St-Takla.org  >   books  >   fr-angelos-almaqary  >   john-chrysostom-providence-of-god
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب العناية الإلهية: للقديس يوحنا ذهبي الفم - القمص أنجيلوس المقاري

6- الفصل السادس: الحب الإلهي يفوق بلا نهاية كل حب (آخر)

 

1- لمن قد تهيأ حسنًا، فإن الاستعلان الوحيد عن الله -حتى قبل البرهان المأخوذ من أعماله- يكفي لإظهار ليس فقط عنايته بنا، بل أيضًا حبه الشديد لنا. لأنه لا يسهر علينا وحسب، بل هو أيضًا يحبنا لأجل ذواتنا حبًا بلا حدود، حبًا مقدسًا ملتهبًا،حبًا شديدًا حقيقيًا لا ينفصم ولا ينطفئ.

 

2- ولكي يكشف لنا الكتاب المقدس عن هذا الحب قارنه بحب البشر، موضحًا حب الله الساهر وعنايته بنا بأمثلة كثيرة من الحب والبصيرة (الفطنة) والاهتمام (لدي لبشر)، لا لنقف عند حدود الأمثلة وإنما ليدفعنا ذلك أن نتعداها أثناء تأملنا لها. إنه لم يقدمها كبراهين كافية على محبته، بل كأشياء معلومة جيدًا لمن يفهمونها، وكأمثلة قادرة أكثر من أي شيء آخر على إظهار حبه لنا.

 

St-Takla.org Image: Jesus' love to us, our love to God, Coptic art by Tasony Sawsan صورة في موقع الأنبا تكلا: محبة يسوع لنا، محبتنا لله - من الفن القبطي رسم تاسوني سوسن

St-Takla.org Image: Jesus' love to us, our love to God, Coptic art by Tasony Sawsan.

صورة في موقع الأنبا تكلا: محبة يسوع لنا، محبتنا لله - من الفن القبطي رسم تاسوني سوسن.

3- هذا ما أريد أن أقوله. إن بعض الذين تضايقوا مرة وتأوهوا قائلين: "قد تركني الرب وإله إسرائيل نسيني" (إش 49: 14)، يجاوبهم النبي قائلًا: "هل تنسى الأم رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟" (إش 49: 15). وكأنه يقول: يستحيل على الأم أن تنسى رضيعها فبالأولى لا ينسى الرب جنس البشر.

 

4- بعد ذلك، لكي أجعلك تفهم أن النبي استخدم هذه المقارنة، ليس بقصد تشبيه حب الله لنا بحب الأم لثمرة بطنها، وإنما لأن حب الأم يفوق كل حب، غير أن حب الله حتمًا أعظم منه، فإنه أضاف قوله "ولو نسيت الأم رضيعها أنا لا أنساك يقول الرب" (انظر إش 49: 15).

 

5- ها أنت تنظر كيف أن محبة الله تفوق محبة الأم لأولادها. ولكي تفهم أن هذا الحب يفوق جدًا حنان الأم وحب الأب لأولاده قال النبي: "كما يترأف الأب على بنيه، يترأف الرب على خائفيه" (مز 103: 13) وهو يستخدم مرة أخرى مقارنة الحب هذه، عالمًا تمامًا أن محبة الله تفوق كل حب آخر.

 

6- يظُهر رب الأنبياء وسيد الجميع أن حبه يفوق جدًا قدر الحب الأبوي، وإن كان يوجد فرق (عظيم) بين النور والظلمة والخير والشر، فعظيمة أيضًا المسافة (الهوّة) التي تفصل بين صلاح الله وعنايته عن حنان الأب (البشري)، فاسمع ماذا يقول؛

 

7- "أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه سمكة يعطيه حيّة؟! فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري أبوكم الذي في السموات يهب خيرات للذين يسألونه؟!" (مت 7: 9-11) مُظهرًا بهذا أنه بقدر اختلاف الخير عن الشر، هكذا تعلو محبة الله على محبة الآباء واهتماماهم بمصالح أولادهم.

