St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 144- مَنْ هو القديس متى كاتب "إنجيل متى"؟ ما هو موطنه، وماذا كان عمله؟ وهل هو "لاوي بن حلفى" الذي دعاه السيد المسيح من مكان الجباية وصيَّره من التلاميذ الاثني عشر؟

 

س144 (1) مَنْ هو القديس متى كاتب "إنجيل متى"؟ ما هو موطنه، وماذا كان عمله؟ وهل هو "لاوي بن حلفى" الذي دعاه السيد المسيح من مكان الجباية وصيَّره من التلاميذ الاثني عشر؟

 يقول "د. موريس بوكاي": "ما هيَ شخصية متى..؟ لنقل صراحة أنه لم يعد مقبولًا اليوم القول أنه أحد حواريي المسيح. وبرغم ذلك يقدمه.. أ. تريكو على أنه كذلك في تعليقه على ترجمة العهد الجديد (المنشورة عام 1960م) يقول: "اسمه متى، واسمه قبل ذلك ليفي، وكان عشارًا أو جابيًا بمكتب الجمارك أو ضرائب المرور بكفر ناحوم عندما دعاه المسيح ليجعل منه أحد تلاميذه". وذلك ما كان يعتقده آباء الكنيسة مثل أوريجين وجيروم وأبيفان. ولكن لم يعد أحد يعتقد هذا في عصرنا" (2).

 ويقول "د. محمد عبد الله الشرقاوي": " إننا لا نجد أي دليل على أن اسم متى كان اسم التنصير للاوي" (3).

 ويقول "ع.م جمال الدين شرقاوي": " إن كاتب إنجيل متى ليس هو لاوي بن حلفى تلميذ المسيح عليه السلام، فراجع بين الفقرتين (مر 2: 14، لو 5: 27) من أن التلميذ العشار جامع الضرائب كان يُدعى لاوي بن حلفى ومع إنجيل متى (9: 9) الذي يذكر أن التلميذ العشار جامع الضرائب كان يُدعى متى. ولا يوجد إثبات واحد يعتد به لدي آباء الكنائس المختلفة سواء من الأوائل أو من الأواخر يفيد بأن لاوي بن حلفى هو متى..!!" (4).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

 ج: 1ــ القديس متى من كفر ناحوم، وعمل جابيًا للضرائب في تلك المدينة، وكان الذين يجمعون الضرائب والجزية لصالح الإمبراطورية الرومانية فئتين متميزتين، الفئة الأولى من وجهاء الرومان ومشاهيرهم، والفئة الثانية من اليهود والعشارين الذين كانوا مُبغضين من قِبل الشعب، فهم في نظر الشعب ولاسيما الفريسيين خوَّنة يتعاونون مع المستعمر الروماني، فكان الكثيرون يشمئزون من التعامل معهم، حتى أنهم يرسلون لهم الضرائب مع الخدم، ولا يحيُّونهم متى التقوا بهم، والعشارون من جانبهم أفرزوا أنفسهم بعيدًا عن الحياة الدينية، مُنشغلين بحياة اللذة والترف والطمع، فيحاولون جمع أقصى ما يستطيعون من أموال الشعب المطحون، فارتبط اسمهم بالخطاة (مت 9: 10) وصاروا محتقرين من بني جلدتهم، وكان متى واحدًا من هؤلاء المُبغِضين المبغَضين، يجبي الضرائب من التجار العابرين بالمدينة من سوريا عبر بحيرة طبرية في طريقهم إلى روما أو إسكندرية أو قبرص.

 وكان نظام الضرائب الروماني نظامًا قاسيًا لا يرحم، وجباة الضرائب كانت لديهم الضبطية القضائية، فمن يمتنع عن دفع الضرائب، المقرَّرة جزافيًا ومُبالغ فيها، يقبضون عليه ويقودونه للقضاء الذي غالبًا ما يتحيَّز لهؤلاء العشارين. وكان جباة الضرائب يوقفون التجار أمامهم وقتًا طويلًا، يأمرونهم بفرش كل بضائعهم التي تحملها الدواب والجمال على الأرض، يفتشون فيها بدقة، حتى أنهم يفضون الخطابات المُغلقة، وكانت الضرائب تُفرض على كل شيء حتى على العبيد والإماء، وأيضًا الأحرار ذكورًا وأناثًا، فالفتاة تخضع للضريبة من سن الثانية عشر، والفتى من سن الرابعة عشر (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س26).

