St-Takla.org  >   books  >   anba-raphael  >   inherit-eternal-life
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية - الأنبا رافائيل الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة

5- أمثلة لمؤمنين حقيقيين هلكوا

 

محتويات: (إظهار/إخفاء)

^ أولًا
^ ثانيًا
^ ثالثًا
^ رابعًا
^ خامسًا
^ سادسًا
^ سابعًا
^ ثامنًا
^ تاسعًا
^ عاشرًا
^ حادي عشر
^ ثاني عشر
^ ثالث عشر
^ رابع عشر
^ خامس عشر
^ سادس عشر
^ سابع عشر
^ ثامن عشر
^ تاسع عشر
^ عشرون
^ حادي وعشرون
^ ثاني وعشرون

للوصول إلى الحقيقة في هذا الأمر يمكننا البحث في الكتاب المُقدَّس عن مؤمنين حقيقيين -بحسب تعبيرهم- ثم يهلك هؤلاء المؤمنون فيما بعد فنكتشف الحقيقة الكتابية، وهي إمكانية هلاك المؤمن الحقيقي، ويؤدي ذلك إلى مزيد من الحرص منَّا على خلاص نفوسنا، وأن نكمِّل الطريق بصبر وسهر إلى المُنتهى.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

أمثلة ذلك:

^ أولًا:

"أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ".. لا يمكن أن يقول رب المجد ملح الأرض لمؤمنين غير حقيقيين!! ولكننا نجده يكمِّل ويقول: "وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ" (مت13:5).

إذًا يتكلم هنا عن شخص كان مؤمنًا.. وكان ملحًا حسب وصف السيد المسيح له كل المجد.. ولكن فسد الملح! وكانت النتيجة أنه يطرح خارجًا أي يهلك وليس فقط يؤدب. المؤمن الحقيقي هو "ملح الأرض"، ولكن فلينتبه لئلا يفسد فيضيع مستقبله الأبدي ويفقد رجاءه.

 

^ ثانيًا:

هناك الآية القائلة: "وَلِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ" (مت12:24).. فماذا كان نوع هذه المحبة؟

لقد كانوا أناسًا مؤمنين يحبون ربنا، ونتيجة كثرة الإثم المحيط بهم والخطايا وعثرات الناس الأشرار تبدأ عزيمتهم الروحية تضعف ويبردوا فيفقدوا أبديتهم.. وإن كانوا لن يفقدوا أبديتهم بالرغم من برودة محبتهم فلماذا ينبهّهم السيد المسيح ويحذّرهم؟!

 

^ ثالثًا:

في مَثل العبيد الذين أحضرهم السيد وأعطاهم سلطانًا.. عندما يوصف الشخص بأنه عبد وأعطاه السيد سلطانًا هل نقدر أن نقول إنه مؤمن مزيف أو مؤمن مؤقت؟ بالعكس إنه بكل تأكيد مؤمن حقيقي وخادم للرب أيضًا. دعنا نسمع ما يقوله الرب عنه:

"وَلَكِنْ إِنْ قَالَ ذَلِكَ الْعَبْدُ الرَّدِيُّ فِي قَلْبِهِ: سَيِّدِي يُبْطِئُ قُدُومَهُ. فَيَبْتَدِئُ يَضْرِبُ الْعَبِيدَ رُفَقَاءَهُ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ السُّكَارَى. يَأْتِي سَيِّدُ ذَلِكَ الْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا، فَيُقَطِّعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْمُرَائِينَ" (مت48:24-51).

لاحظ أنه قال: "يَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْمُرَائِينَ".. مما يعني أنه لم يكن مُرائيًا من الأصل، لكنه مؤمن وأخذ أمانة من الله أن يصير خادمًا في الكنيسة، ولكن لأنه انحرف وأهمل خدمته سيجعل نصيبه مع المُرائين.. "هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (مت51:24). لن يؤدبه فقط ويحفظ له أبديته – كما يقولون.. بل ستضيع أبديته منه مع المُرائين حيث البكاء وصرير الأسنان. أين التأديب على الأرض إذًا؟! وأين عدم الهلاك؟!!

 

^ رابعًا:

نفس الكلام يمكن أن يقال في مَثل العذارى الحكيمات والجاهلات.. (بالطبع يمكنهم تفسير العذارى الجاهلات أنهن مزيفات)، لكن الكتاب لم يقل هكذا، بل قال إنهن كلهن عذارى، أي كلهن مؤمنات.. لكن كان منهن من ادخرن زيتًا عن طريق الأعمال الصالحة والعبادة المُقدَّسة، ومنهن مَنْ فرغ زيتهن بسبب الإهمال والخطية أو بسبب الكسل في العمل الروحي من صوم وصلاة ومحبة الأخوة.. فلم يكن لهن نصيب مع العريس.. وهذا يعني أنهن كن مدعوات للخلاص الأبدي وأضعن فرصتهن.. وأسماهن السيد المسيح "عذارى جاهلات" و"عذارى حكيمات"، ولم يقل "عذارى حقيقيات" و"عذارى مزيفات"!

