St-Takla.org  >   books  >   anba-raphael  >   christ-in-genesis
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب المسيح في سفر التكوين - الأنبا رافائيل الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة

23- السيد المسيح في حياة أبينا يعقوب

 

محتويات: (إظهار/إخفاء)

(أ) بكرًا بَينَ إخوَةٍ كثيرينَ
(ب) ابن الله وابن الإنسان
(ج) نَعَمْ، ويكونُ مُبارَكًا
(د) سلّم يعقوب
(هـ) زواج يعقوب

يُعتبر أبونا يعقوب رأس الكنيسة القديمة، إذ هو أبو الأسباط، وكذلك السيد المسيح هو رأس ورئيس الكنيسة الجديدة إذ هو أب الجميع.

وكما كان ليعقوب اثنا عشر ابنًا هم رؤوس الآباء الأولين وأساس كنيسة العهد القديم كذلك للمسيح أيضًا اثنا عشر تلميذًا ورسولًا أسسوا كنيسته المُقدَّسة وهم أصل الإيمان وأساس الكنيسة.. "مَبنيينَ علَى أساسِ الرُّسُلِ والأنبياءِ، ويَسوعُ المَسيحُ نَفسُهُ حَجَرُ الزّاويَةِ" (أف2: 20).

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: So Esau despised his birthright. He did not care about God’s promise to make a great nation from his descendants, one of whom would be the Saviour of the world. (Genesis 25: 34) - "Esau sells his birthright to Jacob" images set (Genesis 25:19-34): image (14) - Genesis, Bible illustrations by James Padgett (1931-2009), published by Sweet Media صورة في موقع الأنبا تكلا: "فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس، فأكل وشرب وقام ومضى. فاحتقر عيسو البكورية" (التكوين 25: 34) - مجموعة "عيسو يبيع البكورية لأخيه يعقوب" (التكوين 25: 19-34) - صورة (14) - صور سفر التكوين، رسم جيمز بادجيت (1931-2009)، إصدار شركة سويت ميديا

St-Takla.org Image: So Esau despised his birthright. He did not care about God’s promise to make a great nation from his descendants, one of whom would be the Saviour of the world. (Genesis 25: 34) - "Esau sells his birthright to Jacob" images set (Genesis 25:19-34): image (14) - Genesis, Bible illustrations by James Padgett (1931-2009), published by Sweet Media

صورة في موقع الأنبا تكلا: "فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس، فأكل وشرب وقام ومضى. فاحتقر عيسو البكورية" (التكوين 25: 34) - مجموعة "عيسو يبيع البكورية لأخيه يعقوب" (التكوين 25: 19-34) - صورة (14) - صور سفر التكوين، رسم جيمز بادجيت (1931-2009)، إصدار شركة سويت ميديا

دعونا الآن نتتبع أوجه الرمزية في حياة أبينا يعقوب التي تشير بوضوح إلى سيدنا وإلهنا ربنا يسوع المسيح:

(أ) "بكرًا بَينَ إخوَةٍ كثيرينَ" (رو8: 29):

* كان يعقوب توأمًا لأخ آخر هو عيسو.. "فلَمّا كمُلَتْ أيّامُها لتلِدَ إذا في بَطنِها توأمانِ. فخرجَ الأوَّلُ أحمَرَ، كُلُّهُ كفَروَةِ شَعرٍ، فدَعَوْا اسمَهُ "عيسوَ". وبَعدَ ذلكَ خرجَ أخوهُ ويَدُهُ قابِضَةٌ بعَقِبِ عيسو، فدُعيَ اسمُهُ "يعقوبَ" (تك25: 24-26)، وكان عيسو الأخ الأكبر ومع ذلك صار يعقوب بكرًا بدلًا منه. عيسو هو رمز لآدم الذي نزل أولًا على الأرض "دُعيَ اسمُهُ أدومَ" (تك25: 30)، ثم تعقبه في ملء الزمان مجيء المسيح على الأرض.. ومع ذلك صار المسيح "بكرًا بَينَ إخوَةٍ كثيرينَ" (رو8: 29) بدلًا من آدم.

