St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 198- وُلِد يسوع في بيت لحم اليهودية (مت 2: 1) فلماذا وصفها باليهودية؟ ولماذا جاء إليها يوسف ومريم للاكتتاب مع أنه كان يمكنهما أن يفعلا ذلك في الناصرة؟ ولماذا لم يحضر يوسف لوحده في بيت لحم ولاسيما أن الاكتتاب يخص الرجال فقط، وبهذا كان يجنب العذراء مريم مشقة الرحلة وهيَ في شهرها الأخير؟

 

س198: وُلِد يسوع في بيت لحم اليهودية (مت 2: 1) فلماذا وصفها باليهودية؟ ولماذا جاء إليها يوسف ومريم للاكتتاب مع أنه كان يمكنهما أن يفعلا ذلك في الناصرة؟ ولماذا لم يحضر يوسف لوحده في بيت لحم ولاسيما أن الاكتتاب يخص الرجال فقط، وبهذا كان يجنب العذراء مريم مشقة الرحلة وهيَ في شهرها الأخير؟

يقول "فراس السواح": "وبما أن " أفراتة " التي يذكرها هذا النص تقع في منطقة الجليل، على ما نفهم من عدة مواضع في سفر التكوين، وفيها تقع مدينة بيت لحم الجليلية، التي كان مؤلف متى يعرفها جيدًا، فقد عمد إلى التلاعب بنص العهد القديم وحوَّل بيت لحم أفراته الصغيرة على أن تكون بين ألوف يهوذا، إلى بيت لحم أرض يهوذا التي ليست أصغر ولايات يهوذا، ومنها يخرج والٍ يرعى شعب إسرائيل" (289).

كما يقول "فراس السواح" أيضًا: " وعلى كلٍ، فإذا كانت قصة الميلاد في بيت لحم ذات أصل تاريخي، فإن المدينة المرشحة لأن تكون مكان الميلاد ليست بيت لحم اليهودية، وإنما مدينة أخرى في الجليل تحمل الاسم نفسه. أن ما لا يعرفه الجميع، وما تم التعتيم عليه تاريخيًا هو وجود مدينة في الجليل تحمل اسم بيت لحم تقع مقابل السفوح الشمالية الشرقية لجبل الكرمل، وقد كانت هذه المدينة قائمة ومزدهرة خلال حياة يسوع، على ما تثبته نتائج التنقيب الأثري في موقعها، والتي يرجع بتاريخها إلى نحو القرن السابع قبل الميلاد. وبيت لحم الجليل هذه تظهر في المصوَّرات الجغرافية القديمة، ومنها مصوَّر بطليموس الذي يعود بتاريخه إلى عام 160م" (290).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ بيت لحم اليهودية، ودُعيت بيت لحم أفراته (مي 5: 2)، وهيَ قرية صغيرة تقع جنوب غربي أورشليم بنحو ثمانية كليومترات، وهيَ في أرض سبط يهوذا ولذلك دُعيت أيضًا " بَيْتِ لَحْمِ يَهُوذَا" (قض 17: 7) سكنت فيها راعوث الموآبية (را 1: 19) ووُلِد فيها داود الملك (1 صم 16: 1)، فكان ينبغي أن يُولَد فيها ابن داود، ودُعيت بيت لحم اليهودية، أو يهوذا تميّيزًا لها عن قرية "بيت لحم" التي في أرض زبولون (يش 19: 15) التي تبعد نحو إحدى عشر كيلومترًا غرب مدينة الناصرة (يُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س3).

وعلى حدود بيت لحم شُيَّد برج دُعي "برج القطيع" يقف فيه حراس قطعان الغنم المخصصة كذبائح للهيكل، والأمر الرائع أن ميخا النبي تنبأ عن هذه القرية وولادة ملك إسرائيل فيها قائلًا: " وَأَنْتَ يَا بُرْجَ الْقَطِيعِ أَكَمَةَ بِنْتِ صِهْيَوْنَ إِلَيْكِ يَأْتِي. وَيَجِيءُ الْحُكْمُ الأَوَّلُ مُلْكُ بِنْتِ أُورُشَلِيمَ" (مي 4: 8)، فلا يحق للناقد أن يدَّعي أن متى الإنجيلي غيَّر القصد من النبؤة، فالدليل قاطع أن ميخا يقصد بيت لحم التي في أرض يهوذا، وفي س202 سنعرف لماذا دعا ميخا النبي بيت لحم ببيت لحم أفراته.