فلنجتهد أن نكون مثل العذارى الحكيمات، فلا يغلق الباب في وجوهنا ونفقد خلاصنا الأبدي.. بل ندخل مع العريس إلى العُرس السمائي، ونتمتع بالحفل الأبدي السعيد.. "اسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَان" (مت13:25).

 

^ خامسًا:

في مَثل الوزنات.. صاحب الوزنة الواحدة.. أخذ وزنة واحدة. يقولون في أحد الكتب المكتوب عليها من الخارج: "هل ممكن أن يرتد المؤمن ويهلك".. وهذا الكتاب يفرِّق بين الخلاص الأبدي والإكليل إذ يقول: "يجب أن نفرق ما بين الخلاص الأبدي والإكليل. يخطئ خطأ شنيعًا مَنْ يخلط بين الخلاص الذي هو من محض النعمة، والإكليل الذي هو مُجازاة على الأمانة".

وهو هنا يريد أن يقول إنه ممكن لصاحب الوزنة الواحدة أن يخلص، ولكنه فقط يفقد أكاليله! بينما المسيح له المجد لم يقل هكذا، بل قال: "وَالْعَبْدُ الْبَطَّالُ اطْرَحُوهُ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ" (مت30:25).. ليس فقط يفقد إكليله لكنه يفقد أبديته، لأنه لم يتاجر بالوزنة التي أعطاها الله له.

فهو كان مؤمنًا حقيقيًا بدليل أن السيد قد ائتمنه على وزنة، راغبًا أن يعطيه فرصة الاتجار بها ليربح أجرة سمائية.. وللأسف هلك! ليس لأنه فقد الإيمان أو لأن إيمانه كان صُوريًا مُزيفًا، ولكن لأنه لم يربح وكانت النتيجة ليست تأديبًا على الأرض بل هلاكًا أبديًا.. وإلاَّ ماذا تُسّمون "الظلمة الخارجية".. هل هي تأديب على الأرض مع عدم الهلاك الأبدي (كما يقولون)؟!

 

St-Takla.org Image: The parable of the Vine and the Branches: "I am the vine, ye are the branches: He that abideth in me, and I in him, the same bringeth forth much fruit: for without me ye can do nothing. If a man abide not in me, he is cast forth as a branch, and is withered; and men gather them, and cast them into the fire, and they are burned. If ye abide in me, and my words abide in you, ye shall ask what ye will, and it shall be done unto you" (John 15: 5-7) - from The Bible in Pictures (The New Bible Symbols) book, by M. Bihn & J. Bealings, 1922 صورة في موقع الأنبا تكلا: مثل الكرمة والأغصان: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت في وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا. إن كان أحد لا يثبت في يطرح خارجا كالغصن، فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار، فيحترق. إن ثبتم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم" (يوحنا 15: 5-7) - من كتاب الإنجيل في صور (رموز الإنجيل الجديدة)، لـ م. بين و جي. بيلينجز، 1922

St-Takla.org Image: The parable of the Vine and the Branches: "I am the vine, ye are the branches: He that abideth in me, and I in him, the same bringeth forth much fruit: for without me ye can do nothing. If a man abide not in me, he is cast forth as a branch, and is withered; and men gather them, and cast them into the fire, and they are burned. If ye abide in me, and my words abide in you, ye shall ask what ye will, and it shall be done unto you" (John 15: 5-7) - from The Bible in Pictures (The New Bible Symbols) book, by M. Bihn & J. Bealings, 1922

صورة في موقع الأنبا تكلا: مثل الكرمة والأغصان: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت في وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا. إن كان أحد لا يثبت في يطرح خارجا كالغصن، فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار، فيحترق. إن ثبتم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم" (يوحنا 15: 5-7) - من كتاب الإنجيل في صور (رموز الإنجيل الجديدة)، لـ م. بين و جي. بيلينجز، 1922

^ سادسًا:

وأيضًا من أقوى النصوص التي تثبت أن المؤمن يمكن أن يهلك إن كان لا يثبت إلى المنتهى في إيمانه.. النص الذي قاله السيد المسيح في إنجيل مُعلِّمنا يوحنا عن الكرمة والأغصان: "كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ" (يو2:15). والآية الأكثر توضيحًا: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو6:15).

ولتلاحظ معي عزيزي القارئ.. أن شخصًا كان غصنًا في المسيح.. بمعنى أنه ثابت فيه.. ولكن نتيجة إهماله وعدم مداومته على العمل الروحي، بدأت عُصارة المسيح لا تسري فيه، فابتدأ يذبل.. فما حكمك يا ربي يسوع؟ يقول: "يقطع ويطرح في النار".

إنهم يفسرونها كالآتي:

"يذكر الرب أن كل غصن فيه لا يأتي بثمر ينزعه.. أي أن المؤمن الذي كلفه الله بخدمة وتهاون.. ينزع الرب منه الخدمة ولا ينزعه هو.. تسحب منه الخدمة وتُعطى لمؤمن آخر.. لكن خلاصه الأبدي مضمون!!".