لقد فقد عيسو بكوريته بسبب أكلة واحدة.. "لِئلا يكونَ أحَدٌ زانيًا أو مُستَبيحًا كعيسو، الذي لأجلِ أكلَةٍ واحِدَةٍ باعَ بَكوريَّتَهُ" (عب12: 16)، "فقالَ عيسو: ها أنا ماضٍ إلَى الموتِ، فلماذا لي بَكوريَّةٌ؟" (تك25: 32)، "فاحتَقَرَ عيسو البَكوريَّةَ" (تك25: 34).. وأيضًا فقد آدم بكوريته بسبب أكلة واحدة.. "فأخَذَتْ مِنْ ثَمَرِها وأكلَتْ، وأعطَتْ رَجُلها أيضًا معها فأكلَ" (تك3: 6).

* وأخذ يعقوب البكورية لأنه ضبط شهوة الأكل، وكان مترقبًا ومتلهفًا أن ينال هذه البكورية.. ليأخذ شرف أن يأتي المسيح من نسله.. وكذلك أخذ المسيح البكورية من آدم إذ بدأ خدمته بالصوم وضبط الجسد.

حقًّا.. قيل في يعقوب وعيسو:

+ "شَعبٌ يَقوَى علَى شَعبٍ" (تك25: 23).. أي أن شعب المسيح يقوى على شعب العالم.

+ "وكبيرٌ يُستَعبَدُ لصَغيرٍ" (تك25: 23).. أي آدم (الكبير سنًّا) يستعبد للمسيح (الذي جاء متأخرًا في ملء الزمان).

وقد نعتبر أن عيسو يرمز للعهد القديم ويعقوب للعهد الجديد، أو يرمزان للجسد والروح، أو يرمزان للفضائل والرذائل التي توجد معًا في داخل القلب.. ويجب علينا أن نقوي الفضائل ونُميت الرذائل ونستعبد الجسد للروح.. "أقمَعُ جَسَدي وأستَعبِدُهُ، حتَّى بَعدَ ما كرَزتُ للآخَرينَ لا أصيرُ أنا نَفسي مَرفوضًا" (1كو9: 27).

لقد قيل: "كانَ عيسو إنسانًا يَعرِفُ الصَّيدَ، إنسانَ البَريَّةِ، ويعقوبُ إنسانًا كامِلًا يَسكُنُ الخيامَ" (تك25: 27)، الأول إنسان وحشي، دموي(1)، صياد.. والثاني رجل كامل (كمال ناسوت المسيح)، يسكن الخيام (التجسد حيث سكن المسيح في خيمة جسدنا البشري). وكان عيسو رجلًا أشعر رمزًا إلى الجسد المليء بالخطية الذي لآدم، بينما كان يعقوب رجلًا أملس رمزًا إلى جسد المسيح الطاهر، والذي يخلو من كل خطية.

 

(ب) ابن الله وابن الإنسان:

مع أن يعقوب قد نال البركة من أبيه بخداع ومكر.. الأمر الذي عاقبه عليه الله فيما بعد.. ولكن الله وافق على هذه البركة بسبب أحقية يعقوب فيها إذ قد صار البكر.. وكذلك ليعطي لنا معنى وتفسيرًا يشير إلى السيد المسيح:

* عندما "قالَ يعقوبُ لأبيهِ: أنا عيسو بكرُكَ" (تك27: 19).. يشير إلى السيد المسيح الذي أخذ مكان آدم أمام الآب السماوي ليحمل عنَّا عقاب خطايانا وليأخذ لنا البركة في شخصه المبارك. لذلك لبس يعقوب ثياب عيسو الفاخرة رمزًا للسيد المسيح الذي لبس طبيعة آدم، ولكن بدون فساد أو خطية (الملابس الفاخرة).

* وكما وضع يعقوب على يديه وملامسة عنقه جلود جدي المعزى.. كذلك حَمَل السيد المسيح خطايانا على جسده على الصليب.. "هوذا حَمَلُ اللهِ الذي يَرفَعُ خَطيَّةَ العالَمِ" (يو1: 29)، "الذي حَمَلَ هو نَفسُهُ خطايانا في جَسَدِهِ" (1بط2: 24).

