St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 883- هل ما جاء في (تث 24: 1) عن الطلاق وزواج المُطلَقة نُسخ بما جاء في (مت 5: 32، 19: 3-10) عن منع الطلاق؟

 

ج: 1- تدرج الله بالبشرية خطوة خطوة، فقبل عصر الشريعة كان للرجل أن يتزوج ويُطلّق كيفما شاء، وعندما جاءت الشريعة أوصت بأن من يريد أن يُطلّق زوجته لأنه وجد فيها عيبًا لا يستطيع أن يتحمله، فيلتزم بكتابة كتاب طلاق، ولا يكتفي بالطلاق الشفاهي، إنما يجب تدوين ذلك كتابة على أيدي الكاهن أو على الأقل اللاوي، لعله أثناء كتابة كتاب الطلاق يتراجع الرجل عن رأيه ويعيد تفكيره فلا يُطلّق زوجته، كما وضع الناموس عائق آخر في وجه الطلاق، وهو أن الرجل الذي طلَّق زوجته، وتزوج بها آخر ثم طلَّقها أو مات، لا يمكن للزوج الأول أن يستردها، وهذا ما جاء في سفر التثنية " إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته. ومتى خرجت من بيته وذهبت وصارت لرجل آخر فإن أبغضها الرجل الآخر وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها له زوجة. لا يقدر زوجها الأول الذي طلَّقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست. لأن ذلك رجس لدى الرب" (تث 24: 1 - 4).

وقد سمح الله للرجل اليهودي بتطليق زوجته، لأن الزوج اليهودي الذي يبغض زوجته يعاملها بعنف شديد، بل قد يتهور ويتفنن في قتلها بهدف الخلاص منها بعيدًا عن المسئولية الجنائية، وقد يعطي الزوج نفسه التبرير لارتكاب الزنا، ويقول الأرشيدياكون نجيب جرجس " ولكي يُنفّرهم الرب من تطليق زوجاتهم ويجعل هذه الحالات محدودة جدًا أحاط هذا الأمر في هذه الآيات بثلاث أمور:

(أ) أن تكون الزوجة {لم تجد نعمة في عينيه} أي لم يسر بالحياة معها مطلقًا {لأنه وجد فيها عيب شيء} والمقصود عيب يراه بنظره شائنًا يجعل حياته معها مستحيلة.

(ب) وفي هذه الحالة لم يصرح لهم أن يكون التطليق شفهيًا بل يجب أن يعطيها (كتاب طلاق) وكان يُكتب على أيدي أناس عقلاء وبشهادة شهود. وقد قيدهم الرب بهذا حتى يكون لدى الزوج مهلة من الوقت يفكر فيها في الأمر لعله يعدل عن فكره.

(ج) ولو تزوجت المرأة المطلقة بآخر لا يسوغ لزوجها الأول أن يستردها"(1).

ثم جاء السيد المسيح وأكمل الناموس فمنع الطلاق إلاَّ لعلة الزنا، والطرف المذنب لا يستطيع أن يتزوج ثانية، وأرسى شريعة الزوجة الواحدة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فقال " قيل من طلَّق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم إن من طلَّق امرأته إلاَّ لعلة الزنا يجعلها تزني. ومن يتزوج مُطلَّقة فإنه يزني" (مت 5: 32) وعندما سأله الفريسيون ليجربوه قائلين " هل يحل للرجل أن يُطلق امرأته لكل سبب. فأجاب وقال لهم أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وإنثى. من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا.. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان.. موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا" (مت 19: 3 - 8) [راجع أيضًا مر 10: 2 - 12]. إذًا ليس هو تناقض إنما هو تدرج في طريق الكمال.

 

2- ما جاء في سفر شريعة موسى (تث 24: 1-4) لم يُنشئ ولم يُوجِد الطلاق، فالطلاق كان قائمًا ومنتشرًا حينذاك، وما فعلته الشريعة هو خطوة في الحد من هذه الظاهرة، وحفظ كرامة الزوجة على قدر الإمكان، وعندما ذكر سفر التثنية أن سبب الطلاق " لأنه وجد فيها عيب شيء " كان يقصد عيبًا غير محتمل، حتى أن بعض المفسرين قالوا أن المقصود بالعيب هنا هو الزنا، وساروا على هذا المنوال، رغم أن هذا أمر مستبعد، لأن عقوبة زنا المرأة المتزوجة ليس الطلاق إنما القتل.