كيف يكون هذا التفسير وبأي جرأة يتم تزييف كلام السيد المسيح نفسه؟! لقد قال: "كُلُّ غُصْنٍ... يَنْزِعُهُ".. ينزع الغصن أم ينزع الخدمة؟

وللأسف الشديد يحاولون تفسير الآية: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجا ًكَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو6:15).. فيعلق عليها كتابهم قائلًا: "الشخص المذكور هنا هو شخص أصلًا غير مؤمن".. كيف هذا وهو غصن في الرب؟ لماذا نشوّه المعنى الواضح؟ ولمصلحة مَنْ؟!

يقول تفسيرهم: دخل خلسة بين جماعة المؤمنين، لذلك يقال عنه إنه ليس غصنًا بل كالغصن، وهذا نهايته "الحريق". ولكن هذا تلاعب بالألفاظ.. لأن المسيح له المجد قال إنه ينزعه إن كان لا يثبت فيه.

"لا يثبت فيه" معناها أنه غصن لكنه لم يثبت في الكرمة.. "فهو غصن وانطرح خارجًا فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق".. إنه شيء مؤلم أن تسيطر فكرة ما على أحد لدرجة يغير معها تفسير نص واضح بما يتوافق مع أغراضه.

أما حرف (الكاف) في كلمة (كالغصن) ففي الأصل اليوناني يعني (بصفته.. بما أنه) {{كمثلما تقول: أنا كطبيب أقول كذا... أنا كمُعلِّم أحكم بهذا...}}.

يجب أن نخضع أفكارنا للكتاب المُقدَّس ولا نخضع الكتاب المُقدَّس لأفكارنا.

 

^ سابعًا:

من الآيات الهامة جدًا في هذا الصدد: "حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ" (رو20:11)، عن ماذا يتكلم؟

الزيتونة التي كان بها أغصان طبيعية، قطعها الله وألقاها بعيدًا عن الخلاص.. والمقصود هم اليهود، ثم أحضرنا نحن الغرباء وطعمنا بهذه الكرمة أو الزيتونة، يقول: "حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ" (رو20:11) فماذا ستكون النهاية؟!

قال: "لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ!" (رو20:11)، فلتخف على وضعك. لذلك لا يمكن أن تقول إنني ضمنت السماء، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. بل ويكمِّل: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضًا!" (رو21:11).

إذًا إن كان السيد قد قطع أغصان طبيعية وأنت الغريب طعمك في الزيتونة، ثم لم تثبت، فسيقطعك أنت أيضًا.

"فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ" (رو22:11).

وهنا نسأل.. لمَنْ يقول مُعلِّمنا بولس الرسول هذا الكلام.. هل لأناس مؤمنين حقيقيين، أم لغير المؤمنين، أم لمؤمنين سطحيين؟!

وهل القطع من المسيح هو مجرد تأديب على الأرض أم حرمان من الأبدية؟ لذلك قال يوحنا المعمدان: "كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (مت10:3).

 

^ ثامنًا:

مَثَل آخر: لماذا انزعج مُعلِّمنا بولس الرسول من الخلافات التي كانت بين المؤمنين في كورنثوس؟ هل أرسل يقول لهم أنتم مؤمنون مزيفون؟ أم قال لهم: "وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَالٍ فِي الْمَسِيحِ (1كو1:3)، "لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ؟" (1كو3:3)!!

أولًا: لو كانوا ضامنين السماء فلماذا يزعج مُعلِّمنا بولس الرسول نفسه؟!! إنهم سيدخلون السماء في جميع الأحوال سواء اختلفوا أو اتفقوا إنهم مؤمنون حقيقيون قد ضمنوا الملكوت فما الذي يضيرهم إن اختلفوا!

ثانيًا: لو كانوا مؤمنين مزيفين.. لماذا يكون هدف الرسالة أن عندكم انشقاق.. كان المفروض أن يعالج أصل المشكلة وهي أنهم مؤمنون مزيفون!

لكن الحقيقة الواضحة.. هي أنهم مؤمنون حقيقيون، ولكن عندهم عيب وهو "التحزب".. وهذا العيب يهدّد خلاصهم وأبديتهم فانزعج أبوهم الروحي مُعلِّمنا بولس الرسول وأرسل إليهم ينبههم لئلا يفقدوا رجاءهم.

 

^ تاسعًا:

آية أخرى: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟" (1كو16:3).

فعمَنْ يتكلّم الرسول بولس: مؤمنين حقيقيين أم مؤمنين مزيفين؟ (هيكل الله وروح الله يسكن فيهم).

ثم تأمل بقية النص: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ، لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ" (1كو17:3).

كلمة "فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ".. ماذا تعني؟ هل سيضيع منه الإكليل فقط؟ إن الفساد في كل من الكتاب المُقدَّس والفكر اللاهوتي يعني الموت الأبدي.