St-Takla.org Image: "Jacob Wrestles with the Angel", Jacob Wrestled with an Angel; caption: "God has sent an angel to Jacob. Jacob is all alone. He sees the angel, but he is not afraid. He puts his arms around him and will not let him go. He begs the angel to bless him. And the angel lifts up his hand over Jacob's head, and blesses him" (Genesis 32: 24-29) - from "Bible Pictures" book, by W. A. Foster, 1897 صورة في موقع الأنبا تكلا: يعقوب يصارع الملاك: "فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال: «أطلقني، لأنه قد طلع الفجر». فقال: «لا أطلقك إن لم تباركني». فقال له: «ما اسمك؟» فقال: «يعقوب». فقال: «لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت». وسأل يعقوب وقال: «أخبرني باسمك». فقال: «لماذا تسأل عن اسمي؟» وباركه هناك" (التكوين 32: 24-29) - من كتاب "صور الكتاب المقدس"، و. أ. فوستر، 1897

St-Takla.org Image: "Jacob Wrestles with the Angel", Jacob Wrestled with an Angel; caption: "God has sent an angel to Jacob. Jacob is all alone. He sees the angel, but he is not afraid. He puts his arms around him and will not let him go. He begs the angel to bless him. And the angel lifts up his hand over Jacob's head, and blesses him" (Genesis 32: 24-29) - from "Bible Pictures" book, by W. A. Foster, 1897

صورة في موقع الأنبا تكلا: يعقوب يصارع الملاك: "فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال: «أطلقني، لأنه قد طلع الفجر». فقال: «لا أطلقك إن لم تباركني». فقال له: «ما اسمك؟» فقال: «يعقوب». فقال: «لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت». وسأل يعقوب وقال: «أخبرني باسمك». فقال: «لماذا تسأل عن اسمي؟» وباركه هناك" (التكوين 32: 24-29) - من كتاب "صور الكتاب المقدس"، و. أ. فوستر، 1897

* قال يعقوب لأبيه إسحاق: "قد فعَلتُ كما كلَّمتَني" (تك27: 19).. وهذا يرمز إلى الطاعة التي أكملها الابن المسيح بدلًا عن آدم الذي تأخر في الطاعة بل أنه قدّم العصيان بدلًا من الطاعة.

* عندما قال إسحاق لابنه: "الصَّوْتُ صوتُ يعقوبَ، ولكن اليَدَينِ يَدا عيسو" (تك27: 22)، كأن الآب السماوي يقول: "الصوت صوت ابني الحبيب الوحيد اللوغوس، والجسد جسد آدم". إنه هنا يتكلّم عن اتحاد اللاهوت (الابن) بالناسوت (الطبيعة البشرية). فعندما صرخ المسيح على الصليب: "إلهي، إلهي، لماذا ترَكتَني؟" (مت27: 46).. كان الصوت صوت اللوغوس، ولكن الصراخ صراخ آدم، والجسد جسد آدم، والموت موت آدم، والخطية خطية آدم وكل البشرية معه.

 

(ج) "نَعَمْ، ويكونُ مُبارَكًا" (تك27: 33):

كلمات البركة التي نطق بها أبونا إسحاق فيها إشارات مبدعة إلى السيد المسيح:

* "رائحَةُ ابني كرائحَةِ حَقلٍ قد بارَكَهُ الرَّبُّ" (تك27: 27).. ما هذا الحقل إلاَّ الكنيسة المُقدَّسة التي فيها الكرمة الحقيقية: جذرها المسيح وأغصانها نحن، والآب السماوي هو الكرّام.. "أنا الكَرمَةُ الحَقيقيَّةُ وأبي الكَرّامُ" (يو15: 1)، "أنا الكَرمَةُ وأنتُمُ الأغصانُ" (يو15: 5).

حقًّا.. إن الكنيسة هي حقل قد باركه الرب، ورائحة البخور المتصاعدة منها هي رائحة الصلاة والطهارة، وكل فضيلة تدل وتكشف عن هذه الكنيسة الحقل المُقدَّس المرعى الخصيب.

