St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 1651- هل داود متأكد من براءته وكماله حتى أنه يطلب أن يُحاكم أمام الله قائلًا: "الرَّبُّ يَدِينُ الشُّعُوبَ. اقْضِ لِي يا رب كَحَقِّي وَمِثْلَ كَمَالِي الَّذِي فِيَّ" (مز 7 : 8)، أم أنه يطلب من الله أن لا يدخل معه في هذه المحاكمة: "وَلاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ" (مز 143 : 2)؟

 

س 1651 : هل داود متأكد من براءته وكماله حتى أنه يطلب أن يُحاكم أمام الله قائلًا: " الرَّبُّ يَدِينُ الشُّعُوبَ. اقْضِ لِي يا رب كَحَقِّي وَمِثْلَ كَمَالِي الَّذِي فِيَّ" (مز 7 : 8)، أم أنه يطلب من الله أن لا يدخل معه في هذه المحاكمة: " وَلاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ" (مز 143 : 2)؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

 ج : 1ـ بعد أن اِلتمس داود من الله أن يجلس على منصة القضاء، كرسي عدله لينصفه، قـال هنا: " اقْضِ لِي يا رب كَحَقِّي وَمِثْلَ كَمَالِي الَّذِي فِيَّ" (مز 7 : 8)، وفي هذا لم يتمسك داود ببره الذاتي، ولكنه يتمسك بأنه برئ من التهم المُوجَهة إليه، ولهذا سبق وقال: " يا رب إِلهِي، إِنْ كُنْتُ قَدْ فَعَلْتُ هذَا. إِنْ وُجِدَ ظُلْمٌ فِي يَدَيَّ. إِنْ كَافَأْتُ مُسَالِمِي شَرًّا. وَسَلَبْتُ مُضَايِقِي بِلاَ سَبَبٍ، فَلْيُطَارِدْ عَدُوٌّ نَفْسِي وَلْيُدْرِكْهَا، وَلْيَدُسْ إِلَى الأَرْضِ حَيَاتِي، وَلْيَحُطَّ إِلَى التُّرَابِ مَجْدِي. سِلاَهْ" (مز 7 : 3 - 5)، فبعد أن أعلن داود براءته أمام الله التمس منه أن ينصفه من خصومه لأنه هو القاضي العادل، وكان داود مُصرًّا في التماسه هذا حتى أنه تجاسر وقال لله: " انْتَبِهْ لِي" أي لا تتركني ولا تهمل أمري، فأنك أنت وحدك يا رب الذي " لاَ يَنْعَسُ وَلاَ يَنَامُ" (مز 121 : 4)، وفي موضع آخر يقـول داود عن خصومه: " فَوَّقُوا سَهْمَهُمْ كَلاَمًا مُرًّا، لِيَرْمُوا الْكَامِلَ فِي الْمُخْتَفَى بَغْتَةً، يَرْمُونَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ" (مز 64 : 3،4)، والمقصود بالمختفي مؤامرات الأشرار السريَّة التي أعدُّوها ليطوقوا داود، فأخذوا يطلقون الشائعات والأكاذيب والكلام المر، مثل السهام الملتهبة.

 وأخذ داود يستجير بالله مؤكدًا على براءته، كما أكد صموئيل النبي على براءته أمام شعبه قائلًا: " هأَنَذَا فَاشْهَدُوا عَلَيَّ قُدَّامَ الرَّبِّ وَقُدَّامَ مَسِيحِهِ: ثَوْرَ مَنْ أَخَذْتُ؟ وَحِمَارَ مَنْ أَخَذْتُ؟ وَمَنْ ظَلَمْتُ؟ وَمَنْ سَحَقْتُ؟ وَمِنْ يَدِ مَنْ أَخَذْتُ فِدْيَةً لأُغْضِيَ عَيْنَيَّ عَنْهُ فَأَرُدَّ لَكُمْ" (1صم 12 : 3)، وبنفس الروح صَلَّـى حزقيا الملك قائلًا: " آهِ يا رب، اذْكُرْ كَيْفَ سِرْتُ أَمَامَكَ بِالأَمَانَةِ وَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَفَعَلْتُ الْحَسَنَ فِي عَيْنَيْكَ" (2مل 20 : 3)، وبولس الرسول أيضًا برَّأ نفسه من تهم المعلمين الكذبة في كورنثوس، قائلًا: " بَلْ قَدْ رَفَضْنَا خَفَايَا الْخِزْيِ غَيْرَ سَالِكِينَ فِي مَكْرٍ، وَلاَ غَاشِّينَ كَلِمَةَ اللهِ، بَلْ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ، مَادِحِينَ أَنْفُسَنَا لَدَى ضَمِيرِ كُلِّ إِنْسَانٍ قُدَّامَ اللهِ" (2كو 4 : 2)، ويقول "القس منيس عبد النور": " فطلْبته هنا أن يحكم عليه الله وحده، وقصده تبرير نفسه من الباطل المنسوب إليه، والدفاع عن نفسه من سوء معاملة أعدائه له ظلمًا وعدوانًا. فيمكننا إذًا أن نتصوَّر داود هنا كأنه يقول: يا رب أنت تعلم إني برئ مما يتهمني به أعدائي، فأظهر بري وصلاحي.. وفي هذا الحال لا يكون عمله تباهيًا أو تبجحًا" (111).