 وكان القديس متى كشخص يهودي مثقَّف يتكلم الأرامية، ويجيد العبرية، وبحكم وظيفته يجيد اللغة اليونانية لغة التعامل مع الدولة، وهو على قدرٍ عالٍ من الثقافة، يجيد إمساك الدفاتر وخبير بالحسابات والأرقام والعملات، يعيش حياة الرفاهية والظلم، وغناه واضح من الوليمة العظيمة التي صنعها للسيد المسيح ودعى إليها الكثيرين من العشارين الذين كانوا يأنسون للمسيح لأنه أحسن معاملتهم ولم يشمئز منهم كالفريسيين.

 

2ــ عاش متى العشار في كفر ناحوم المدينة التي انتقل إليها السيد المسيح، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. " وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ" (مت 4: 13)، واستمع "متى" لتعاليم السيد المسيح وأُعجب بها، وشاهد معجزاته فأدرك أنه من عند اللَّه جاء، وشعر بدفء محبته التي خلخلت محبة المال في قلبه، وصار لديه الاستعداد الداخلي لأي تضحية من أجل هذا المعلم العظيم، الذي يُعلّم بسلطان، وبكلمة يصنع المعجزة، ولذلك بمجرد أن دعاه الرب يسوع وهو في مكان عمله على الفور لبى الدعوة، وترك كل شيء وتبعه، ولم يفعل مثل الشاب الغني الذي دعاه السيد المسيح أن يبيع كل ماله ويتبعه، فمضى حزينًا لأنه كان ذو أموال كثيرة.. ليس هكذا القديس متى، بل بمجرد سماعه كلمة: "اتبعني" من فم الرب يسوع، ترك كل شيء، وهو فرح القلب، متهلل الفؤاد، مُدرِكًا أنه وجد اللؤلؤة الفريدة والكنز العظيم، ويقول "الأب متى المسكين" مُعلقًا على سرعة استجابة متى للدعوة الإلهيَّة: "واضح من هذا الموقف الواضح الفريد أن ق. متى من البلد التي عاش فيها المسيح، وهذا يعني بالضرورة أن المسيح يعرف متى معرفة قريبة وربما حميمة، وأنها دامت مدة طويلة قبل أن يدعوه للتلمذة" (5).

 

3ــ في دعوة السيد المسيح لمتى العشار يقول مار مرقس: " وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لاَوِيَ بْنَ حَلْفَى جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ فَقَالَ لَهُ اتْبَعْنِي فَقَامَ وَتَبِعَهُ" (مر 2: 14)، ويقول ق. لوقا: " فَتَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَامَ وَتَبِعَهُ" (لو 5: 27 ، 28) أما القديس متى عندما ذكر هذه الدعوة فأنه ذكر اسمه وعمله قائلًا: " وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ" (مت 9: 9). والبعض يرجّح أن السيد المسيح هو الذي أعطاه اسم " مَتَّى" وهو اسم أرامي اختصار لكلمة Mattathias أي "عطية أو هبة اللَّه"، وفي اليونانية "ثيؤدورس" Theodorus، وفي العربية "تادرس".. وواضح من مقابلة ما جاء في (مت 9: 9)، (مر 2: 14)، (لو 5: 27) أن الحدث واحد والشخص واحد، وأعقب هذه الدعوة وليمة عظيمة أقامها القديس متى ودعى إليها أصدقائه من العشارين الخطاة، فقال القديس لوقا: " وَصَنَعَ لَهُ لاَوِي ضِيَافَةً كَبِيرَةً فِي بَيْتِهِ. وَالَّذِينَ كَانُوا مُتَّكِئِينَ مَعَهُمْ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ عَشَّارِينَ وَآخَرِينَ" (لو 5: 29)، بينما لم يذكر القديس متى في إنجيله أنه صنع هذه الوليمة، إنما اكتفى بذكر تذمر الفريسيين على السيد المسيح لأنه يأكل مع العشارين والخطاة، ورد السيد المسيح عليهم: " لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيب بَلِ الْمَرْضَى. فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مت 9: 12، 13).