فإذا كان واحد سيفسد هيكل الله معناها أنه كان أصلًا هيكلًا وليس مزيفًا ولا شكليًا.. أي أنه كان مؤمنًا والروح القدس يسكن فيه.. ولكن لو هو أهمل قداسة جسده فإنه بذلك يفسد هيكل الله فسيفسده الله.. أي سيدخل تحت حكم الموت.

وفي موضع آخر يتكلم مُعلِّمنا بولس مع أهل كورنثوس: "لَكِنْ أَنْتُمْ تَظْلِمُونَ وَتَسْلُبُونَ، وَذَلِكَ لِلإِخْوَةِ" (1كو8:6).

إنهم مؤمنون لكن عندهم هذه الغلطة.. فماذا كانت نتيجة الغلطة؟

المفروض حسب المعتقد الخاطئ الذي نواجهه أن يؤدبهم الله، ولكن مستحيل أن يهلكوا هلاكًا أبديًا.. ولكننا نجد بقية الآية تقول: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا" (1كو9:6).

بمعنى ستخسرون ملكوت الله في حالة الاستمرار.. وليس فقط ستؤدبون.

السؤال الذي سيتكرر مع كل نص نورده: مع مَنْ كان يتكلم الوحي الإلهي؟ هل مع غير المؤمنين؟ وهل الكتاب المقدس يخص غير المؤمنين فقط؟ أم يتكلم مع المؤمنين الشكليين الاسميين فقط؟ فأكون أنا بصفتي أعرف و متأكد أنني مؤمن حقيقي فأعتبر أن الكلام غير موجه إليَّ ولا يخصني؟ أم أن الكتاب كله يخصني ونافع لي؟

إن الحقيقة التي يعلنها الكتاب المقدس هي أن: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ" (2تي16:3).

وليس حسنًا للإنسان أن يتملص من سلطان الكتاب المقدس بأن يجعل بعض الآيات تخصه وهي التي تتكلم عن ضمان الخلاص -كما يبدو- وأن الآيات الأخرى ليست له لأنها تخص غير المؤمنين أو المؤمنين الشكليين وهي نافعة لي لكي أعظ بها هؤلاء المساكين الهالكين!!

 

^ عاشرًا:

ثم ماذا نقول عن مُعلِّمنا بولس الرسول نفسه؟ هل هو مؤمن مزيف أم مؤمن حقيقي؟

ما رأيكم عندما يقول عن نفسه: "بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1كو27:9)؟ إنه في الحقيقة خائف وحريص على أبديته، بينما هم يفسرونها على أنه خائف على أكاليله!

هل كلمة (مرفوض) تعني فقدان الأكاليل مع حتمية دخوله السماء؟ وهل مُعلِّمنا بولس مشغول جدًا بالأكاليل وبسببها يقمع جسده ويستعبده؟!

هل الأكاليل أهم أم ملكوت السموات والخلاص الأبدي؟! إنه بكل تأكيد كان مشغولًا بأبديته وخلاصه الأبدي.

مَثَل آخر.. أورد مُعلِّمنا بولس أيضًا في رسالته الأولى لأهل كورنثوس قصة خروج شعب الله من أرض مصر، وإنقاذهم من يد فرعون، وعبورهم البحر الأحمر، ثم يقول: "لَكِنْ بِأَكْثَرِهِمْ لَمْ يُسَرَّ اللهُ، لأَنَّهُمْ طُرِحُوا فِي الْقَفْرِ" (1كو5:10)، فماذا نستفيد من هذه القصة؟

يقول: "وَهَذِهِ الأُمُورُ حَدَثَتْ مِثَالًا لَنَا، حَتَّى لاَ نَكُونَ نَحْنُ مُشْتَهِينَ شُرُورًا كَمَا اشْتَهَى أُولَئِكَ" (1كو6:10).. بمعنى يمكن لواحد أن يبدأ مع الرب مثل قصة الانتصار على فرعون ثم عبور البحر الأحمر وهو رمز للمعمودية، كما شرح مُعلِّمنا بولس الرسول:

"فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ" (1كو1:10-2).. لقد دخلوا البرية لكنهم ضاعوا فيها بعد النصرة على فرعون وعبور البحر.

ومرتان يقول: "وَهَذِهِ الأُمُورُ حَدَثَتْ مِثَالًا لَنَا، حَتَّى لاَ نَكُونَ نَحْنُ مُشْتَهِينَ شُرُورًا كَمَا اشْتَهَى أُولَئِكَ" (1كو6:10)، "فَهَذِهِ الأُمُورُ جَمِيعُهَا أَصَابَتْهُمْ مِثَالًا، وَكُتِبَتْ لإِنْذَارِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ" (1كو11:10).

 

 

^ حادي عشر:

بماذا تنذرني يا مُعلِّمنا بولس ما دمت قد ضمنت الملكوت؟!

يقول: "إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ" (1كو12:10).

