St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 253- كيف يعد السيد المسيح أنقياء القلب بأنهم يعاينون اللَّه (مت 5: 8) مع أن اللَّه قال لموسى: "لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ" (خر 33: 20)؟

 

س253: كيف يعد السيد المسيح أنقياء القلب بأنهم يعاينون اللَّه (مت 5: 8) مع أن اللَّه قال لموسى: "لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ" (خر 33: 20)؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: سبق الإجابة على هذا التساؤل بصورة أخرى فيُرجى الرجوع إلى (مدارس النقد - عهد قديم جـ 6 س690، س710).

 

1- لا أحد يستطيع أن يعاين الجوهر الإلهي، فاللَّه في جوهر لاهوته لا يمكن لأي كائن أن يطلع عليه، ولذلك قيل عن الشاروبيم والسيرافيم المحيطون بالعرش الإلهي أنهم يغطون وجوههم بجناحين، وأرجلهم بِاثنين، ويطيرون بِاثنين. وإن كان يستحيل على الإنسان أن يُحملّق في الشمس في رابعة النهار بالعين المجردة دون أن يفقد بصره، فما بالك بخالق الكون. كما أن "اللَّه روح" (يو 4: 24)، فكيف يتسنى للإنسان الذي يعيش في الجسد أن يراه؟! ولذلك قال الكتاب عن موسى: "وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ" (عد 12: 8)، فعندما طلب موسى من اللَّه أن يرى مجده، قال له اللَّه: "مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى" (خر 33: 22، 23)، وجاء في القرآن: "وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قـَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" (الأعراف 7: 143).

والرؤية ثلاثة أنواع:

أ - رؤية الحواس: واللَّه روح لا يُرى ولا يُدرَك بالحواس.

ب- رؤية العقل: وعقل الإنسان المحدود من المستحيل أن يدرك اللَّه غير المحدود.

جـ- رؤية الإيمان: وهذه تتوفر لأنقياء القلب الذين يعيشون حياة القداسة.

ويعلن اللَّه لنا ذاته بالطريقة التي نحتملها، فيقول "القديس أمبروسيوس": "إننا لا نعاين اللَّه في مكان ما، بل نعاينه في القلب النقي. لا نبحث عنه بالعين الجسدية فأنه لا يُحَد بالنظر ولا بسمع الأذن ولا يُعرَف بخطواته.. من استطاع أن يدرك ما هو العرض والطول والعمق والعلو ويعرف محبة المسيح الفائقة المعرفة (أف 3: 18، 19) فأنه يرى المسيح ويرى الآب أيضًا، لأننا "الآنَ لاَ نَعْرِفُ أَحَدًا حَسَبَ الْجَسَد" (2 كو 5: 16) بل حسب الروح.. فليترأف اللَّه علينا ويرحمنا ويملأنا من ملء اللَّه حتى نستطيع أن نعاينه" (541).

2- في القديم: "صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ وَنَادَابُ وَأَبِيهُو وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ. وَرَأَوْا إِلهَ إِسْرَائِيلَ وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ شِبْهُ صَنْعَةٍ مِنَ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ الشَّفَّافِ وَكَذَاتِ السَّمَاءِ فِي النَّقَاوَةِ" (خر 24: 9، 10)، فقد سمح اللَّه أن يتجلى أمامهم بصورة ما، فشاهدوا وميضًا من مجده على قدر طاقتهم وإحتمالهم، ليكونوا شهودًا أمام الشعب بأن اللَّه كائن معهم، ورآه إشعياء النبي: "رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ" (إش 6: 1)، كما رآه حزقيال النبي (حز 1: 39)، وقال نبوخذ نصر: "هَا أَنَا نَاظِرٌ أَرْبَعَةَ رِجَال مَحْلُولِينَ يَتَمَشَّوْنَ فِي وَسَطِ النَّارِ وَمَا بِهِمْ ضَرَرٌ وَمَنْظَرُ الرَّابعِ شَبِيهٌ بِابْنِ الآلِهَة" (دا 3: 25)، ورآه دانيال النبي: "كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ" (دا 7: 13)، ورآه يوحنا الحبيب في رؤياه (رؤ 1: 16، 17)، ويراه أنقياء القلوب.

 

3ــ كلمة "أنقياء" في اللغة اليونانية لها استخدامات عديدة، فهيَ تعبر عن النظافة، فالملابس بعد غسلها هيَ ملابس نقية، كما تعبر عن فصل التبن عن القمح، وتشير أيضًا إلى تنقية صفوف الجيش من الخائفين، وتعبر عن عدم الغش، مثل غش اللبن بمزجه بالماء، ويقول "وليم باركلي" إن العبارة تعني: "طوبى لأصحاب النيات غير المغشوشة، والدوافع غير المختلطة.. يالسعادة الإنسان الذي تصفو دوافعه ونياته، فإن مثل هذا الإنسان يستطيع أن يرى اللَّه"(542).

وأنقياء القلب يعاينون اللَّه من خلال أعماله الإلهيَّة، فنظرة الفلكي للنجوم حتمًا تختلف عن نظرة الإنسان العامي الذي لا يدرك عمق الحكمة التي كونت هذا الكون ووضعت له القوانين التي تحكمه، ونظرة عالِم النبات للنباتات والزهور والثمار تختلف عن نظرة الإنسان العامي، ونظرة الطبيب الجراح لأجهزة جسم الإنسان حتمًا تختلف عن نظرة الإنسان العامي البسيط الذي لا يدرك الإبداع الإلهي في خلقة الإنسان.