* "فليُعطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السماءِ" (تك27: 28).. إن ندى السماء هو النعمة النازلة على الكنيسة بفعل الروح القدس العامل في هدوء وعمق الندى، حيث يروي النفس ويغنيها ويثمر فيها دون ضجيج ودون مخاطر الأمطار والسيول، كمثلما يحدث في القداس الإلهي، حيث يغمرنا الروح بكل نعمته دون ضجيج أو هياج أو سقوط المؤمنين على الأرض أو صراخ أو تشنجات.. إنه الروح الوديع الهادئ.

* "ومِنْ دَسَمِ الأرضِ. وكثرَةَ حِنطَةٍ وخمرٍ" (تك27: 28).. دسم الأرض هو الجسد الذي اتحد به الابن الوحيد.. لقد اتحد بطبيعتنا الترابية، فأعطى لنا كرامة وصار للأرض دسم وقيمة. أما الحنطة والخمر فهما سر الإفخارستيا المُقدَّس.. الحنطة هي الجسد المُقدَّس والخمر هو الدم الكريم.

لم تكن البركة – التي نطق بها الأب إسحاق بالروح القدس – يُقصد بها القمح والخمر في حد ذاتهما – وإلاَّ لكان قد منحهما أبونا إسحاق مرة أخرى لابنه عيسو عندما طلب البركة "أما أبقَيتَ لي بَرَكَةً؟ فأجابَ إسحاقُ وقالَ لعيسو: إني قد جَعَلتُهُ سيدًا لكَ، ودَفَعتُ إليهِ جميعَ إخوَتِهِ عَبيدًا، وعَضَدتُهُ بحِنطَةٍ وخمرٍ. فماذا أصنَعُ إلَيكَ يا ابني؟" (تك27: 36-37).

لقد قيل: "عَضَدتُهُ بحِنطَةٍ وخمرٍ".. فماذا يمنع أن تعضدني أنا (عيسو) أيضًا بحنطة وخمر؟

إن الحنطة والخمر هنا هما جسد الرب ودمه، فإذا جاء المسيح من نسل يعقوب فكيف يأتي من نسل عيسو؟!

وبالفعل لم تتحقق ليعقوب البركة بالمعنى المادي الحسي حيث أننا نعلم أنه نزل إلى مصر في شيخوخته ليشتري قمحًا ويقتات من خير مصر. فهذه البركة تحققت في ملء الزمان عندما جاء المسيح من نسله وأعطانا جسده ودمه المُقدَّسين في صورة حنطة وخمر.

إنها إشارة مبكرة جدًّا لحقيقة جسد الرب والدم اللذين نأخذهما في صورة خبز وخمر.. وحينما قال إسحاق لابنه عيسو: "هوذا بلا دَسَمِ الأرضِ يكونُ مَسكَنُكَ، وبلا نَدَى السماءِ مِنْ فوقُ" (تك27: 39). كان معنى ذلك أنه لا يمكن أن يجيء المسيح من نسلك.

* "ليُستَعبَدْ لكَ شُعوبٌ، وتسجُدْ لكَ قَبائلُ. كُنْ سيدًا لإخوَتِكَ، وليَسجُدْ لكَ بَنو أُمكَ. ليَكُنْ لاعِنوكَ مَلعونينَ، ومُبارِكوكَ مُبارَكينَ" (تك27: 29).. لقد اُستعبد يعقوب للابان خاله، ولم يتمتع بهذه السيادة في أية فترة من عمره، ولكن تحققت هذه النبوة بمجيء السيد المسيح من نسله، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. فصارت كل الشعوب وكل الأمم وكل القبائل وكل الألسن تتعبد لاسمه القدوس.

 

(د) سلّم يعقوب:

رأى يعقوب حلمًا.. "وإذا سُلَّمٌ مَنصوبَةٌ علَى الأرضِ ورأسُها يَمَسُّ السماءَ، وهوذا مَلائكَةُ اللهِ صاعِدَةٌ ونازِلَةٌ علَيها" (تك28: 12).