 

2ــ صدر أمر الإكتتاب هذا من الإمبراطوري الروماني "أوغسطس قيصر" نحو (30 ق.م - 14م) و"أوغسطس" لقب منحه له مجلس الشيوخ الروماني ويعني "المبجَّل" (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س11)، وكانت فلسطين ضمن ولاية سوريا التي كان يحكمها حينذاك "كيرينيوس". وجاء في "دائرة المعارف الكتابية": " كيرينيوس.. وكان اسمه بالكامل "بيليوس سلبسيوس كيرينيوس" (Publius Sulpieius Quirinius). وكان عضوًا في مجلس الشيوخ الروماني ثم أُنتخب قنصلًا، فكان صاحب مركز رفيع (كما يقول يوسيفوس). وقد أرسله أوغسطس قيصر إلى سورية للإشراف على الاكتتاب الذي أمر به توطئة لتحصيل الضرائب المقررة"(291).

والهدف من الاكتتاب تحديد معالم الخدمة العسكرية، والضرائب، ونصَّ مرسوم الإكتتاب على أن كل شخص يكتتب في مدينته: " فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ. فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِه" (لو 2: 3، 4)، وقد استشهد فيما بعد كل من الشهيد يوستين والعلامة ترتليان بسجلات الأمبراطورية الرومانية للتدليل على أن يسوع من بيت داود الملك عن طريق أبيه يوسف (بالتبني) وأمه مريم. وجاء في "دائرة المعارف الكتابية": " وُجِد مرسوم صدر في مصر في عام 104م، أصدره " فيبيوس مكسيموس" (Vibius Maximus) يأمر كل الأشخاص " بالرجوع إلى مواطنهم " للاكتتاب، وهو أمر يطابق ما ذكره البشير لوقا عن الاكتتاب" (292). وهذا الإحصاء الأول يختلف عن الإحصاء الثاني الذي جرى سنة 6م وأشار إليه سفر الأعمال (أع 5: 17).

 

3ــ لم يكن الاكتتاب قاصرًا على الرجال فقط بحسب العرف اليهودي في الإحصاء إذ يحصون الرجال القادرين على الحرب من سن العشرين فصاعدًا، إنما شمل الاكتتاب الروماني الرجال والنساء والممتلكات، ولاسيما أن الفتاة كانت ملزمة بدفع ضريبة الرعاية من سن الثانية عشر، وهذا ما ألزم يوسف أن يصطحب معه مريم امرأته وهيَ حامل في شهرها الأخير، فسافر من الناصرة إلى بيت لحم: " لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ" (لو 2: 5) أي أن الاكتتاب يخص الاثنين يوسف ومريم، فكان يوسف ملزمًا بإصطحاب مريم العذراء بالرغم من مشقة الطريق الذي يمتد صعودًا وهبوطًا بطول نحو (110) كم، يستغرق على الأقل ثلاثة أيام.

ويتأمل "الأب متى المسكين" في هذه الرحلة قائلًا: " وهناك على الطريق من الجليل إلى بيت لحم كان يسير معًا يوسف والعذراء القديسة ممتطية الدابة، يسندها يوسف، يتحدثان عن رؤى القدير والمصير، وإذا سألتهما إلى أين؟ يقولان أنه أمر قيصر أن نذهب ونُكتب في مدينة أجدادنا الذي ورثنا منهم اسم داود، ودماؤه لا تزال تجري في عروقنا، زرقاء هيَ وملكية!! حقيران للغاية في منظرهما لدى العالم وقيصر، ولكن كان يضعان أساس مملكة المسيا التي ستقتلع قيصر وروما وكل إمبراطوريات العالم فيما هو آتٍ من الزمان لتسود مملكة السماء:

" كُنْتَ تَنْظُرُ إِلَى أَنْ قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ.. فَصَارَ جَبَلًا كَبِيرًا وَمَلأَ الأَرْضَ" (دا 2: 34، 35).. وهنا تعجب من التدبير الإلهي المتقَن، كيف سخَّر اللَّه الحوادث وأخضع تاريخ العالم ليُسجّل ميلاد المسيح في سجلات أعظم دولة!! إذ أصبح العالم يؤرخ منذ ذلك اليوم لميلاد المسيح: " A.D " "بعد الميلاد".. فإن أوغسطس قيصر ليس من ذاته وخياله أمر بالإكتتاب المسكوني العام، بل هو عمل اللَّه الذي على أساسه وُلِد قيصر وقامت روما!"(293).