 

8- لقد أعطيت هذه الأمثلة، حتى إن حدث لي أن ذكرت شهادات أخرى على الحب، لا تدع فكرك يتوقف عند القدر المُعطى من الأنبياء، بل بإتباعك هذه القاعدة، فإن فكرك سيجتذبك بعيدًا جدًا فترى فيض الحب الإلهي الذي يفوق التعبير. لأن المعايير الطبيعية لا تكفي، لكن دعها جانبًا وأشخص إلى العلا فهو يقدم أيضًا أمثلة أخرى.

 

9- كما أن من يحب يريد أن يعطي دائمًا أكبر عدد من الشهادات على حبه لمحبوبه، فهذا ما فعله الله أيضًا باستخدامه التشبيهات التي تصف المسافة من موضع لآخر، ليس أيضًا لمجرد أن تعتقد أن حبه شبيه له بالضبط، لكن لأن مقياس المسافات كان أكثر الأمثلة المُذكّرة (للذهن) ومعروف جيدًا لمن يسمعونه.

 

10- لذلك يقول الله بفم داود: "لأن مثل ارتفاع السموات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه" (مز 103: 11)، وأيضًا "كبعد المشرق عن المغرب أبعد عنا معاصينا" (مز 103: 12)، ويقول بفم إشعياء: "لأن أفكاري ليست أفكاركم، ولا طرقكم طرقي يقول الرب. لأنه كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم" (إش 55: 8-9).

إنه قال هذا بعد أن تحدث قبل ذلك عن مغفرة الخطايا وقال: "سأغفر لكم تعدياتكم تمامًا" [(إش 55: 7) بحسب النص السبعيني].

 

11- إنه قد أظهر هكذا قدر غفرانه بإعطائه هذه الأمثلة. ولم يكتف بهذه التشبيهات وحسب، بل ومضى إلى تشبيه آخر أكثر بدائية فهو يقول في سفر هوشع: "كيف أتعامل معك يا أفرايم؛ ماذا أصنع لك يا إسرائيل. هل أعاملك كأدمة وكصبوييم؟ قد انقلب عليّ قلبي، وأفكاري قد انزعجت" (هو 11: 8).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

12- وما يريد أن يقوله هو هذا: إنني ولا احتمل حتى كلمة انتهار (لكم).

إنه عبّر (عن مشاعره) بطريقة بشرية، ليس لكي يخطر في بالك شيء بشري من جهته، حاشا لله، لكن لكي بطريقة التعبير البسيطة تتخيل ما هو الحب الجدير بالله: إنه حب حقيقي لا ينحل.

 

13- كما أن الإنسان الذي يحب بجنون ينتقي كلماته (بعناية) حتى لا يحزن محبوبته، كذلك يقول الرب: "ما إن تكلمت حتى ندمت على كلامي... انقلب قلبي عليّ".

إن الله لم يستنكف أن يستخدم هذه الصور التشبيهية التي لا تليق به لإظهار حبه، الأمر الذي هو بالضبط يختص بمن يحب.

 

14- إن الله لم يكتف بهذا، بل ذهب إلى أبعد من هذا مرة أخرى بتقديمه مثالًا آخرًا يخترق أعمق الأمور قائلًا: "كفرح العريس بالعروس، هكذا يفرح الرب بك" (إش 62: 5) فالحب يكون في أوجه عند البداية بين من يحبون (أي بين العروسين) وهو تكلم هكذا ليس لكي تفكر في شيء بشري -فأنا لن أتوقف عن تكرار هذا- إنما لكي بعد هذه الكلمات تلمس شدة التهاب محبته الحقيقية الفائضة.

 

15- بعد ذلك، عندما قال أنه يحب كأب وأكثر من أب، وكأم وأكثر من أم، كعريس وأكثر من عريس، وأيضًا كعظم المسافة التي بين الأرض والسماء وأعظم من هذا أيضًا كبعد المشرق عن المغرب، بل وأكثر من هذا فإنه لم يتوقف هنا في مقارناته، بل مضى إلى حد اتخاذ مثال أكثر وضاعة أيضًا.

