St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 252- عندما قال السيد المسيح: "طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ" (مت 5: 6) ماذا كان يقصد بالبر؟ وهل البر يُوكَل ويُشرَب؟ وهل المقصود بالبر هنا "بر الناموس"؟ وهل هناك علاقة بين "البر" و"الرحمة" (مت 5: 7)؟

 

س252: عندما قال السيد المسيح: "طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَـى الْبِرِّ لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ" (مت 5: 6) ماذا كان يقصد بالبر؟ وهل البر يُوكَل ويُشرَب؟ وهل المقصود بالبر هنا "بر الناموس"؟ وهل هناك علاقة بين "البر" و"الرحمة" (مت 5: 7)؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ طوَّب الرب يسوع النفوس المشتاقة لبره وصلاحه، وكرَّر ذات المعنى في قوله: "اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللَّه وَبِرَّهُ" (مت 6: 33)، وليس المقصود بالبر "بر الناموس"، بل البر والصلاح الإلهي الذي قال عنه اللَّه بلسان إشعياء النبي: "قَرِيبٌ بِرِّي. قَدْ بَرَزَ خَلاَصِي وَذِرَاعَايَ يَقْضِيَانِ لِلشُّعُوب" (إش 51: 5)، والإنسان يعطش للبر والصلاح الإلهي، ولذلك قال اللَّه قديمًا: "أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا. هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ.." (إش 55: 1). وعندما جاء السيد المسيح إلى أرضنا وقال " طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرّ" فأنه كان يقصد البر الذي فيه، بر يسوع المسيح الذي تنبأ عنه دانيال النبي قائلًا: "سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايـَا وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ" (دا 9: 24)، فالسيد المسيح هو البر الأبدي، هو كمال البر وغايته.

وإن كان قديمًا قد أشبع اللَّه شعبه من المن السماوي ورواه من الصخرة الصماء التي تفجرَّت منها المياه، فإن السيد المسيح قال عن نفسه: "لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ.. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا" (يو 6: 32، 35)، وقال بولس الرسول: "وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ" (1 كو 10: 4)، فالبر هو المسيح كمال وتمام كل صلاح وفضيلة، ومن يريد أن يقتني البر عليه أن يقتني المسيح ذاته.

 

2- هناك من يجوع ويعطش بسبب الفقر المدقع أو الظروف القاسية التي يقع فيها الإنسان مثل التهجير والهروب من الخطر، وهناك من يجوع ويعطش بسبب الأصوام، ولم يقصد السيد المسيح هذا أو ذاك، إنما قصد من يجوع ويعطش إلى البر، البر الذي في المسيح، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. والذي ينال عطية البر ينال الحياة الأبدية: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رو 5: 17)، لذا يجب أن ننمي داخلنا الاشتياقات الروحية للبر، فيقول "وليم باركلي": "فالجوع والعطش، كما اختبرهما الناس قديمًا، لم يكونا مجرد إحساس بالمعدة الفارغة بين الوجبات، أو رغبة في إرواء ظمأ عادي بقليل من الماء. كان الجوع تلهفًا نحو الحياة، وكان العطش إحتراقًا من شدة الظمأ. فكأنما هذا التطويب إنما هو تحد للقلب الإنساني، يسأله عن مقدار الرغبة في البر والصلاح.. هل تصل أشواقه إلى الدرجة التي تعادل فيها شوق الإنسان، الذي أوشك على الموت جوعًا إلى الطعام.. ورغبة المحترق من الظمأ إلى الماء؟ إن كثيرين يرغبون في البر والصلاح، لكن رغبتهم رغبة عادية، وليست أشواقًا جارفة متطلعة إلى البر، أكثر من أي شيء في الوجود" (539).

 

3ــ هناك ارتباط قوي بين البر والرحمة، فمن يقتني البر (المسيح) تفيض منه الرحمة كأمر طبيعي بدون جهد ولا تكليف، فالبر يعبر عن توجه الإنسان تجاه اللَّه، والرحمة تعبر عن توجه الإنسان نحو الآخرين من البشر، وما أجمل قول ميخا النبي: "وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ" (مي 6: 8)، وعمل الرحمة هنا ليس مجرد العطف والشفقة على من يجوز في ظروف صعبة، إنما تعني أن الإنسان يضع نفسه محل الإنسان المتألم، يشعر بمشاعره ويحس بأحاسيسه. الرحمة هيَ أن نرحم الناس بالأسلوب الذي يحتاجون إليه هم، وليس بأسلوبنا نحن. ويقول "وليم باركلي" معنى هذا التطويب: "يالسعادة الإنسان الذي يشترك إشتراكًا فعليًا في ظروف غيره من الناس، إلى حد يجعله يرى بعيونهم، ويفكر بأفكارهم، ويحس بأحاسيسهم، فأنه إن فعل ذلك، سيجد أن الغير سيعملون معه هذا الشيء بعينه، وسيعرف أن هذا هو ما فعله اللَّه معنا في شخص يسوع المسيح" (540). ومن نتائج الرحمة راحة الضمير، واختبار مراحم اللَّه في الحياة الحاضرة وفي الأبدية.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(539) تفسير العهد الجديد - المجلد الأول ص69.

(540) المرجع السابق ص71.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/252.html