 

4ــ لقد أدرك القديس يوسف القصد الإلهي من مرسوم الإكتتاب هذا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. فاصطحب معه العذراء مريم التي تحملت مشقة السفر، ويقول "الأب متى المسكين": " إن يوسف أدرك بالروح ومن ملابسات إعلان الملاك أنه قد أصبح مسئولًا أمام اللَّه والتاريخ عن عودة العذراء مع ابنها المنتظر، وهو "المخلص" رجاء كل اليهود والعالم إلى مدينة أبيه داود، بيت لحم اليهودية، ليُولَد فيها حسب النبوات وحسب رجاء كل اليهود الأمر الذي جعله يحمل همَّ وبركة رحلة العذراء السريعة وهيَ حامل في شهرها الأخير ليتم ميلاد الطفل في مدينة بيت لحم مهما كلَّفه من جهد ومخاطر، واثقًا أن الأمر يخص اللَّه وهو الذي سيعوله. لهذا كان يوسف سريع الحركة للقيام بهذه المخاطرة غير هيَّاب، إذ لم يكن دافعها الإكتتاب بالنسبة لنفسه، ولكن بالأكثر تسجيلًا لميلاد "يسوع" المخلص في مدينة داود أبيه. وهذا هو سر الرد على الذين يعترضون كيف يأخذ معه العذراء ويجشّمها مشقة هذا السفر الخطر وهيَ مجرد مخطوبة وليست محسوبة أنها امرأته؟ علمًا بأن الملاك كلفه رسميًا بأن يمثل نفسه أبًا للطفل عندما أمره أن يأخذ العذراء الحامل وهيَ مخطوبة امرأة له رسميًا، ذلك بحسب اللَّه، ليتصدى أمام العالم بأنه رجل مريم وأبو الولد!!" (294).

 

5ــ الأمر العجيب أن الاكتتاب الروماني كان يسمح لكل شخص أن يسجل بياناته في محل إقامته، بينما الاكتتاب اليهودي كان يحرص على أن كل شخص يسجل اسمه بحسب سبطه وعشيرته، وبتدبير إلهي جاء هذا الاكتتاب الروماني يؤكد أن كل شخص يسجل اسمه في موطنه الأول، لتتم نبؤة ميخا النبي عن ميلاد يسوع المسيح في بيت لحم (مي 5: 2).

ويقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " لو تم الاكتتاب الأول على النظام الروماني، لما تحتم على مريم العذراء أن تترك الناصرة. لأن نظام الاكتتاب عند الرومان يُجيز لكل واحد أن يكتب اسمه في أي مكان يتفق له الوجود فيه ساعة الاكتتاب. ولكن الرومان، ممالئة منهم لليهود - من جانبهم، وتنفيذًا لقضاء اللَّه وهم لا يعلمون أمروا بأن يتم هذا الإكتتاب على النظام اليهودي، الذي يحتم بأن يُكتتب كل إنسان في البلد الأصلي الذي ينتسب إليه.

ومن هنا نرى أن سلطة الرومان وحدها لم تكن كافية لتنفيذ قضاء اللَّه، لولا تزرعها بالنظام اليهودي. وإن النظام اليهودي وحده من غير أن تدعمه سلطة الرومان، كان عاجزًا عن إتمام ما سبق فقضى به اللَّه. فكان من الضروري أن تتفق هاتان القوتان المتناقضتان - السلطة الرومانية الوثنية والنظام اليهودي الديني - لتنفيذ قضاء اللَّه بوجوب ولادة المسيح في بيت لحم، لا في الناصرة حيث تسكن أمه. "فذهب الجميع" إطاعة للأمر الروماني المصطبغ بالصبغة اليهودية "ليكتتب كل واحد في مدينته". لأن الإحصاء كان يتم بالأسباط، فالعشائر، فالبيوت، فالأفراد (عد 1: 2)"(295).

 

6ــ وجاء في كتاب "شهادة علم الآثار للكتاب المقدَّس": " لقد أكد هؤلاء النُقَّاد بأن أوغسطس قيصر لم يصدر على الإطلاق أمرًا بأن يكتتب كل المسكونة، وبأنه لو أصدر أمرًا كهذا لما سرى مفعوله إلى فلسطين، وبأنه لو وصل إلى فلسطين لما كانت ضرورة أن يذهب يوسف أو على الأقل مريم إلى مدينتهما - بيت لحم - ليكتتبا، وأكدوا فوق هذا أن كيرينيوس لم يحكم سوريا في أيام هيرودس.

على أن الآثار التي أُكتشفت في مصر وآسيا الصغرى قد أيدت كل هذه الحقائق التي أثبتها لوقا. قال أحد العلماء: "إن الاكتشافات قد أثبتت صحة جميع التفاصيل التي ذكرها لوقا عن هذا الاكتتاب أو الإحصاء وطبيعته وتاريخه.. وقد أعطانا لوقا بهذا الوصف صورة واضحة جدًا عن عمل جليل قامت به الحكومة الرومانية في ذلك العصر ".." (296).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(289) الوجه الآخر للمسيح ص 23 ، 24.

(290) المرجع السابق ص119.

(291) دائرة المعارف الكتابية جـ 6 ص456.

(292) المرجع السابق ص 457.

(293) الإنجيل بحسب القديس لوقا ص124.

(294) الإنجيل بحسب القديس لوقا ص125، 126.

(295) شرح بشارة لوقا ص41، 42.

(296) م. م. هودجكن - تعريب القمص مرقس داود ص47 ، 48.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/198.html