ويحذِّر في نفس النص من العودة إلى عبادة الأوثان والزنا وتجربة المسيح والتذمر.. "فَلاَ تَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «جَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ، ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ». وَلاَ نَزْنِ كَمَا زَنَى أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَسَقَطَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَلاَثَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. وَلاَ نُجَرِّبِ الْمَسِيحَ كَمَا جَرَّبَ أَيْضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَهْلَكَتْهُمُ الْحَيَّاتُ. وَلاَ تَتَذَمَّرُوا كَمَا تَذَمَّرَ أَيْضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَهْلَكَهُمُ الْمُهْلِكُ" (1كو7:10-10).

أهذا الكلام تقوله للمؤمنين الحقيقيين أم المزيفين؟! لو كان للمؤمنين الحقيقيين فإنهم سيضمنون السماء ولا داعي للتحذير والتنبيه.. ولو كان للمزيفين فمن المفروض ألاَّ تقول لهم: "لا نزن كما زنا أناس منهم" ولا "نجرب المسيح".. بل فلتركز معهم على الإيمان الحقيقي فقط. لأن مشكلتهم الأساسية ستكون حينئذ ليس الزنا أو تجربة المسيح فقط بل عدم الإيمان أو الإيمان الشكلي المزيف.

إن القضية الأساسية هي أن كل مَنْ آمن بالمسيح عليه أن يحترس إلى النهاية لئلا يفقد أبديته.. "فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ!" (عب1:4). "فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَةَ، لِئَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ الْعِصْيَانِ هذِهِ عَيْنِهَا" (عب11:4).

إذا كان الكتاب المقدس يقول كل ذلك.. فلماذا نقول أن المؤمن لا يمكن أن يهلك؟!! أخشى أن تكون هذه العقيدة خدعة شيطانية حتى نطمئن طمأنينة زائفة، ونتكل على خرافات.. فتضيع الأبدية من بين أيدينا.

 

^ ثاني عشر:

ولنرى ما تكلَّم به مُعلِّمنا بولس الرسول في رسالة غلاطية موبخًا المؤمنين: "إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هَكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيلٍ آخَرَ" (غل6:1).

مما يعني أنهم أناس دخلوا في إنجيل المسيح له المجد.. ثم انتقلوا سريعًا إلى إنجيل آخر.. ويقصد به "إنجيل التهود".

ويرجع فيقول لهم: "وَلَكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ "أَنَاثِيمَا" (غل8:1). لماذا.. أليسوا مؤمنين بالفعل وضمنوا السماء؟! فيقول: "لا".. "لْيَكُنْ "أَنَاثِيمَا".. أي محرومًا.

وكلمة (محروم) لا تعني التأديب على الأرض، أو مجرد فقدان الأكاليل فقط.. بل تعني الحرمان من الأبدية السعيدة. إنه إنسان آمن بالمسيح واتحد به، ثم انحرف في الإيمان وبشّر بإنجيل آخر، فكانت النتيجة أنه صار محرومًا، وللأسف لم يكن محميًا من الهلاك.

 

^ ثالث عشر:

كذلك نسمع مُعلِّمنا بطرس الرسول أيضًا يقول: "لأَنَّهُ إِذَا كَانُوا بَعْدَمَا هَرَبُوا مِنْ نَجَاسَاتِ الْعَالَمِ، بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، يَرْتَبِكُونَ أَيْضًا فِيهَا، فَيَنْغَلِبُونَ، فَقَدْ صَارَتْ لَهُمُ الأَوَاخِرُ أَشَرَّ مِنَ الأَوَائِلِ" (2بط20:2).

"الأَوَاخِرُ أَشَرَّ مِنَ الأَوَائِلِ".. ماذا تعني؟

ثم يستكمل: "لأَنَّهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ لَوْ لَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ الْبِرِّ، مِنْ أَنَّهُمْ بَعْدَمَا عَرَفُوا يَرْتَدُّونَ عَنِ الْوَصِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُسَلَّمَةِ لَهُمْ، قَدْ أَصَابَهُمْ مَا فِي الْمَثَلِ الصَّادِقِ: «كَلْبٌ قَدْ عَادَ إِلَى قَيْئِهِ»، وَ«خِنْزِيرَةٌ مُغْتَسِلَةٌ إِلَى مَرَاغَةِ الْحَمْأَةِ» (2بط21:2-22).. أي أنهم أناس عرفوا طريق الرب وهربوا من نجاسات العالم وعرفوا طريق البر، ثم الآن يضيعون أنفسهم، لأنهم رجعوا يرتكبون النجاسات وانغلبوا لها وارتدوا عن الوصية المُقدَّسة... إذًا يجوز أن المؤمن يرتد ويضيع!!

فما الذي يجعل مُعلِّمنا بطرس ينبهّهم وينذرهم؟! إنه يتكلم عن مؤمنين بالفعل.. فلو كانوا ضمنوا السماء فما كانت هناك حاجة إلى إنذارهم!

 

^ رابع عشر:

وبالمثل.. لو رجعنا مرة أخرى لمُعلِّمنا بولس الرسول في رسالته لأهل غلاطية، نجده يوبخهم أيضًا: "أَهَكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟" (غل3:3).

إن سألناه.. ما الداعي للخوف؟ طالما ابتدأوا بالروح إذًا فقد ضمنوا السماء.. فنسمعه يجيب في رسالة العبرانيين:

"الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هَذَا مِقْدَارُهُ، قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا" (عب2:2-3). "فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ!" (عب1:4).

كل هذه الآيات تثبت أن المؤمن الحقيقي من الممكن أن يضيِّع نفسه إذا لم يستمر في الإيمان وفي الطهارة وفي العمل الصالح.. مطلوب أن نخاف أي نحترس إلى النهاية.

 

^ خامس عشر:

ويوجد نص في الرسالة إلى العبرانيين يستحق الوقوف أمامه في تأمل واستفسار:

"لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَذَاقُوا كَلِمَةَ اللهِ الصَّالِحَةَ وَقُوَّاتِ الدَّهْرِ الآتِي، وَسَقَطُوا، لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضًا لِلتَّوْبَةِ، إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمِ ابْنَ اللهِ ثَانِيَةً وَيُشَهِّرُونَهُ. لأَنَّ أَرْضًا قَدْ شَرِبَتِ الْمَطَرَ الآتِيَ عَلَيْهَا مِرَارًا كَثِيرَةً، وَأَنْتَجَتْ عُشْبًا صَالِحًا لِلَّذِينَ فُلِحَتْ مِنْ أَجْلِهِمْ، تَنَالُ بَرَكَةً مِنَ اللهِ. وَلكِنْ إِنْ أَخْرَجَتْ شَوْكًا وَحَسَكًا، فَهِيَ مَرْفُوضَةٌ وَقَرِيبَةٌ مِنَ اللَّعْنَةِ، الَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ" (عب4:6-8).

* "الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً".. آباؤنا القديسون يفسرون الاستنارة بأنها المعمودية المقدسة، والذين استنيروا هم الذين اعتمدوا.

* "وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ".. أي (الروح القدس).. بمعنى نالوا سر الميرون.

* "وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ".. وكان هذا نتيجة المعمودية والميرون.

* "لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضًا لِلتَّوْبَةِ".. الآباء شرحوها أيضًا أنه لا يمكن إعادة معموديتهم.

"إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمِ ابْنَ اللهِ ثَانِيَةً وَيُشَهِّرُونَهُ. لأَنَّ أَرْضًا قَدْ شَرِبَتِ الْمَطَرَ... فَهِيَ مَرْفُوضَةٌ وَقَرِيبَةٌ مِنَ اللَّعْنَةِ، الَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ".. إذًا ليس تأديب فقط ما يمكن أن ينالوه، ولكن من الممكن بعدما يأخذ أحد هذه النعم كلها.. تكون نهايته الحريق الأبدي!!

تعالوا نسمع تفسيرهم لهذا النص.. فهم يفسرونه تفسيرًا عجيبًا جدًا:

يقولون في أحد كتبهم: "واضح أن الفئة المذكورة ليسوا مؤمنين حقيقيين وذلك للأسباب الآتية:

* "اسْتُنِيرُوا": "أي أضاء النور أمامهم".. ولم يذكر أنهم هم كانوا نورًا، مثلما قال الرب لتلاميذه: "أنتم نور العالم".

* "وَذَاقُوا كَلِمَةَ اللهِ الصَّالِحَةَ": "معناها إنهم لم يشبعوا أو لم يرتووا، إذًا لم يكونوا مؤمنين حقيقيين". "مجرد ذاقوا"!!

* "شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ": "صحيح كل مؤمن هو شريك للروح، لكن ليس كل شريك للروح مؤمن. وكلمة شركاء المذكورة توضح أن الله استخدمهم.. وهذا ليس غريبًا فالله استخدم بلعام العراف ليبارك شعبه، واستخدم الله الشيطان ليجرب به أيوب، ومن ثم المؤمن ليس شريكًا للروح القدس فقط، بل هو هيكل الروح القدس".

هذا يعني أن تعبير (شركاء الروح القدس) لا يكفي عندهم لبرهان أن الإنسان مؤمن حقيقي.. كما أن هذا تحريف للمعنى الحقيقي للكلام ولجوهر النص.. لو كان هؤلاء مؤمنين غير حقيقيين لكان يقول لهم إن إيمانكم مزيف وأنتم تخدعون أنفسكم.. ولم يكن بحاجة لأن يكتب إليهم عن كل هذا.. لكن الحقيقة البسيطة والواضحة كنور الشمس هي أنه ينبههم بأنهم استناروا مرة بمعموديتهم ولن يمكن تكرار المعمودية مرة أخرى، وأنهم إذا ارتدوا وأخرجوا شوكًا وحسكًا يصيرون مرفوضين وقريبين من اللعنة التي نهايتها الحريق أي جهنم (أين إذًا ضمان الملكوت وعدم هلاك المؤمن؟!).

 

^ سادس عشر:

"أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرَّ بِهِ نَفْسِي. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ النَّفْسِ" (عب38:10-39).