وجاء في دائرة المعارف " قد نتج عن عدم تحديد المقصود " بالعيب " هنا، ظهور مدرستين، هما مدرسة " شمعي " التي قصرت هذا العيب على الخيانة الزوجة أي الزنا، ومدرسة "هليل" التي توسعت في مفهومها فجعلت "العيب" يتسع ليشمل أي شيء لا يرضى عنه الزوج. وإعطاء الزوجة " كتاب طلاق".. يضفي على هذا الأمر صبغة شرعية أو رسمية.. وكان ذلك الإجراء يتم على يد كاهن أو لاوي على الأقل.. وكان هناك بعض حالات لم يكن يُسمح فيها بالطلاق:

(1) متى اتهم رجل عروسه بأنه عندما دخل عليها لم يجد لها عذرة، وثبت أنه كاذبًا.. (تث 22: 13 - 19).

(2) إذا اغتصب رجل فتاة عذراء غير مخطوبة.. (تث 22: 28، 29)

أما في حالة ارتكاب الزنا مع امرأة متزوجة أو مخطوبة، فكانت عقوبتهما - الرجل والمرأة - القتل رجمًا بالحجارة (لا 20: 10، تث 22: 22 - 24، أنظر أيضًا يو 8: 5) وكذلك كانت عقوبة الفتاة التي يثبت أنها فقدت عزرتها قبل الزواج (تث 22: 20، 21) ومعنى هذا أنه في حالة الزنا لم تكن العقوبة الطلاق بل القتل، مما يهز مفهوم مدرسة شمعي..

ولكن يبدو أن بني إسرائيل أساءوا استغلال الأذن بالطلاق وغدروا بزوجاتهم حتى وبخهم الرب على لسان ملاخي النبي بالقول {من أجل أن الرب هو الشاهد بينك وبين امرأة شبابك التي أنت غدرت بها وهي قرينتك وامرأة عهدك.. فاحذروا لروحكم ولا يغدر أحد بامرأة شبابه. لأنه يكره الطلاق قال الرب إله إسرائيل.. فاحذروا لروحكم لئلا تغدروا} (ملا 2: 14 - 16)"(2).

 

3- يقول القمص تادرس يعقوب " فيما يلي صورة من كتاب الطلاق الذي كتبه الرجل لزوجته المُطلقة: {في يوم... من الأسبوع، أو يوم.. من الشهر...، في سنة... من خلقة العالم أو من مُلك (الإسكندر) بحسب عادتنا هنا في الموضع...، أنا فلان بن فلان من منطقة... بإرادتي الحرة، وبرغبة نفسي، دون أية ضغوط، قد تركتكِ وتخليت عنكِ واستبعدتكِ يا فلانة ابنة فلان، من مدينة...، التي كنتِ زوجة لي، والآن أصرفكِ عني وأترككِ، وأستبعدكِ، فتكونين حرة، ولكِ سلطان على حياتكِ، وأن تتزوجي أي إنسان تريدين، وليس لأحد أن يرفضكِ بسب اسمي من هذا اليوم وإلى الأبد، وهكذا يحق لكِ أن تكوني لأي إنسان. وهذا مني كتاب طلاق، كتاب لتخليتكِ ورسالة لاستبعادك، وذلك بحسب شريعة موسى وإسرائيل}"(3).. لاحظ تكرار " أترككِ " ومرادفاتها ثمان مرات في كتاب الطلاق لعل الزوج يعي ما هو مزمع أن يفعله (قد تركتكِ وتخليتُ عنك واستبعدتكِ.. أصرفكِ عني وأترككِ وأستبعدكِ.. لتخليتبكِ.. لاستبعادكِ).

 

4- كان يتم تبادل الزوجات في بعض المجتمعات تحت شعار الطلاق، فإذا أُعجب رجل بزوجة آخر يتفق الزوجان أن يُطلّق كل منهما زوجته، ويتزوج كل رجل بمن يحب لفترة، ثم يعود ويطلّقها ويستردها زوجها الأول، ولهذا منعت الشريعة تمامًا عودة الزوجة المُطلَّقة لزوجها الذي طلقها.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) تفسير الكتاب المقدَّس - سفر التثنية ص 284.

(2) دائرة المعارف الكتابية جـ 5 ص 119، 120.

(3) تفسير سفر التثنية ص 465.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/883.html