إن هذا السلّم يرمز إلى التجسد الإلهي حيث نزل إلينا الله، ويرمز أيضًا إلى الصليب المجيد.. إذ أنه منصوب على الأرض ورأسه يمس السماء، ويرمز ثالثة إلى العذراء مريم الوسيلة التي نزل عليها الله إلينا.. والتي صارت صلة تصل السماء بالأرض.

أما الملائكة الصاعدة والنازلة عليها فتشير إلى أن البعض سيصعد بالمسيح إلى السماء "ليس أحَدٌ يَأتي إلَى الآبِ إلاَّ بِي" (يو14: 6)، والبعض الآخر سيُعثر فيه وينزل من مكانته السمائية.. نَّ هذا قد وُضِعَ لسُقوطِ وقيامِ كثيرينَ في إسرائيلَ، ولعَلامَةٍ تُقاوَمُ" (لو2: 34)، أو يرمز أيضًا إلى الملائكة الصاعدة ترفع صلواتنا ونازلة إلينا بخيرات الآب السماوي، وهذا السلّم أشار إليه السيد المسيح عندما قال لنثنائيل: "الحَقَّ الحَقَّ أقولُ لكُمْ: مِنَ الآنَ ترَوْنَ السماءَ مَفتوحَةً، ومَلائكَةَ اللهِ يَصعَدونَ ويَنزِلونَ علَى ابنِ الإنسانِ" (يو1: 51).

إنه السلّم النازل من السماء علامة اتضاع الله ونزوله إلينا ضد كبرياء بابل التي أرادت أن تبني برجًا من الأرض إلى السماء للارتفاع والتكبر على الله نفسه.

لقد أقام أبونا يعقوب في مكان هذه الرؤية أول كنيسة، ودشنها بالزيت، وأسماها بيت إيل (أي بيت الله).. "وخَافَ وقالَ: مَا أرهَبَ هذا المَكانَ! مَا هَذا إلاَّ بَيتُ اللهِ، وهَذا بَابُ السَماءِ" (تك28: 17).

وكان الحجر الذي نام عليه هو العمود التذكاري لهذه الكنيسة.. وهذا الحجر يرمز إلى جسد المسيح الذي صار رأس الزاوية وحجر عثرة وصخرة شك للذين لا يؤمنون.. "كما هو مَكتوبٌ: ها أنا أضَعُ في صِهيَوْنَ حَجَرَ صَدمَةٍ وصَخرَةَ عَثرَةٍ، وكُلُّ مَنْ يؤمِنُ بهِ لا يُخزَى" (رو9: 33).. بينما صار المسيح أصل البنيان للكنيسة "مَبنيينَ علَى أساسِ الرُّسُلِ والأنبياءِ، ويَسوعُ المَسيحُ نَفسُهُ حَجَرُ الزّاويَةِ" (أف2: 20). "وعلَى هذِهِ الصَّخرَةِ أبني كنيسَتي" (مت16: 18).

أما الزيت المصبوب على رأس الحجر فيشير إلى انسكاب الروح القدس على الكنيسة وامتلاء جسد المسيح -الذي هو نحن- بالنعمة.

 

(هـ) زواج يعقوب:

لقد أرسل إسحاق يعقوب ابنه ليأخذ لنفسه زوجة.. وكأن الآب السماوي قد أرسل ابنه الوحيد ليأخذ لنفسه عروسًا هي الكنيسة المُقدَّسة.. "قُمِ اذهَبْ إلَى فدّانَ أرامَ، إلَى بَيتِ بَتوئيلَ أبي أُمكَ، وخُذْ لنَفسِكَ زَوْجَةً مِنْ هناكَ، مِنْ بَناتِ لابانَ أخي أُمكَ" (تك28: 2).

لقد حدّد إسحاق العائلة التي يأخذ منها يعقوب زوجة، وكأن الآب السماوي قد اختار بيت آدم (أبى أمك)، بل ونسل إبراهيم بالذات، ومن بيت داود ليأخذ زوجة هي الكنيسة (البشرية).