 

16- في الواقع إن يونان بعد هروبه ومصالحة شعب نينوى مع الله، تضايق لأن تهديداته لم تتم، وانفعل متألمًا بطريقة بشرية (لا تليق بنبي) وكان ممتلئًا حزنًا. فأمر الله الأرض أن تنبت يقطينة ليونان تحمي رأسه، ثم أمر الشمس أن تزيد من حرارتها فتحرقها، فتعزى يونان من اليقطينة التي أراحه الله بها من حرارة الشمس، ثم اغتم لذبولها. فلما رآه الله من ناحية تعزى ومن الأخرى تضايق، اسمع ما قاله له الله:

 

17- أنت أشفقت على اليقطينة التي لم تتعب ولا ربيتها، التي بنت ليلة كانت وبنت ليلة هلكت؛ أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم؟ (يون 4: 10-11).

 

18- وهذا ما أراد أن يقوله: ألم تفرح بظل اليقطينة، فكم بالحري ينبغي أن أفرح أنا بخلاص أهل نينوى؟! إن هلاك اليقطينة لا يؤلمك بقدر ألمي على هلاك هؤلاء الناس، ولذلك كان موتهم مضادًا لفكري".

انظر كيف مضى الله هنا أيضًا إلى أبعد من المقارنة. إنه في الواقع لم يقل: "أنت أشفقت على اليقطينة" ثم توقف عند هذا، بل أضاف قوله: "التي لم تتعب فيها ولا ربيتها" (يون 4: 10).

 

19- بما أن البستاني يحب من النباتات التي يتعهدها تلك التي تعب فيها بالأكثر، فإن الله إذ أراد أن يبين أنه يحب البشر وأنه يحبهم بهذا النوع من الحب أضاف قول ما معناه: "إن كنت أنت تدافع بقوة عن عمل غيرك الذي لم تتعب فيه، فكم بالأولى يليق بي الدفاع عن عمل يداي!" ثم يخفف من حدة الاتهام الموجه ضدهم بقوله "لا يعرفون يمينهم من شمالهم" ومظهرًا بهذا أنهم أخطأوا عن جهل وليس عن خبث، وهذا ما أظهرته توبتهم الخالصة.

 

20- ومن يئنون بحجة أنهم متروكون يوبخهم قائلًا: "اسألوني من جهة أبنائي، ومن جهة عمل يدي أوصوني" (إش 45: 11)، وما يريد قوله هو هذا: من يذكّر الأب بابنه أو يحثه ليفكر فيه أو من يذكّر عامل أو فنان ألا يدع عمله يتلف؟ هكذا عند البشر فإن الطبيعة والفن يكفيان لكم لإعطائكم الدليل على الاهتمام، لكن أنتم تظنون أنني احتجت لمن يدعوني للاهتمام بأولادي وأعمالي.

 

21- وهو لا يقول هذا ليمنعهم من الصلاة وإنما لكي يعرفوا أنهم قبل أن يصلوا يعمل الرب ما يحسن في عينيه، لكنه يريدنا أن نصلي لأن في الصلاة نفع عظيم. هاأنت ترى بهذه الأمثلة كيف أن براهين عناية الله أكثر وضوحًا وأسطع من الشمس.

 

22- وهذا مؤكد، فإنه ذكر مثال الأب والأم والعريس والبعد بين السماء والأرض وبين المشرق والمغرب وشبّه نفسه بالبستاني الذي يتعب من أجل عمل يديه... وبالمحب الولهان الذي يخشى (حرفيًا يحزن) لئلا يحزن محبوبته ولو بكلمة، وقد أظهر الله بكل هذه الأمثلة أن حبه يختلف عن كل هذه الأنواع من الحب كاختلاف الخير عن الشر.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-providence-of-god/divine-love.html

تقصير الرابط:
tak.la/4c2t66m