 

4ــ صار ق. متى من تلاميذ السيد المسيح الاثني عشر (مر 3: 8، لو 6: 15)، أما القديس متى فعندما ذكر اسمه ذكر وظيفته السابقة المحتقرة فقال: " وَمَتَّى الْعَشَّار" (مت 10: 3)، وكأنه يريد أن يحدّث بعمل اللَّه معه إذ حوَّل العشار إلى تلميذ ورسول.. حقًا لقد تغيَّرت حياته كثيرًا ، فبعد أن كان قاسيًا صار رحيمًا، وبعد أن عاش حياة الترف واللذة إلتصق بالنساك اليهود وصار يقتات على البقول ولا يأكل اللحوم كقول القديس أكليمنضس السكندري.

 

5ــ بعد حلول الروح القدس كرز القديس متى في اليهودية فترة تتراوح من 12 - 15 سنة، وقبل أن يترك اليهودية كتب إنجيله باللغة الأرامية، ثم كرز في أنطاكية بسوريا، وهناك كتب إنجيله باللغة اليونانية، وكثيرًا ما اقتبس القديس أغناطيوس أسقف أنطاكية الشهير من إنجيل القديس متى، ثم كرز في بعض بلاد فارس، ثم توجه إلى الحبشة حيث كانت تعيش جالية يهودية كبيرة هناك، منها وزير كنداكة الذي عمَّده فيلبس الشماس، ولعل القديس متى عندما ذهب إلى هناك منحه سر حلول الروح القدس بوضع اليد عليه، وبينما هو يكرز في بلاد الحبشة تعرضت "أفيجينيا" ابنة الملك لمرض شديد وفقدت حياتها، وطلب الملك من السحرة أن يقيموها من الموت وبالطبع فشلوا في هذا، فتقدم القديس متى وأقامها باسم الرب يسوع، فآمن الملك، وفي ذات يوم كان القديس متى في قصر الملك يتحدث عن قداسة العذراء مريم وعفتها وبتوليتها، فالتهب قلب أفيجينيا واشتاقت لحياة التكريس، واستشارت القديس متى الذي بارك خطواتها وأخذ ماء وصلى عليه وباركه ورشه على رأسها، وفعلًا نذرت نفسها لحياة البتولية مع بعض الفتيات، أما القديس متى فلم يَكُف عن الكرازة أكثر من عشرين عامًا، وبنى كنيسة باسم العذراء مريم، وبعد موت الملك أُغتصب وزيره "هيرتاكس" Hirtacus العرش وحاول أن يتزوج أفيجينيا فرفضت، وإستعان بالقديس متى ليقنعها بالزواج فأوضح له القديس أن هذا يرجع لحريتها الشخصية واختيارها، وهيَ قد اختارت حياة البتولية بملء إرادتها، وإذ خشى هيرتاكس أن يقتل القديس متى بسبب محبة الشعب له، كلَّف قاتلًا متمرّسًا لإغتيال القديس متى مقابل مبلغ كبير من المال، وبينما كان القديس يُقدّس الذبيحة تظاهر القاتل بالسجود أمام المذبح وطعن القديس متى طعنة أودت بحياته، فقبضوا عليه وساقوه للملك الذي أمر بإعدامه على الفور، رغم وعده السابق له بأنه سينقذ حياته من الموت متى حُوكم، وحزن مسيحيو الحبشة ولا سيما أفيجينيا التي هيئت له مدفنًا، كما تظاهر الملك هيرتاكس بالحزن عليه، وبنى الشعب كنيسة على اسم كاروزهم القديس متى. وأعاد الملك هيرتاكس عرضه الأول على أفيجينيا بالزواج، أما هيَ فقامت بتوزيع ممتلكاتها وانطلقت خارج المملكة تذيع بُشرى الخلاص، حتى تنيحت بشيخوخة صالحة، ويذكرها السنكسار الروماني تحت اليوم الحادي والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر)، وفي القرن العاشر تم نقل رفات القديس متى من الحبشة إلى كاتدرائية سالرنو بإيطاليا وتُعيّد له الكنيسة البيزنطية تحت يوم 16 من تشرين الثاني (راجع الخوري أنطوان الدويهي - متى العشار ص 118 - 132).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) تمت الإجابة على (143) سؤالًا في الجزئين الأول والثاني من هذه السلسلة.

(2) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص 80، 81.

(3) نقد التوراة والأناجيل الأربعة ص171.

(4) هاروني أم داودي ص90.

(5) الإنجيل بحسب القديس متى ص 195، 196.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/144.html