فالعذراء مريم (أم الرب يسوع) هي ابنة آدم، وابنة إبراهيم وداود، وكأنك تقرأ الآية بالمعنى النبوي كالآتي: "قم اذهب إلى الأرض إلى بيت آدم أبي أمك (العذراء)، وخذ لنفسك زوجة (الكنيسة) من هناك من بنات لابان أخي أمك (أي من الأمة اليهودية)". فقد جاء المسيح إلى خاصته في البداية ليأخذ منهم لنفسه شعبًا مستعدًّا مبررًا.

ثم كمّل إسحاق بركته ليعقوب قائلًا: "واللهُ القديرُ يُبارِكُكَ، ويَجعَلُكَ مُثمِرًا، ويُكَثرُكَ فتكونُ جُمهورًا مِنَ الشُّعوبِ" (تك28: 3).. وكأن هذه البركة هي نبوءة عن المسيح الذي سيصير بالتجسد جمهورًا من الشعوب.

فبالرغم من أن السيد المسيح قد جاء إلى خاصته إلاَّ أن خاصته لم تقبله، وعدم القبول هذا فتح الباب على مصراعيه لباقي الأمم ليكون لهم نصيب في المسيح بالإيمان، ويصير المسيح أبًا لجمهور كثير، وليس لشعب واحد.

وقد تحقق هذا بالفعل عندما هتف المؤمنون بعد معمودية كرنيليوس: "إذًا أعطَى اللهُ الأُمَمَ أيضًا التَّوْبَةَ للحياةِ!" (أع11: 18).

وما قاله مُعلِّمنا بولس وبرنابا لليهود الذين رفضوا الإيمان بالمسيح إلهنا: "كانَ يَجِبُ أنْ تُكلَّموا أنتُمْ أوَّلًا بكلِمَةِ اللهِ، ولكن إذ دَفَعتُموها عنكُمْ، وحَكَمتُمْ أنَّكُمْ غَيرُ مُستَحِقينَ للحياةِ الأبديَّةِ، هوذا نتوَجَّهُ إلَى الأُمَمِ" (أع13: 46).

وأيضًا قيل عن اليهود الذين رفضوا المسيح: "وإذ كانوا يُقاوِمونَ ويُجَدفونَ نَفَضَ ثيابَهُ وقالَ لهُمْ: دَمُكُمْ علَى رؤوسِكُمْ! أنا بَريءٌ. مِنَ الآنَ أذهَبُ إلَى الأُمَمِ" (أع18: 6).

هنا تحققت النبوءة التي قالها إسحاق: "ويُعطيكَ بَرَكَةَ إبراهيمَ لكَ ولنَسلِكَ معكَ" (تك28: 4)، وبركة إبراهيم هي "فأجعَلكَ أُمَّةً عظيمَةً وأُبارِكَكَ وأُعَظمَ اسمَكَ، وتكونَ بَرَكَةً. وأُبارِكُ مُبارِكيكَ، ولاعِنَكَ ألعَنُهُ. وتتبارَكُ فيكَ جميعُ قَبائلِ الأرضِ" (تك12: 2-3).

حقًّا.. في المسيح قد تباركت جميع قبائل الأرض. وهنا أيضًا تحققت النبوءة: "لترِثَ أرضَ غُربَتِكَ التي أعطاها اللهُ لإبراهيمَ" (تك28: 4).

إن الدارس سيجد أن يعقوب لم يرث أرض الموعد.. بل تغرب في أرض مصر إلى أن مات.. ولكن تحققت هذه البركة في نسله الذي هو المسيح حيث ورث الأرض كلها، وورّثنا السماء أيضًا بموته على الصليب، وعندما رد سبي بني آدم من سلطان الشيطان (رئيس هذا العالم)، وصار المسيح هو الملك الحقيقي للبشر المؤمنين به وصارت "للرَّب الأرضُ ومِلؤُها" (مز24: 1)، و"قد صارَتْ مَمالِكُ العالَمِ لرَبنا ومَسيحِهِ" (رؤ11: 15).

لقد تغرّب الرب يسوع في أرضنا كغريب.. ولكنه مَلَك عليها وصارت له، ونحن أيضًا صرنا له بكل الحب.

