St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

1576- هل طبقًا لِمَا جاء في سفر أيوب: "فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ؟" (أي 25: 4) يستحيل على أي إنسان أن يتبرَّر أمام الله مهما كانت أعماله حسنة؟ وكيف يصف الكتاب الإنسان المخلوق على صورة الله بالرمة وابن آدم بالدود (أي 25: 6)؟

 

ج: 1- اشتهى أيوب أن يقف أمام الله ويُحاكم لديه، لأنه كان واثقًا أنه إنسان بار بمعنى أنه لم يفعل تلك الخطايا التي تستوجب كل هذه النكبات، فردَّ عليه بلدد الشوحي قائلًا: "فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ؟" (أي 25: 4) أي أنه لا يوجد الإنسان الذي يستطيع أن يتبرَّر أمام الله، وبلدد بهذا يُذكّر أيوب ما قاله سابقًا: "فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟" (أي 9: 2) وأيضًا يعيد قول أليفاز السابق: "مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى يَزْكُو، أَوْ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَتَبَرَّرَ؟" (أي 15: 14)... يريد أيوب أن يُحاكم أمام الله ليتبرَّر، بينما يؤكد داود النبي فيما بعد أن مولد المرأة مولود بالخطية لا يمكن أن يتبرَّر أمام الله: "لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا... الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعا،ً فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحا،ً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز 14: 1، 3)... " وَلاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ" (مز 143: 2)، وقال سليمان الحكيم: "لأَنَّهُ لاَ إِنْسَانٌ صِدِّيقٌ فِي الأَرْضِ يَعْمَلُ صَلاَحًا وَلاَ يُخْطِئُ" (جا 7: 20) فكيف يظهر الإنسان الخاطئ أمام الله القدوس الفائق القداسة ويتبرَّر..؟! كيف يظهر الإنسان الذي يحمل الخطية الجدية والطبيعة الفاسدة أمام كُلي القداسة ويتبرَّر؟! كيف يقف الإنسان الذي يواجهه عدو شرس ويتبرَّر أمام الله، بينما الكتاب يقول عن الله: "تَغْلِبَ مَتَى حُوِكمْتُ" (مز 51: 4، رو 3: 4) وفي " ترجمة كتاب الحياة":
" لكي تَتبرَّر إذا حَكَمْتَ". لا يمكن أن يتبرَّر الإنسان أمام الحكم الإلهي الذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، لا يلحقه استئناف ولا نقض. كما أن قول بلدد عن الإنسان: "
مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ" فيه إشارة لأُمنا حواء التي أُغويت بواسطة الحيَّة وأغوت زوجها فسقطا كلاهما في المخالفة، وفيهما سقطت البشرية جمعاء.

 

2- يقول " القمص تادرس يعقوب": "يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن بلدد الشوحي يوبخ أيوب، لأن الأخير طلب محاكمته أمام الله، فقد عُوقب دون أن يخطئ. لذلك يقول بلدد أن كل الخليقة تقف في رهبةٍ وخوفٍ أمام الله، وليس من يقدر أن يتبرَّر أمامه، أو يهرب من يده. كأن طلبة أيوب باطلة وغير لائقة"(1).

ويقول " البابا غريغوريوس (الكبير): "هل يمكن لإنسان أن يتبرَّر متى قورن بالله؟ أو هل يمكن أن يوجد مولود امرأة طاهر؟ هذه العبارة سبق أن نطق بها الطوباوي أيوب... حيث أن كل إنسانٍ هو بار خلال الاستنارة بالله، لا بالمقارنة مع الله. فإنَّ برّ الإنسان متى قورن بالخالق لا يُحسب برًّا..."(2).

ويقول " القديس أغسطينوس": "أنك تتبرَّر في أقوالك، وتغلب إذا حوكمت" (مز 51: 4). أنت تغلب كل البشر، كل القضاة، فمن يظن في نفسه أنه بار أمامك فهو غير بار. أنت وحدك تحكم بعدلٍ، وبغير عدلٍ تُحاكم... أنت تغلب كل البشر، لأنك أنت فوق كل البشر، وهم خُلِقوا بواسطتك"(3).

 

3- عندما قال بلدد الشوحي: "فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الإِنْسَانُ الرِّمَّةُ، وَابْنُ آدَمَ الدُّودُ؟" (أي 25: 6) لم يقصد أن يشتِم نفسه أو يُحقِّر ذاته، إنما هو قصد أن يُقرِّر حقيقة مُرّة، وهي أنه متى انطلقت روح الإنسان من جسده تبدأ على الفور تدب فيه عوامل الانحلال، ولا تمُرّ إلاَّ ساعات قليلة حتى يُضرب الجسد بالفساد، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. ولا أحد يستطيع أن يتحمل الرائحة الكريهة المنبعثة من ذلك الجسد، وبتعبير مرثا للسيد المسيح: "قَالَتْ لَهُ مَرْثَا، أُخْتُ الْمَيْتِ: يَا سَيِّد،ُ قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ" (يو 11: 39)، وبتعبير بولس الرسول: "يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ... يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ... يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ..." (1كو 15: 42، 43)، ومن الناحية اللغوية فإن الرِمة تعني العظام البالية، فجاء في " مختار الصحاح": "(والرِمة) بالكسر العظام البالية، والجمع (رِمَم) و(رِمام)، وقد (رَمَّم) العَظْمُ يَرِمُّ (رِمَّةً)..."(4).

أمَّا عن قول بلدد عن ابن آدم الدود، فهذا ما عاينه بعينيه في جسد أيوب وما زال أيوب حيًّا، وحقًا قال داود النبي: "أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ" (مز 22: 6) والدودة ترمز في الكتاب المُقدَّس للضعف الشديد، ولذلك طمئن الله يعقوب قائلًا: "لاَ تَخَفْ يَا دُودَةَ يَعْقُوبَ، يَا شِرْذِمَةَ إِسْرَائِيلَ. أَنَا أُعِينُكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَفَادِيكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ" (إش 41: 14)، وحتى لو كان قول بلدد عن الإنسان أنه رِمة، وعن ابن آدم أنه دود قول غير مقبول وغير لائق، فهذا يرجع إليه، فهو قوله وليس قول الله الذي كرَّم الإنسان وخلقه على صورته في الخلود ولكن بالمخالفة سقط في الفساد، فسواء أصاب بلدد في قوله أو خاب فقوله مردود عليه.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) تفسير سفر أيوب جـ3 ص 941.

(2) المرجع السابق ص 946.

(3) المرجع السابق ص 947.

(4) مختار الصحاح طبعة 1926م ص 257.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/1576.html

تقصير الرابط:
tak.la/jbbfd77