 

 2ــ في موقف آخر قال داود النبي: " يُكَافِئُنِي الرَّبُّ حَسَبَ بِرِّي، حَسَبَ طَهَارَةِ يَدَيَّ يَرُدُّ لِي. لأَنِّي حَفِظْتُ طُرُقَ الرَّبِّ، وَلَمْ أَعْصِ إِلهِي.. وَأَكُونُ كَامِلًا مَعَهُ وَأَتَحَفَّظُ مِنْ إِثْمِي. فَيَرُدُّ الرَّبُّ لِي كَبِرِّي، وَكَطَهَارَةِ يَدَيَّ أَمَـامَ عَيْنَيْهِ" (مز 18 : 20 - 24)، فحديث داود عن بره وكماله لا يقصد على الإطلاق البر المُطلق والكمال المُطلق، فكليهما لله وحده، إنما يتكلم عن البر النسبي والكمال النسبي، هكذا قال الله عن نوح البار: " لأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارًّا لَدَيَّ فِي هذَا الْجِيلِ" (تك 7 : 1) وقال الكتاب عن أيوب الصديق: " وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا" (أي 1 : 1)، وقال الإنجيل عن زكريا وزوجته أَليصابات: " وَكَانَا كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ" (لو 1 : 6)، وعندما يقول المدرس لتلميذ في الصف الخامس الابتدائي أنت ممتاز وقد حصلت على درجات الكمال في كل المواد، فبلا شك أنه يقصد هذا بالمقارنة مع أقرانه وليس بالمقارنة مع مدرسيه أو من هُم في المرحلة الجامعية.

 

 3ــ عندما قال داود النبي: " وَلاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ" (مز 143 : 2)، فأنه يتكلم عن البر المُطلق، ومن المعروف " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ" (رو 3 : 10)، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. فداود يعلن عن نفسه أنه كإنسان لا يخلو من الخطيَّة، ويطلب من الله أن يتراءف عليه، لأنه ليس عبد بلا خطيَّة ولا سيد بلا غفران: " إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يا رب يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ" (مز 130: 3، 4)، وقـال سليمان الحكيم: " لأَنَّهُ لاَ إِنْسَانٌ صِدِّيقٌ فِي الأَرْضِ يَعْمَلُ صَلاَحًا وَلاَ يُخْطِئُ" (جا 7 : 20)، وقال اليفاز التيماني: " مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى يَزْكُو أَوْ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَتَبَرَّرَ. هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لاَ يَأْتَمِنُهُــمْ وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ" (أي 15 : 14، 15)، وقال يوحنا الحبيب: " إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو 1 : 8). وهذا لا يعني إطلاقًا أن داود يتنكر لخطيته، فإن صرخاته في المزمور (51) عمت الأرجــاء، ملتمسًا تطهيره من خطاياه: " اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي. لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ وَخَطِيَّتِي أَمَامِــي دَائِمًا. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ" (مز 51 : 2 - 4).

 

 4ـ يقول "القديس أُغسطينوس": " لاحظوا كيف أن هذه النفس التي تُصلِّي بكمال لم تخف يوم الدينونة، إنما نُصلِّي بشوق دون قلق: " لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ" (مت 6 : 10).. " اقض لي يا رب كبري وحسب براءتي لأن بري وبراءتي هما من العلي.. أنت تضئ سراجي يا رب" (مز 18 : 28).. اقضِ لي حسب اللهيب الذي هو من فوق، الذي لم يصدر عنـي بل يضيء فيَّ حينما تضرمه أنت من عندك" (112).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (111) شبهات وهمية حول الكتاب المقدَّس ص 186.

 (112) أورده القمص تادرس يعقوب - سفر المزامير جـ 1 ص 153.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/1651.html