ويقول "القديس أيرينيؤس": "هذا هو ما يعنيه أولئك الهراطقة.. إذًا، أوضحوا مقدمًا أن اللَّه يجب أن يراه الناس، كما يقول الرب أيضًا: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللَّه" (مت 5: 8). أما من جهة عظمته ومجده العجيب: "الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ" (خر 33: 20) لأن الآب غير ممكن إدراكه، أما من جهة محبته ولطفه.. هذه يمنحها للذين يحبونه، أي أن يروا اللَّه.. لأن الإنسان لا يرى اللَّه بقدرته، بل حيثما يريد (اللَّه) فأنه يُرىَ من الناس، الذين يريدهم، وحيثما يريد، وكما يريد" (الكتاب الرابع 20: 5) (543).

 

4- القلوب النقية تعاين اللَّه، فقال داود النبي: "أَمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ. أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ" (مز 17: 15)، والذين يحيون حياة القداسة يعاينون اللَّه كقول الكتاب: "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ" (عب 12: 14)، ويقول "القديس أغسطينوس": "يالغباوة الباحثين عن اللَّه بهذه العيون الخارجية، إذ لا يُرىَ اللَّه إلاَّ بالقلب، وذلك كما هو مكتوب في موضع آخر "التمسوه بقلب سليم" (حك 1: 1)، لأنه ما هو القلب النقي سوى القلب السليم والبسيط. وكما أن هذا النور لا يُرىَ إلاَّ بعيون نقية، وكذا لا يُرىَ اللَّه ما لم يكن ذاك الذي يراه (أي القلب) نقيًا" (544).

كما يقول "القديس أغسطينوس": "لا تستسلموا للتفكير بأنكم سترون اللَّه وجهًا جسديًّا لئلا بتفكيركم هذا تهيئون أعينكم الجسدية لرؤيته فتبحثون عن وجه مادي للَّه.. تنبهوا من هو هذا الذي تقولون له باخلاص: "لك قال قلبي.. وجهك يارب أطلب ".. فلتبحثوا عنه بقلوبكم" (545). والذين عاينوا السيد المسيح بإيمان رأوا فيه صورة الآب، كقوله: "وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 12: 45).. " اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" (يو 14: 9).

ويقول "الأب متى المسكين": "يقول الرب أن أنقياء القلب يعاينون اللَّه يكون قد أعطى اللَّه استثناء على أساس أنه هو الذي يخلقه في الإنسان: "قلبًا نقيًا إخلق فيَّ يا اللَّه ". وصفة نقاوة القلب تكون حينما يستطيع أن يرى اللَّه صورته واضحة في قلب الإنسان، حينئذ يستطيع الإنسان وبقلبه النقي أن يعاين اللَّه بالمقابل. وبولس الرسول أعطانا كيف نحصل على صورة اللَّه في القلب: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ كَمَا في مِرْآةٍ نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ" (2 كو 3: 18)" (546).

 

5- يعاين أنقياء القلوب اللَّه في الأبدية السعيدة: "وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (1 يو 3: 2).. " وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ" (رؤ 22: 4)، ويقول "القديس أغسطينوس": "لأن القلب يحوي العيون التي تعاين اللَّه، هذه العيون يتحدث عنها الرسول بولس قائلًا: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ" (أف 1: 18). أنها تستنير الآن بالإيمان إذ يتناسب مع ضعفها، أما في الأبدية فستنير بمعاينة اللَّه بسبب موتها. " فَإِذًا.. نَحْنُ مُسْتَوْطِنُونَ فِي الْجَسَدِ فَنَحْنُ مُتَغَرِّبُونَ عَنِ الرَّبِّ. لأَنَّنـَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَانِ" (2 كو 5: 6، 7). وإذ نسلك الآن بالإيمان يُقال عنا: "فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ" (1 كو 13: 12)" (547).

ويقول "متى هنري":" (1) إن "رؤية اللَّه" هيَ كمال سعادة النفس، ورؤيته بالإيمان ونحن في الجسد هيَ السماء على الأرض، ورؤيته بالعيان بعد الإنتقال من الجسد هيَ سماء السماء. أن سعادة السماء هيَ أن نراه "كما هو" وجهًا لوجه وليس في لغز كما في مرآة، أن نراه إلهًا لنا، أن نراه ونفرح به، أن نراه ونتمثل به ونمتلئ من شبهه" (مز 17: 15). أن نراه إلى الأبد ولا نغض الطرف عنه أبدًا.

(2) إن سعادة رؤية اللَّه قد وعد بها "لأنقياء القلب" فقط.. لأنه أية لذة تجدها النفس الدنسة في رؤية اللَّه القدوس، وكما أن اللَّه لا يحتمل رؤية إثمهم، هكذا لا يحتملون هم رؤية قداسته. وكذلك لا يمكن أن يدخل أورشليم الجديدة شيء دنس. بل جميع " أنقياء القلب " جميع الذين تقدَّسوا بالحق، لهم في داخلهم رغبات لا يشبعها إلاَّ رؤية اللَّه، والنعمة الإلهية لا يمكن أن تترك هذه الرغبات دون إشباعها" (548).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(542) تفسير العهد الجديد - المجلد الأول ص72، 73.

(543) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد - ضد الهرطقات جـ 2 ص186، 187.

(546) الإنجيل بحسب القديس متى ص224.

(548) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير إنجيل متى جـ 1 ص132.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/253.html