هؤلاء الأحباء يفسرون هذا النص كالآتي.. "المرتد هنا كما يبدو أنه البار الذي سبق الحديث عنه.. من المؤمنين المزيفين.. بدليل ما قاله الرسول بولس بعد ذلك مباشرة " وأمّا نَحنُ (كمؤمنين حقيقيين) فلسنا مِنَ الاِرتِدادِ للهَلاكِ". أو المرتد هو الذي يريد أن يتبرر بغير الإيمان بالمسيح بعد التعرف إليه (لا أعرف من أين جاءوا بهذا المعنى؟).

أما لماذا أوحى الروح القدس لبولس لكي يكتب بهذه الطريقة الملتبسة لدى غير المدركين لهذا الحق.. "يقصد الأرثوذكس مثلنا أي أننا غير مدركين لهذا الحق".

" لأن بولس كان يكتب إلى العبرانيين.. الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبرارًا بحسب مفهوم البر بالناموس والأعمال في الديانة اليهودية، كما كان يريد أن يقول لهم إن البار الحقيقي هو الذي يحيا بالإيمان بالمسيح، أما الذي يرتد ولا يقبل المسيح بالإيمان ليتبرر به بعد التعرف على حقيقته فلن يحصل على الرضا الإلهي عنه، لأجل ذلك يقول: "فإنه إن أخطأنا باختيارنا" يعني بين قبول الإيمان بالمسيح أو البقاء في الديانة اليهودية". (انتهى تفسيرهم).

أما نحن فنفسر الآية القائلة: "وأمّا نَحنُ فلسنا مِنَ الاِرتِدادِ للهَلاكِ".. أنها نوع من التنبيه. وكأن الرسول بولس بأسلوب تنبيه ومقارنة تشجيعية يشجعهم على عدم تضييع فرصتهم لاقتناء أنفسهم بإيمانهم.. "ما يصحش ترتدوا إلى الهلاك، خسارة ماتضيعوش أبديتكم...".

لاحظوا معي:

كتب مُعلِّمنا بولس الرسول الرسالة إلى المسيحيين من أصل عبراني، ولم يكتبها لليهود الذين مازالوا يهودًا.

وإن كان يصلح بعض الأفكار الخاطئة إلا إنه كان يتكلم مع أناس مؤمنين بالفعل وغير مترددين في الاختيار بين الإيمان المسيحي واليهودي.

وإن كان ذلك صحيحًا فينبغي كما ذكرت سابقًا ألا أقرأ أنا مثلًا رسالة العبرانيين لأنها ليست موجهة لي.. لكنها لأناس بين اليهودية والمسيحية.

على أي الأحوال ليست الرسالة إلى العبرانيين وحدها بل كل أسفار العهد الجديد -على وجه الخصوص- سنجد أنه لا لزوم لها في حالة ما إذا كان المؤمن يضمن السماء، لأنه لماذا يعطينا الله وصايا في العهد الجديد؟! كان من المفروض أن يتلخص الكتاب في مجموعة من المعلومات تعرفنا على الله، والخلاص المقدم لنا، ومَنْ يؤمن بها ينال الخلاص ويضمن الملكوت!! وتنتهي القصة ولا لزوم لكل هذه الأسفار المُقدَّسة.

وهم يفعلون ذلك بالفعل حينما يوزعون نبذات صغيرة ويقولون خمس حقائق إيمانية هي كافية للخلاص. إذًا فماذا نفعل بباقي الكتاب المقدس؟ إلى مَنْ يكون قد كتب؟ ولماذا كتب أصلًا؟

 

^ سابع عشر:

مثلًا: عندما يقول السيد المسيح له المجد: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ" (مت22:5).

لمَنْ هذه الآية.. للمؤمن أم غير المؤمن؟

* لو أنه لغير المؤمن.. هذا يعني أنه من حقي كمؤمن أن أغضب على أخي باطلًا.. فأنا ضامن للسماء!

* وإذا كان لغير المؤمن.. كان من المفترض ألاَّ يتكلم عن الغضب بل عن الإيمان، لأنه إن كان الشخص غير مؤمن فالمحصلة واحدة إن غضب أو لم يغضب، لأنه سيهلك بعدم إيمانه قبل أن يهلك بسبب الغضب.. وكان من الأولى أن يُدعى للإيمان.

* وإذا كانت الوصية مُوجهة للمؤمنين.. فلماذا نكلّمهم بعد.. لقد ضمنوا السماء؟

أما عن كلمة مستوجب الحكم.. غالبًا سوف يفسرونها بتأديب على الأرض فقط.. إنسان غضب باطلًا فسيؤدبه الله وتنتهي القصة عند هذا الحد.. وأيضا الذي يقول رقا سيؤدبه المَجمَع.. لكن ماذا عن: "وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ"؟

إن النص صريح.. أن المؤمن إذا انزلق وشتم أحدًا بكلمة (يا أحمق) يكون مستوجبًا لنار جهنم وليس للتأديب فقط. أما غير المؤمن والمؤمن المزيف فدينونته ستكون بسبب عدم الإيمان أو تزييف الإيمان وليس بسبب الشتيمة.