تقابل يعقوب مع راحيل عروسه في الحقل عند البئر (تك29: 2).. وتقابل الرب يسوع مع الكنيسة -عروسه- في حقل العالم عند بئر المعمودية.

وكان هناك عند البئر ينتظر مجيء راحيل ثلثة قطعان من الغنم.. وكأنها ثلاثة عصور هي: (الآباء ثم الناموس ثم الأنبياء) ينتظرون مجيء كنيسة المسيح عروس العهد الجديد.

لقد جاءت هذه القطعان ولكن كان البئر مغلقًا بحجر كبير، إشارة إلى أن المعمودية كانت مغلقة في العهد القديم حتى يجيء المسيح ليدحرج الحجر، ويفتح لنا باب المعمودية، ليسقي ويروي خراف راحيل.. أي شعبه الجديد.

وجاءت راحيل مع الغنم لترعاها وترويها.. وكذلك تعمل الكنيسة كراعية أغنام ترعى وتربي وتعول وتروي أغنامها الحيَّة المُقدَّسة.

وقبّل يعقوب راحيل عروسه.. كما قبّل المسيح الكنيسة عندما نفخ فيها نفخة الروح القدس تحقيقًا لنبوءة سفر النشيد "ليُقَبلني بقُبلاتِ فمِهِ، لأنَّ حُبَّكَ أطيَبُ مِنَ الخمرِ" (نش1: 2)، "نَفَخَ وقالَ لهُمُ: اقبَلوا الرّوحَ القُدُسَ. مَنْ غَفَرتُمْ خطاياهُ تُغفَرُ لهُ، ومَنْ أمسَكتُمْ خطاياهُ أُمسِكَتْ" (يو20: 22-23). "وأخبَرَ يعقوبُ راحيلَ أنَّهُ أخو أبيها، وأنَّهُ ابنُ رِفقَةَ" (تك29: 12).. والمسيح هو أخو آدم (بالتجسد)، وابن امرأة (نسل المرأة).

"فقالَ لهُ لابانُ: إنَّما أنتَ عَظمي ولَحمي" (تك29: 14)، وهي نفس الكلمة التي قالها آدم عن حواء: "هذِهِ الآنَ عَظمٌ مِنْ عِظامي ولَحمٌ مِنْ لَحمي" (تك2: 23)، وأيضًا هي نفس الكلمة التي قالها معلمنا بولس عن الكنيسة والمسيح: "لأنَّنا أعضاءُ جِسمِهِ، مِنْ لَحمِهِ ومِنْ عِظامِهِ" (أف5: 30).

عند الزواج أُعطيت ليئة ليعقوب أولًا بدلًا من راحيل التي أُعطيت له فيما بعد.. إشارة إلى ارتباط الله بكنيسة العهد القديم أولًا ثم كنيسة العهد الجديد فيما بعد.

وليئة تشير إلى كنيسة العهد القديم، فقد كانت عيناها ضعيفتين إشارة إلى عدم وضوح الرؤية عند آباء وأنبياء العهد القديم.. بسبب عدم تمتعهم برؤية السيد المسيح بالجسد.

بعكس كنيسة العهد الجديد (راحيل) التي كانت قوية النظر وحسنة الصورة وحسنة المنظر.. إنها الكنيسة المحبوبة..

وكانت ليئة كثيرة الإنجاب كمثل كنيسة العهد القديم التي أنجبت لنا الآباء والأنبياء، وكان لديها العهود والاشتراع والذبائح والكهنوت.. بينما كانت راحيل عاقرًا كمثل كنيسة الأمم التي ما كانت تنجب قديسًا أو فضيلة.. بل كانت غارقة في عبادة الأوثان.

وعندما فُتح رحم راحيل.. أعطاها الله أعظم الأبناء يوسف ثم بنيامين، وكذلك عندما بدأت الأمم الدخول في الإيمان بالمسيح صار منهم أعظم القديسين وأفضل الآباء.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) "أحمَرَ، كُلُّهُ كفَروَةِ شَعرٍ" (تك25: 25).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا







External ads إعلانات خارجية



https://st-takla.org/books/anba-raphael/christ-in-genesis/jacob.html