: 16، في 3: 2). والقدس حرفيًا هو شيء من تقدمات الرب الخاصة بعبادته وشركة كهنته معه (لا 6: 26)، فكما أنه لم يكن من الأمور اللائقة أن يعطى شيء منها للكلاب (قابل مت 15: 26)، هكذا يليق بنا أن نقدم الحقائق والإمتيازات الخاصة بالمؤمنين لأناس يكنى عنهم بالكلاب لأنها لا تخصهم وهم لا يريدونها، فقد كان لتلاميذ المسيح شيء ثمين كالقدس، وكالدرر، وكان عليهم أن يحفظوه من الذين لم يريدوه ولم يقدروا أن يميزوا قيمته حتى لا يعرضون للدوس من جهة، وحتى لا يعرضوا أنفسهم للنهش بغير إقتضاء من جهة أخرى"(715).

 

2ــ لا يعتبر قول السيد المسيح: "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ" (مت 7: 6) مناقضًا لقوله: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (مت 7: 1)، لأن الإنسان يحتاج لروح التمييز والفطنة، ولا ينساق وراء ضلالات تقوده للهلاك، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وأن يمزج الإنسان بساطته بالحكمة، لأن البساطة بدون الحكمة هيَ سذاجة، والحكمة بدون البساطة هيَ مكر ودهاء، والإنسان في بساطته الحكيمة لا يدين أحد، ولكنه في ذات الوقت يكون له روح التمييز والفطنة والحكمة، ولا يتخلى عن مسئولياته إذا كان أبًا مثلًا تجاه أولاده، أو رئيسًا تجاه مرؤوسيه، أو رجل بوليس، أو قاضيًا.. إلخ، وهذا ما عرضنا له في السؤال السابق، وأن يكون هذا الإنسان أيضًا أمين تجاه مقدساته، فهو من جانب لا يدين، ومن الجانب الآخر لا ينبغي أن يفرط في مقدساته، فكما أن الصرامة والشدة في إدانة الآخر أمر سيء، فهكذا عدم التمييز والإفراز وطرح المقدسات أمام الساخرين العابسين المستهترين أمر سيء وغير مقبول.

 ويقول "دكتور وليم إدي": "لا مناقضة بين هذا العدد (مت 6: 7) والعدد الأول (مت 7: 1)، لأنه أشار في الأول إلى الحكم الصارم بغير الحق وأشار في هذا إلى اعتبار الإنسان على ما هو عليه بالحق، فلا يجوز أن نعتبر الناس كلهم سواء، وأنهم قابلون التعليم على حد سوى، فينبغي أن ننظر النظر الصحيح لنعلم يقينًا من هم المستحقون الصداقة وبذل الجهد في سبيل منفعتهم ومن ليسوا كذلك. فيجب أن نعتزل من الجهة الواحدة صرامة الحكم، ومن الجهة الأخرى رخاوته، فلا يخطئ من اعتبر الكلب كلبًا والأثيم أثيمًا" (716).

 ويقول "م. فؤاد نجيب يوسف": "يختم المسيح الحديث عن الإدانة بعبارة تبدو أنها عكس حديثه السابق عن الإدانة حسب الفكر الشائع اليوم. التعليم عن الإدانة ليس هدفه إنكار أو تجاهل حقيقة الشر والتقليل من بشاعته، لكن الهدف هو عدم التدخل في حرية الآخر، كما يعاملنا اللَّه حتى عندما نخطئ. وفي نفس الوقت يلزم أن يكون لنا موقفًا واضحًا من الشر والأشرار، الذي يؤثر علينا حتى نتجنب أضرار شرورهم. المسيح هنا يحذر من الذين يدينون ويهاجمون مقدساتنا. ليصفهم بالكلاب والخنازير لأنهم يرفضون استخدام العقل فيتنجسون بفكرهم، فنجاسة فكرهم المعتم تمنعهم من رؤية الحق. المقدسات تستثيرهم جدًا وتغيظهم، لأنهم أسلموا ذهنهم المرفوض لإبليس فيتكلمون بكل كراهية العدو ضد حق المسيح: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللَّه لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا" (1كو 2: 14). لذلك يجب تجنب طرح المقدسات وأسرار الروح القدس أمام من يرفضها. اللالئ هيَ مقتنيات الروح التي ندركها بطول أناة. الحوار مع غير المؤمنين والملحدين يصل اليوم لدرجة من القبح ما يسيء جدًا للمقدسات المسيحية.. فيلزم عدم مناقشة المقدسات مع الجهلة: "وَأَمَّا الْمُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ وَالأَنْسَابُ وَالْخُصُومَاتُ وَالْمُنَازَعَاتُ النَّامُوسِيةُ فَاجْتَنِبْهَا لأَنَّهَا غَيْرُ نَافِعَةٍ وَبَاطِلَةٌ" (تي 3: 9)" (717).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(709) أورده وليم باركلي - تفسير العهد الجديد - المجلد الأول ص158.

(710) الديداخي أي تعليم الرسل ص175.

(711) المرجع السابق ص120.

(712) تفسير العهد الجديد - المجلد الأول ص159.

(715) تفسير إنجيل متى ص116، 117.

(716) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل جـ 1 بشارة متى ص102.

(717) وثيقة الحرية - الموعظة على الجبل - دراسة تحليلية روحية نقدية ص116، 117.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/289.html