هذا ينبهنا أن نكون حريصين على كل كلمة نقولها، وهنا نسأل أنفسنا:

* لماذا قال السيد المسيح: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (مت1:7)؟

* وما هو معنى الدينونة في عبارة "لِكَيْ لاَ تُدَانُوا

* هل الدينونة هي تأديب على الأرض.. على الأرض فقط وفي السماء يدخلنا مجانًا؟

* وإن كانت "لاَ تَدِينُوا" قيلت لغير المؤمنين.. أليس بالأولى أن يقول لهم آمنوا أولًا ثم تعلموا ألاَّ تدينوا؟ هل القضية لغير المؤمنين هي الإدانة، أم الإيمان من الأصل؟!

* وإذا قيلت للمؤمنين.. فلماذا تقال ما داموا صاروا ضامنين للسماء؟ هل الإدانة تهدد مستقبلهم الأبدي؟! نعم تهدد المستقبل الأبدي.. "لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (مت2:7).

وهكذا أيضًا يسري هذا الكلام على جميع وصايا السيد المسيح له كل المجد.

 

^ ثامن عشر:

وبالمثل: "وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي" (مت32:12).

هذه الآية تجعلنا نتساءل..

* هذه الكلمة يا إلهي موجهة للمؤمن أم لغير المؤمن؟

* لو لغير المؤمن وقال كلمة ضد المسيح فبأي حق تُغفر له؟

* وإن كان مؤمنًا وأخطأ، وقال كلمة ضد المسيح.. لماذا يحتاج إلى غفران طالما هو داخل للسماء حتمًا؟

* "وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي".. فأيضًا لمَنْ قيلت؟

* غير المؤمن الذي يجدف على الروح القدس.. هل مشكلته في التجديف أم مشكلته في عدم الإيمان أصلًا؟ هل الكلام لنا نحن المؤمنين أم كُتب للتصدير للآخرين؟

 

^ تاسع عشر:

وبالمثل.. "اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ" (مت42:24).. لماذا أسهر ما دمت ضمنت السماء؟

وهناك آيات عديدة عن السهر:

* "فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ" (مت13:25).

* "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ" (مر38:14).

* "اِسْهَرُوا إِذًا وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تُحْسَبُوا أَهْلًا لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ، وَتَقِفُوا قُدَّامَ ابْنِ الإِنْسَانِ" (لو36:21).

* "اِسْهَرُوا. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ. كُونُوا رِجَالًا. تَقَوَّوْا" (1كو13:16).

والسهر هنا معناه "الحرص"، فإذا كان الإنسان قد نال الملكوت وضمن الأبدية.. فما الداعي للسهر والحرص؟!

 

^ عشرون:

"الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ!" (مت23:19).. هذا الغني.. مؤمن أم غير مؤمن؟

لو كان غير مؤمن.. ما الذي سيعطله عن السماء؟ الغنى أم عدم الإيمان؟

وإن كان الكلام عن غني مؤمن واتكل على الأموال، فكيف يكون إيمانه ضامنًا للسماء؟ وإن قيل إنه مؤمن غير حقيقي فالمنطقي أن ينبّهه إلى زيف إيمانه أهم من قضية الاتكال على الأموال، خاصة وأن إيمانه الحقيقي سيضمن له الملكوت بغض النظر عن موضوع الأموال إن كان الإيمان وحده يضمن السماء!!

ولما قالوا هذا كلام صعب.. قال لهم السيد المسيح: "مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!" (مر24:10). فهل يوافقني هؤلاء الأحباء أن شخصًا غير مؤمن قد تكون مشكلته لدخول السماء اتكاله على غناه فقط بغض النظر عن قضية الإيمان نفسها؟!

 

^ حادي وعشرون:

* "كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ" (مت36:12).. كل كلمة بطالة سيحاسب عنها.. مَنْ؟ الذي لم يؤمن أصلًا!! لو كان مؤمنًا حقيقيًا وتكلم بكلمة بطالة.. هل سينطبق عليه هذا القانون، ويعطي عنها حسابًا؟ وهل الحساب معناه يؤدبه ولا يهلكه؟ وهل مسموح للمؤمن الحقيقي أن يتكلم بكلام باطل.... وهل غير المؤمن أو المؤمن الشكلي قضيته الكلام الباطل أم الإيمان أصلًا؟!

* "لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (مت37:12).. مَنْ؟ الذي لم يؤمن أصلًا!! هل التبرير يكون بالكلام أم بالإيمان؟

 

^ ثاني وعشرون:

يقول مُعلِّمنا يوحنا في رسالته: "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ" (1يو15:3).. مَنْ؟ الذي لم يؤمن أصلًا!!

مع مَنْ تتكلم الآية؟ مؤمنين أم غير مؤمنين؟ لو غير مؤمنين يجب أن نركز معهم على الإيمان.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/anba-raphael/inherit-eternal-life/perish.html